; الشيوعيون العرب وقضية فلسطين «3» | مجلة المجتمع

العنوان الشيوعيون العرب وقضية فلسطين «3»

الكاتب سامي عطا حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1988

مشاهدات 70

نشر في العدد 862

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 12-أبريل-1988

نشرنا في العددين الماضيين جزأين من هذا الموضوع القيم للأستاذ سامي عطا حسن، حيث تبين لنا موقف الشيوعيين العرب من قضية فلسطين قبل النكبة وأثناءها. وفي هذا العدد يتحدث الكاتب عن موقف الشيوعيين العرب من فلسطين بعد النكبة، يقول الكاتب:

أما موقفهم منها بعد النكبة فيتمثل في العمل على تثبيت الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة وتدعيمه وتقويته لكي يتفسح المجال أمام اليهود لتحقيق أهدافهم. وكلنا يعلم أن هذه الخطوة لن تتحقق إلا بطمس قضية فلسطين وإسدال الستار عليها نهائيًا عن طريق فرض الصلح بين العرب واليهود، وإن تظاهروا أنهم ضد الصلح مع اليهود وضد كامب ديفيد وضد مشاريع السلام السرابية المطروحة في الساحة العربية، من خلال مقالات ذيولهم في الصحف اليومية.

وهذا الصلح الذي نادوا به وعملوا من أجله -كما تنطق صحفهم ومنشوراتهم- مضر بالقضية الفلسطينية من عدة نواحٍ:

فمن الناحية السياسية:

سيكون هذا الصلح اعترافًا رسميًا بشرعية الدولة اليهودية الغاصبة التي قامت في فلسطين العربية. وبذلك تُطمس قضية فلسطين وتَنتهي حالة الحرب، ويُقضى على العداء العربي اليهودي وتتوطد أركان إسرائيل بموافقة العرب أنفسهم.

ومن الناحية الاقتصادية:

سيؤدي الصلح إلى إفساح المجال أمام الاقتصاد اليهودي لينمو ويزدهر على حساب الاقتصاد العربي. ويتحقق بذلك هدف اليهود والاستعمار بجعل إسرائيل مصنعًا ضخمًا في وسط زراعي متخلف، فيتحول الوطن العربي بذلك إلى سوق واسعة للاقتصاد اليهودي والاستعماري، يتحكم اليهود عن طريقه بمقدرات الوطن العربي تدريجيًا.

أما من الناحية العسكرية:

فسيؤدي الصلح إلى حالة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي تُمكّن إسرائيل من الانصراف إلى بناء كيانها داخليًا وتدعيم اقتصادها الحربي وتقوية جيوشها، وتنفيذ برامج الهجرة وتحويل إسرائيل إلى معسكر حربي كبير أو قاعدة عسكرية تنتظر الفرصة الملائمة للانقضاض مرة جديدة، وتوسيع حدودها على حساب أراضٍ عربية جديدة.

هذا ما كانت تقصده الحركة الشيوعية من مناداتها بالصلح مع دولة اليهود، بعد تأييدها المخزي لقيام إسرائيل وإضفائها صفة الشرعية على الاغتصاب اليهودي.

واقرأ معي أخي القارئ سطور هذه المؤامرة من وثائقهم:

1.     بعد دخول الجيوش العربية إلى فلسطين عينت الأمم المتحدة في مايو 1948 الكونت برنادوت ليقوم بمهمة الوساطة بين العرب واليهود. وقدم (برنادوت) مشروع التقسيم المعروف في يونيو سنة 1948. وقد رفض العرب هذا المشروع لاعترافه لليهود بحق قيام دولة لهم في فلسطين، كذلك رفض اليهود هذا المشروع للتعديلات التي اقترحها بشأن القدس والنقب.

فهاجم الشيوعيون في سوريا ولبنان وفلسطين ومصر وغيرها مقترحات برنادوت هجومًا عنيفًا لإجحافها بحق اليهود. وقد عبر الشيوعيون في مصر أحسن تعبير عن هذا الموقف، فقالت نشرة (صوت البروليتاريا) في عددها الثاني بتاريخ نوفمبر سنة 1948 في معرض مناقشتها لمشروع برنادوت ما نصه:

«إن الاقتراح بجعل حيفا -وهو أهم ميناء في فلسطين ومنفذ لأنابيب البترول- ميناء حرًا، لهو اقتراح موجه في صالح ملوك البترول الأمريكيين، وفي نفس الوقت يشل اقتصاد الدولة اليهودية بحرمانها من هذا الميناء الحيوي!»

