; الصائم بين جناحي.. «أخيرة» الخوف والرجاء | مجلة المجتمع

العنوان الصائم بين جناحي.. «أخيرة» الخوف والرجاء

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2011

مشاهدات 88

نشر في العدد 1967

نشر في الصفحة 40

السبت 27-أغسطس-2011

  • الخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه ومحارم الله
  • أول الرجاء رجاء يبعث العامل على الاجتهاد.. فإن من عرف قدر مطلوبه هان عليه ما يبذل فيه
  • في ليلة القدر تتجسد رحمات الله ويكون المرء فيها أقرب للرجاء منه للخوف في هذا المقام

القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه.. ومتى سَلِم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر.

والصائم؛ الطائر الرمضاني يطير بجناحيْ الخوف والرجاء.. وإذا تعرض جناح الرجاء للعطب أوشك جناح الخوف أن يهوي بالطائر من شدة الوجل، ويعود الأمر إلى اتزانه متى سرت في جناح الرجاء دماء الاستبشار برحمة الله الواسعة.

وفي أثناء طيرانه يرى البرق خوفًا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله، ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ (12)﴾ (الرعد).

يقول الله تعالى: ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ (205)﴾ (الأعراف)، ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا (57)﴾ (الإسراء)، ﴿وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ﴾ (الأنبياء:٩٠)،﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16)﴾ (السجدة).

يقول ابن القيم: والرهبة الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه، والفرق بين الرغبة والرجاء أن الرجاء طمع والرغبة طلب، فهي ثمرة الرجاء، فإنه إذا رجا الشيء طلبه، والخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓاءُ﴾ (فاطر:۲۸)، فهو خوف مقرون بمعرفة، وقال النبي ﷺ: «إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية».

والخوف المحمود الصادق ما حال بين صاحبه ومحارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.. ومدح الله خوف المؤمنين في سورة «المؤمنون» في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ (57)  وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ (58)  وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ (59) وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ (60)  أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ (61)﴾ (المؤمنون).

عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت: يا رسول الله، «الذين يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون» أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر «أو لا يا بنت الصديق»، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، وهو يخاف أن لا يقبل منه» (رواه الترمذي وأحمد واللفظ له).

قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم. إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا.

والخوف ليس مقصودًا لذاته، بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل، ولهذا يزول بزوال المخوف، فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وأول الخوف: الخوف من العقوبة، وهو الخوف الذي يصح به الإيمان، وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة.

وأوسطه إشفاق على الوقت.. أي يحذر على وقته أن يخالطه ما يصرفه عن الحضور مع الله عز وجل، وعلى القلب أن يزاحمه عارض من فترة أو شبهة أو شهوة، وكلها أسباب إعاقة لهذا الطائر لغرضه وهي الجنة.. ونهايته إشفاق يصون سعيه عن العجب الذي يفسد العمل كما يفسده الرياء.

الإشفاق

وفي رمضان، حينما يسبح الطائر الملون الجميل الرشيق في فضاء الزمن، ويتلذذ بالصيام والقيام والصدقة والاعتكاف، هو أيضًا يحمل في جسده المنساب نوعًا رقيقًا من الخوف يتمشى مع رقته الرمضانية، وهو الإشفاق، الذي قال عنه ابن القيم: إنه خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه، فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة، فإنها ألطف الرحمة وأرقها، وبدايته إشفاق على النفس أن تجمع إلى العناد، أو أن تسرع وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبودية، ثم هو إشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع.

ومن آيات الإشفاق: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ (28)﴾ (الأنبياء)، ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ (27)﴾ (المعارج).

وهناك خوف في الدنيا يبدله الله أمنًا لعباده المؤمنين: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (55)﴾ (النور).

الخوف كما في القرآن الكريم يكون من الله ومن مقام الله ووعيد الله وعذاب الله والحشر إلى الله، ومن الساعة والآخرة ويوم القيامة وشره وسوء الحساب وظلل النار.

والرجاء يكون لله ولرحمة الله ولقاء الله وأيام الله «ثوابه، أياديه ونعمه» والتجارة مع الله ورجاء اليوم الآخر، ﴿مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ (5)﴾ (العنكبوت)، ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا (21)﴾ (الأحزاب).

أما جناح الرجاء، فقد يلبس الناس جناحًا «مقلدًا مزورًا» بديلًا له هو جناح «التمني».. وشتان بينهما، فالتمني يكون مع الكسل، والرجاء يكون معه بذل الجهد وحسن التوكل.

ثلاثة أنواع

يقول ابن القيم: الرجاء ثلاثة أنواع، نوعان محمودان، ونوع مذموم.

الأول: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه.

الثاني: رجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها، فهو راج لمغفرة الله تبارك وتعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه.

والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب.

قال يحيى بن معاذ: «يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال، لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أصفيها وأحرزها وأنا بالآفات معروف، وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟».

ومن شدة تكامل الجناحين، قال العلماء: كل راج خائف من قوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط.

فالخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف وكل خائف راج.

رجاء أرباب القلوب

وأول الرجاء رجاء يبعث العامل على الاجتهاد، فإن من عرف قدر مطلوبه هان عليه ما يبذل فيه، كحال من يرجو الأرباح العظيمة في سفره، ويقاسي مشاق السفر لأجلها، فكلما صورها لقلبه هانت عليه تلك المشاق وتلذذ بها.

وأعلى من هذا الرجاء رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق الباعث على الاشتياق، المنغص للعيش، المزهد في الخلق.

قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا (110)﴾ (الكهف).

وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصار المشتاقين، ولذلك سلاهم الله بإثبات أجل اللقاء، وضرب لهم أجلًا يسكن نفوسهم ويطمئنها.

ما أعظم كرم الله وسعة رحمته حين يشعر بها الإنسان في رمضان، وبُعَيد رمضان حينما يفرح بإكمال العدة فيُكبّر فرحًا.. وتتجسد في ليلة القدر رحمات الله، ويكون المرء فيها أقرب للرجاء منه للخوف في هذا المقام.. ولم لا؟ فإن الله: الفضل أحب إليه من العدل.. والعفو أحب إليه من الانتقام.. والمسامحة أحب إليه من الاستيفاء.. ورحمته سبحانه غلبت غضبه.. سبحانه من إله عظيم!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 37

114

الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

ليلة القدر

نشر في العدد 85

0

الثلاثاء 09-نوفمبر-1971

في ظلال شهر الصوم..

نشر في العدد 123

121

الثلاثاء 24-أكتوبر-1972

كل شيء عن الصيام