; الصحافة الفرنسية والإسلام في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان الصحافة الفرنسية والإسلام في الجزائر

الكاتب محمد إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1990

مشاهدات 84

نشر في العدد 971

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 19-يونيو-1990

الصحافة الفرنسية تتعمد إخفاء كل الجوانب الإيجابية التي يعمل الجزائريون على تحقيقها في إطار ديمقراطي.

 

عندما يكون هذا الموضوع بين يدي القراء تكون انتخابات مجالس الولايات والبلديات الجزائرية قد انتهت وظهرت نتائجها المرتقبة بلهفة وتوجس من قبل جهات عديدة في الداخل والخارج نظرًا لأهمية هذه الانتخابات التي تجري لأول مرة منذ استقلال الجزائر عام 1962 في إطار التعددية السياسية وفي ظل ديمقراطية ناشئة. وبقطع النظر عن النتائج التي ستتمخض عنها تلك الانتخابات وعن القراءات المختلفة لها فيما بعد، فإن ما يستوقفنا هو التركيز غير البريء للصحافة الفرنسية في الأسابيع الأخيرة على أوضاع الجزائر السياسية والاجتماعية والاقتصادية ورسم صورة قاتمة لهذا البلد العربي الإسلامي والإيحاء بأن الإسلاميين يهددون أمنه واستقراره.

 

1990 عام المخاطر

مراقبة الفرنسيين لما يجري في الجزائر واهتمامهم بكل التطورات التي تحدث فيها نابع من معرفتهم لما تمثله الجزائر في الشمال الأفريقي وفي القارة الأفريقية عمومًا، تلك القارة التي لا تزال لهم فيها مصالح حيوية ولا ننسى كذلك موقع الجزائر المقابل لفرنسا على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط والامتداد الثقافي والاقتصادي لفرنسا في الجزائر بحكم التاريخ وشبكة العلاقات الاقتصادية المتينة بين البلدين، فلا غرابة أن يكون لكل ما يحدث في الجزائر نبض في فرنسا بصفة خاصة وأن يتخوف الفرنسيون من كل ما قد يتهدد مصالحهم في الجزائر وفي الشمال الأفريقي عمومًا، وعلى هذا الأساس نفهم لماذا ركزت الصحافة الفرنسية عشية انتخابات البلدية على تحليل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الجزائر، ملمحة إلى الخطر «الإسلامي» الذي يتهدد هذا البلد مشككة في قدرة الجزائريين على إنجاح تجربتهم الديمقراطية بالقول مثلًا إنه من الصعب جدًا الانتقال من دكتاتورية عسكرية إلى تعددية وديمقراطية برلمانية. وقد ركزت معظم الصحف الفرنسية على الصراعات القائمة داخل حزب جبهة التحرير الحاكم مبينة أن هذه الصراعات أضعفت الحزب الحاكم أمام خصومه الرئيسيين وفي مقدمتهم حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي يتزعمها الثنائي عباس مدني وعلي بلحاج وملحة على أن تلك الصراعات حدَّت من مشاريع الإصلاح التي أطلقها ميلود حمروش رئيس الوزراء الجزائري عام 1989 وتستنتج الصحافة الفرنسية أنه أمام ظهور النتائج المرتقبة للإصلاحات وأمام تردد الحكومة في مجابهة الإسلاميين وأمام نفاد صبر الشباب الذين يمثلون حوالي 65% من سكان الجزائر والذين يئنون من وطأة الحقائق الاقتصادية فإن عام 1990 قد يكون عام المخاطر وهم يعنون بالمخاطر وصول الإسلاميين إلى الحكم الذي قد ينجر عنه في رأيهم حرب أهلية شبيهة بتلك التي تدور رحاها في لبنان، فالإسلام في نظرهم يعني لبنان الجزائر بكل ما توحي الكلمة من تخويف وإرهاب، وقد اعتمدت الصحافة الفرنسية لإبراز هذه الطروحات على أقوال المعارضين للتيار الإسلامي من الجزائريين وعلى ما يستشف من تخوف بعض المتنفذين على مصالحهم وعلى تصريحات المتفرنجين وما أكثرهم، وهم ضحية الاستلاب الثقافي كما اعتمدت تلك الصحافة على بعض الهفوات والغلطات التي يقع فيها بعض الإسلاميين بسبب اندفاعهم وقلة تجربتهم وخبرتهم في مجال العمل السياسي وقد عمدت صحف فرنسية واقعة تحت النفوذ الصهيوني إلى تضخيم تلك الهفوات أو إلصاق بعض الجرائم بالإسلاميين للتدليل على سمة العنف والإرهاب التي كثيرًا ما تلصق بالإسلاميين، ورغم أن تلك الصحافة لا تستنكف من احتقار التجربة الديمقراطية الجزائرية وحتى الحكم عليها بالفشل مسبقًا فإنها من جهة أخرى تظهر الإسلاميين بأنهم أعداء تلك الديمقراطية الناشئة وتزعم أنهم الخطر الذي يتهددها لأنهم أصلًا لا يؤمنون بالديمقراطية وقد ألمحت إحدى الصحف إلى هذه الفكرة عندما أوردت تصريحًا لكاتب الدولة لدى وزير الدفاع الجزائري هدد فيه بتدخل الجيش إذا ما تعرضت الديمقراطية الجزائرية للخطر، وقد جاء في ذلك التصريح قوله: "لن نسمح لأناس يصلون إلى الحكم عن طريق الديمقراطية بأن يجرونا إلى الديكتاتورية".