2.     وفي يوليو سنة 1950 أصدرت عصبة التحرر الوطني بيانًا بتوقيع (لجنة عصبة التحرر الوطني في فلسطين في منطقة الاحتلال المصري) قالت فيه:

«إن عصبة التحرر الوطني تدعو جميع القوى الديمقراطية والوطنية الشريفة في أنحاء القسم العربي المحتل من قبل فاروق وعبد الله إلى توحيد صفوفها في جبهة واحدة للوصول إلى هذا الهدف.

إن العصبة في هذه المنطقة تمد يدها إلى كل ديمقراطي وطني شريف! لتكوين هذه الجبهة الموحدة للنضال من أجل تحرر الشعب الفلسطيني ومن أجل عودة المشردين إلى ديارهم... ومن أجل إقامة الدولة الديمقراطية المستقلة الصديقة للشعب اليهودي...

إن السبيل الوحيد لإنقاذ جماهيرنا من قبضة المحتل المصري! (أما اليهود فليسوا بمحتلين!) ولعودة المشردين إلى ديارهم... ومن أجل التحرر والانعتاق والحصول على لقمة الخبز بالعمل الشريف هو في النضال الواعي من أجل تنفيذ قرار هيئة الأمم المتحدة وفي التفاهم والتعاون مع الشعب اليهودي.

يا جماهير شعبنا في هذه المنطقة: إن جماهير الشعب العربي الفلسطيني بقيادة عصبة التحرر الوطني في منطقة الاحتلال الهاشمي! تناضل من أجل الحرية والانعتاق أيضًا... وإن جميع القوى الديمقراطية في إسرائيل (كالهاغاناة وشتيرن...) وفي طليعتها الحزب الشيوعي الشقيق هناك تناضل من أجل الحرية والسلم في إسرائيل وفي فلسطين بأكملها...).

هذا هو موقف الشيوعيين في فلسطين والأردن من إسرائيل بعد النكبة وأحداثها الدامية وبعد تشرد مليون عربي هاموا على وجوههم كالأيتام على مآدب اللئام. وهؤلاء الشيوعيون هم الذين زينوا لقادة الثورة الفلسطينية رفع هذا الشعار وهو المناداة (بالدولة الديمقراطية العلمانية) بعد أن تسللوا إلى أجهزة الثورة المختلفة وخاصة بعد معركة الكرامة وأحداث أيلول الأسود. ولما فشلوا في صرف الثورة عن جميع أهدافها بدءوا بالانشقاق عنها تدريجيًا لتفتيتها وإفقاد ثقة الجماهير المسلمة بها، وقد حصل.

3.     وفي يونيو عام 1951 أصدر الحزب الشيوعي الأردني (عصبة التحرر الوطني سابقًا) برنامجه الذي سيخوض على أساسه الانتخابات.

فوعد البرنامج بـ (تأمين صلح ديمقراطي مع إسرائيل). وقد عاد الشيوعيون واستبدلوا هذا البند في شهر أغسطس من نفس العام، بعد أن أدركوا ثقل وطأة هذه الجريمة على أسماع الشعب العربي آنذاك، بتقسيم فلسطين طبقًا لقرارات هيئة الأمم المتحدة عام 1947.

4.     وعاد الشيوعيون في مصر واستمروا في مطالبتهم بتمزيق فلسطين. إذ طالب البرنامج الوطني لعام 1950-1951 لحركة التحرر الوطني الديمقراطي (حديتو) بتطبيق قرارات التقسيم وإنشاء دولة ديمقراطية في فلسطين.

وفي عام 1952 قامت في مصر حملة تبرعات واسعة للنازحين العرب الذين لجأوا إثر النكبة إلى قطاع غزة. وأُطلق على القطار الخاص الذي سيحمل التبرعات إلى مدينة غزة اسم قطار الرحمة. فعلقت (راية الشعب) صحيفة أحد التنظيمات الشيوعية في مصر في عددها (31) على الحملة بقولها:

«في كلمة ألقاها أحد العسكريين الفاشيين من محطة الإذاعة يسب الأحمق شعبنا المكافح فيزعم أن كارثة اللاجئين سُبَّة في جبين الشعب المصري، ويطالبنا تبعًا لذلك بالتبرع لما أسموه قطار الرحمة لإعانة هؤلاء اللاجئين... فهل نحن مسؤولون حقًا عن كارثة اللاجئين؟ إن المسؤولين عن كارثة فلسطين ومحنة اللاجئين هم سادة محمد نجيب نفسه... وهم الآمرون الناهون في عصابته الفاشية الحاكمة... ولكن هذه العصابة تزيف التاريخ لكي تحمي سادتها من المستعمرين والرجعيين والخونة! لكي تفرض المزيد من الأعباء على عاتق الشعب والوطنيين! أما قطارات الرحمة فلن تحل مشكلة اللاجئين... الحل الوحيد لمشكلة اللاجئين هو تكوين دولة فلسطين العربية الديمقراطية المستقلة... وذلك بسحب هذه الجيوش الأجنبية التي تحتل أراضيها... والكف عن إثارة الأحقاد العنصرية ضد اليهود».

5.     وكتبت راية الشعب، جريدة إحدى المنظمات الشيوعية المصرية، في 3/11/1953 تقول:

«إن حكومة إسرائيل مثل الحكومات العربية الخائنة تجعل من فلسطين قُرحة لا تندمل بل تنزف دائمًا... ولكن الشعوب العربية المكافحة وشعب إسرائيل المناضل!!! ينادون بحل مشكلة فلسطين حلًا سلميًا نهائيًا... وإن الوطنيين المصريين يطالبون بالانسحاب فورًا من الجامعة العربية الاستعمارية وعقد صلح مع إسرائيل! على أساس إقرار حق اللاجئين العرب في تكوين دولتهم المستقلة». وتذكروا أن هذا الكلام عن الشعب اليهودي المناضل قد قيل قبل بضعة عشر يومًا من الاعتداء الوحشي الذي قام به اليهود على قبية في 15 أكتوبر سنة 1953.

6.     وفي نفس الفترة، وبعد أسبوع واحد من مجازر (قبية) وبعد ست سنوات من النكبة تقريبًا لم يخلُ شهر منها من اعتداء يهودي على العرب، أصدر الحزب الشيوعي العراقي بيانًا إلى الشعب نشر في جريدة (القاعدة) الجريدة الرسمية الناطقة باسم الحزب، بتاريخ 22 أكتوبر 1953 جاء فيه:

«يا جماهير شعبنا العظيم... لا بد أنكم اطلعتم وتبين لكم ولجميع الشعوب العربية ما قام به الاستعماريون الأمريكان والإنجليز من مؤامرة دنيئة في إثارة الحرب الفلسطينية عام 1948 من أجل تقسيم مناطق النفوذ بينها على حساب أشلاء ودماء الضحايا من الكادحين العرب واليهود... إن الغاية الأساسية لإبقاء القضية الفلسطينية هي أن تتخذ من هذه القضية (قميص عثمان!)، ومتى أراد الاستعماريون تنفيذ خططهم الإجرامية فيمكن أن يجعلوا من هذه الحركة ذريعة لضرب الحركات الوطنية التحررية وتصفية الحركات الديمقراطية وفرض مشاريعهم العدوانية الحربية على شعبنا! والشعوب العربية، ولصرف إنتاجهم الحربي على حساب قتل الكادح العربي لأخيه الكادح اليهودي.

يا جماهير شعبنا المكافح: إن خونة شعبنا الحاكمين المحليين الخانعين للمستعمرين يحاولون زج أبناء شعبنا في مهزلة الحرب الفلسطينية مرة أخرى.

فينبغي على جميع القوى الوطنية أن تهب بوجه حكومة الجمالي الخائنة ضد مؤامرة الحرب الفلسطينية القذرة».

ليعيش نضال شعبنا من أجل إحباط هذه المؤامرة الدنيئة... ليسقط المستعمرون... لتسقط مؤامرة الحرب الفلسطينية القذرة».

إن هذا البيان الذي صيغ بهذه اللهجة اليهودية الحاقدة... هو نسخة أخرى من المغالطات الشنيعة التي تغلفت بها -فضلًا عن خيانة القضية الفلسطينية- مؤامرة فرض الصلح على العرب.

7.     أما حركة (أنصار السلم) فلم يكن موقفها -باعتبارها منظمة وواجهة للأحزاب الشيوعية- إلا الموقف المتآمر لهذه الأحزاب.

ففي مؤتمر شعوب الشرقين الأدنى والأوسط الذي انعقد في بيروت عام 1953 رفض المؤتمر اتخاذ قرار بشأن قضية فلسطين.

ورغم أن الشيوعيين في هذا المؤتمر قد بحثوا جميع القضايا العالمية الساخنة آنذاك من أفريقيا حتى فورموزا وفيتنام، إلا أنهم أبوا بحث القضية الفلسطينية!

يتبع...

 

 

الرابط المختصر :