 

صورة قاتمة

الماضي سيئ والحاضر أسوأ والمستقبل لا يبشر بخير، تلك هي الصورة القاتمة التي ترسمها الصحافة الفرنسية للجزائر وهي صورة تبعث على الإحباط لو لم نكن نعرف أنها لا تمثل سوى رؤية عدائية لا يرى أصحابها من واقع الجزائر سوى السلبي ويتعامون عن الإيجابي.

 

إن من يقرأ ما تكتبه تلك الصحف عن الجزائر يتصور أن هذا البلد ينهار وأن الإسلاميين الذين يرفعون شعار الإنقاذ سيهوون به إلى القاع وكم يروق لتلك الصحف أن تضرب على وتر الأرقام المخيفة فتذكر مثلًا أن مداخيل الجزائر من النفط والغاز سنويًا «10 بلايين دولار» لا تغطي حاجتها من العملة الصعبة لدفع ثمن الواردات «8 بلايين دولار» وخدمات الديون «7 بلايين دولار» وأن البطالة تضرب 23% من قوتها العاملة وأن نسبة زيادة السكان فيها من أعلى النسب في العالم وأن ديونها الخارجية تجاوزت 27 بليون دولار وأن السوق السوداء التي توفر كل شيء ابتداء من الفواكه وحتى السيارات أصبحت تنخر الاقتصاد الوطني.

 

ونفس الصورة القاتمة ترسمها الصحافة الفرنسية للوضع الاجتماعي في الجزائر: أزمة سكنية خانقة تؤجل زواج بعض الشبان إلى سن الأربعين وتقذف بالأولاد إلى الشارع، وخدمات صحية غير كافية وسياسة تربوية فاشلة وإعلام تلفزيوني يتقهقر أمام المد الإعلامي الفرنسي عبر الأقمار الصناعية.

 

وإذا كنا لا نشك في أن الجزائر تمر ببعض الصعوبات شأنها في ذلك شأن العديد من دول العالم الثالث فإن تهويل هذه المصاعب وتضخيمها لا يمكن أن يفهم إلا في إطار التشويه المتعمد لإثبات فكرة خبيثة وهي أنه لولا الضائقة الاقتصادية والأزمة الاجتماعية ما كان الإسلاميون يجدون أنصارًا كثيرين في الساحة الجزائرية وكأن قوتهم نابعة من توظيفهم لتلك الضائقة كفائدة لحزبهم وكان على تلك الصحافة أن تتساءل لم استقطب الإسلاميون دون غيرهم الجماهير الجزائرية باعتبار أن الكل يمكن أن يوظف تلك الأزمة الاقتصادية والاجتماعية لفائدته؟ ومن جهة ثانية تظهر الصحافة الفرنسية الإسلاميين وكأنهم الخطر الداهم على الديمقراطية في الجزائر وعلى مكتسبات المرأة الجزائرية وتنعتهم بالنعوت إياها مثل «أصحاب الذقون الإرهابية» و«المتخلفون الذين يريدون أن يعودوا بالمجتمع إلى العصور الوسطى» والذين لا شيء عندهم يطرحونه ولا برنامج عمل يقدمونه سوى مقولات ما زال الاختلاف والتنازع قائم بشأنها وتعزز هذا الهجوم على الإسلاميين بأقوال ملتقطة من أفواه المتفرنجين والمتغربين في الجزائر وعندما تتعرض إلى التجمعات الكبيرة التي وقعت في الأشهر الأخيرة تأييدًا لهذا الحزب أو ذاك تقلل من شأن التجمع الكبير الذي نظمته الجبهة الإسلامية للإنقاذ والذي كان بشهادة الكثير من المنصفين أكبر تجمع حاشد مؤيد للإسلاميين ضم ما يقارب مليونًا من المواطنين رجالًا ونساء في حين أن الصحافة الفرنسية تعد المشاركين فيه 70 ألف مواطن فقط.

 

في نفس الوقت التي تهاجم فيه الصحافة الفرنسية الإسلاميين فإنها تعرض كذلك بجبهة التحرير بطريقة مباشرة وغير مباشرة وكأن هذه الجبهة التي قادت البلاد طيلة ربع قرن لم تنجز شيئًا ولا تتورع عن وصف سياساتها في ميادين كثيرة بالمفلسة رادة تنامي القوى الإسلامية إلى هذا الإفلاس ضاربة هذه بتلك وليس بخاف على المطلعين على مجريات الأحداث في الجزائر دس هذه الصحافة وصيدها في المياه العكرة وتحريضها لهذا الجانب على ذلك وفوق هذا كله إشعارها للقراء الجزائريين الذين يقرأون الكتابات الفرنسية بالإحباط والضياع والخوف من المستقبل المجهول. إن تلك الصحافة تلجأ متعمدة إلى التغطية على كل الجوانب الإيجابية التي يعمل الجزائريون في إطار ديمقراطي إلى تطويرها وتنميتها وجعلها قاعدة لانطلاقة نهضوية في كل الميادين وهذا ما لا يعجب الأعداء ولا يرضيهم ولكن الشعب الجزائري المتحسس لطريق نهضته الحقيقية في هذه المرحلة بالذات سيخرج بالتأكيد أشد عزمًا وأكثر حرصًا وأقوى إيمانًا بقادته على تجاوز كل العقبات وتخطي كل العراقيل بعد انتخابات يوم 12/6 وبذلك لا بد أن تسفه نتائج تلك الانتخابات أحلام كل المغرضين الذين لا يريدون للجزائر ولا يريدون للجزائريين أن يعودوا إلى أصالتهم العربية الإسلامية وإن وجدوا طريقهم الموحل حقًا لأهدافهم المنشودة في الخلاص من ربقة التخلف والتبعية الاقتصادية والثقافية.

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :