العنوان لماذا أثبتت الصحوة الإسلامية جدواها كخيار جذاب لكثير من المثقفين المسلمين؟
الكاتب البروفيسور جون أسبوزيتو
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993
مشاهدات 57
نشر في العدد 1035
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 26-يناير-1993
الصحوة الإسلامية.. التهديد
الإسلامي حقيقة أم خيال؟
مقدمة الدراسة وهدفها
يستأنف صاحب كتاب «TheIslamic Threat» في هذه الحلقة دراسته القيّمة والموضوعية في جوانب كثيرة منها،
والتي يتناول فيها موقف الغرب متمثلًا في علمائه وباحثيه تجاه الصحوة الإسلامية،
وتجميد هذا الموقف في قوالب عدائية ذات فكر سطحي لا تصل إلى جذور الصراع وأبعاده
الثقافية والسياسية والاقتصادية، وأدى هذا الموقف إلى إذكاء روح العداء في الغرب
ضد الإسلام، حتى غدا الحديث عن مجرد التكتل الإسلامي هاجسًا مرعبًا لدى الدوائر
السياسية والثقافية في الغرب. الكاتب في هذه الحلقة وما بعدها لا يعفي الغرب من
المسؤولية في خلق الروح المعادية في العالم المسيحي ضد الإسلام وعبر تاريخه الطويل
في علاقاته معه.
التصوير الغربي للإسلام: البادئ
بالعدوان
إن الإسلام والمسلمين قد عُرفوا لدى الغرب كمثيري وقادة حروب خلال
الصراعات التي حدثت في الأربعة عشر قرنًا الماضية، فالإسلام هو البادئ بالعدوان،
كما في التصريح المذكور أعلاه، فإن الإسلام وتصرفات المسلمين توصف بأنها عدائية
ومسؤولة عن الاعتداءات، والجهاد والغزوات، بينما يوصف الغرب بأنه يقف في موقف
الدفاع، يتصرف من منطلق الرد على العدوان، والحروب الصليبية، واسترداد ما سُلِب منه،
ورغم تصوير الأربعة عشر قرنًا بأنها حفلت بالمواجهات المستمرة فإن القارئ يكتشف
بأن أمريكا أصبحت «فجأة» العدو الأكبر ومصدر الشرور... إلخ، وإذا كان التهديد
الحالي «مفاجئًا» فإن القارئ سيصل إلى خاتمة منطقية بأن المسلمين لديهم ولع تاريخي
بالعنف والكراهية نحو الغرب، أو أن المسلمين عاطفيون ينقصهم الوعي، ومحبو حروب.
نقص المعلومات وتنميط الحركات
الإسلامية
وعبر كل الحوارات حول «الخطر الإسلامي» أو «جذور الغضب الإسلامي» نجد
أن هناك نقصًا مثيرًا في المعلومات، وعجزًا في التمييز فيما يتعلق بطبيعة وتنوع
الثورات الإسلامية؛ إذ يحدثنا البروفيسور لويس في كتابه «جذور الغضب الإسلامي» عن
ماهية جذور الغضبة الإسلامية، ولكنه يعطينا شيئًا قليلًا جدًا عن من هم هؤلاء
المسلمين، وهناك إشارة صغيرة إلى أن المنظمات الإسلامية أو القادة الإسلاميين، رغم
التقائهم في الالتزام الأيديولوجي العام، يختلفون في واقع الأمر فيما بينهم،
والإشارات في مقاله إلى المنظمات الإسلامية مُبتسرة وشحيحة، مثلما هو الحال
بالنسبة لأي نقاش حول التعليم والخلفية الاجتماعية ونشاطات أعضاء تلك المنظمات
(غير العنف والإرهاب).
وهناك القليل مما يتعارض مع الأفكار الجامدة والمُسلَّمات عن شخوص
غريبة، ذوي مظهر متخلف ينتمون إلى عصر آخر، ولا يخرج القارئ بأي معلومات مفيدة عن
لماذا أثبتت الصحوة الإسلامية جدواها كخيار جذاب للكثير من المثقفين المسلمين.
إن الصورة الغالبة على المقال هي عن ثوريين راديكاليين عنيفين
ومهمشين، بملابس تقليدية، وفي حالة حرب ضد التقدم، كما لا يتعلم القارئ شيئًا عن
أن غالبية المنظمات التي تُسمى بالأصولية هي في واقع الأمر منظمات قائمة في مناطق
حضرية، ويقودها زعماء على درجة جيدة من التعليم، لديهم القدرة على جذب الطلاب
والأتباع، ولديهم مواقع رفيعة في التخصصات المختلفة (الهندسة والعلوم والطب
والقانون والتعليم والعسكرية) أو أنهم يشاركون في تقديم الخدمات الاجتماعية
والطبية، وأبرزوا قدرات عالية من داخل النظام السياسي.
إن الاختيار الانتقائي لمعظم التحليلات عبر الصحوة الإسلامية تُغفِل وتقلل
من، وتَبتسِر الأسباب التي يسوقها قادة الحركات الإسلامية (مثلهم في ذلك مثل
العديد من العرب والمسلمين) في انتقاداتهم ورفضهم للغرب والإمبريالية، والانحياز
الأمريكي لإسرائيل، ودعمها للأنظمة القهرية (شاه إيران، ونميري السودان، ولبنان)
والقارئ لم يواجه أي تحد يحفزه لمعرفة الأسباب التي تقف وراء تصرفات ونشاطات قادة
الحركات الإسلامية، ولم يفعل أكثر من تجاهلها واعتبارها مجرد أفعال ناتجة عن صدمة
الحضارات أو عن التعصب الأعمى وغير المنطقي للمعتقدات.
الموقف العدائي الغربي: صراع
الحضارات والتعميم
الموقف العدائي للغرب اتَّسَم بالتعميم ضد كل مظاهر الصحوة الإسلامية:
إن التحول الذي طرأ على نظرة الإسلاميين للغرب من الإعجاب به وتقليده
ومحاولة منافسته إلى العداء والرفض- قد تم التقليل من أمره بواسطة بيرنارد لويس
إلى درجة تصويره بأنه صراع بين حضارات منفصلة ومختلفة عن بعضها: إن زعماء الحركات
الأصولية ليسوا مخطئين في اعتبارهم الغرب أكبر التحديات أمام تحقيق الأسلوب الذي
يرتضونه كمنهج للحياة يتبعه أتباعهم، إن الأصولية تشن حربًا شعواء ضد التقدم،
والعلمانية، والرأسمالية الغربية، والديمقراطية، وتتعزز هنا القوالب الفكرية
المسطحة بالمقارنة بين النقيضين: الإسلام ضد الغرب، الأصولية ضد التقدم، والتقاليد
الجامدة ضد التحولات الديناميكية، والرغبة في العودة أو المحافظة على الماضي ضد
التأقلم والتكيف مع الحياة العصرية، إن كل الذين يُطلق عليهم تسمية الأصولية قد
وضعوا في بوتقة واحدة، مع تجاهل حقيقة أن العديد منهم قد تلقوا دراسات عصرية،
ويتولون مناصب ومواقع تخصصية رفيعة، ويشاركون في المسار الديمقراطي.
إن التركيز على فكرة صراع الحضارات يُعزز الاتجاه والميل نحو التقليل
أو تجاوز بعض المسببات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتصرفات المسلم، بل يُصور
لنا أفعال المسلم بأنها ردود أفعال غير منطقية بدلًا عن وصفها بأنها استجابة
لسياسة وإجراءات معينة.
«يجب أن يكون واضحًا الآن بأننا نواجه مزاجًا أو حركة تتجاوز بصورة
كبيرة مستوى المسائل والسياسات والحكومات التي تتخذها، إن هذا الأمر ليس أقل من
صِدام حضاري، بين عدم المنطق ورد الفعل التاريخي لمنافس سلفي قديم، وموروثنا
المسيحي اليهودي، وحاضرنا العلماني، والتوسع والانتشار العالمي للجانبين».
إن أهمية المصالح السياسية والسياسات المتنافسة قد تم تجاهلها أو
تغييبها من خلال النظرة التي كانت سائدة أثناء التنافس القديم والمستمر «بينهم
وبيننا»، ومرة أخرى يشهد التاريخ أن الإسلام قد تحرش بالغرب، قد «غربنا المسيحي -
اليهودي العلماني» وخلق مواجهة تنافسية بين رؤى وطروحات دولية متعارضة، ويتضح هذا
الطرح بجلاء من خلال محاولات صدام حُسَين (مثله مثل آية الله الخميني من قبل)
لتقليل العداء الغربي نحوه، وتحويله إلى مواجهة بين الصليبية الإمبريالية
والجماهير المضطهدة في العالمين العربي والإسلامي.
تجاهل المسؤوليات وغلبة العواطف
إن تجاهل معالجة بعض القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المهمة
يتعارض أيضًا مع أي فكرة أو اتجاه لتقاسم المسؤوليات، كيف يتصرف الغرب إزاء
الانفعال وعدم المنطق، وأمام عدوان يستهدفه من أناس تدفعهم عواطفهم وأحقادهم؟
ولتوضيح هذه الظاهرة يقول جيمس بيسكاتوري:
«سواء كانت جهود العثمانيين لقمع الوطنيين المسيحيين، أو جهود
المسلمين للحصول على استقلالهم من الغرب، فإن الإسلام كان متطرفًا لأنه كان يقف ضد
المصالح الإمبريالية، ولكن الشيء الذي شاع وأصبح قاعدة مألوفة في تفسير التوجه
الإسلامي هو: أن الإسلام كان معاديًا للغرب بسبب تطرفه، ومن ثم بدأ يُنظر إلى
المسلمين باعتبار أنهم جميعًا عاطفيون، وأحيانًا بأنهم عنصر يفتقر إلى المنطق،
ويتحرك كجسم واحد، ويتحدث بصوت واحد».
وهكذا يستمر هذا النموذج في البقاء، ومع تجاهل الكثيرين للحقائق
السياسية في العلاقات الإسلامية المسيحية، وذلك بالتراجع إلى الوراء خوفًا من
«التطرف الإسلامي» فإن المسلمين رغم تحليهم بآداب اللياقة وامتلاكهم تراثًا دينيًّا
ثريًّا وغنيًّا وحضارة كبيرة، يوصفون اليوم بأنهم ينزعون نحو الحقد والكراهية
عندما يُدفعون إلى الغضب.
«وكذلك في أوقات الهزات والاضطرابات، وعندما تُستثار العواطف العميقة
والجياشة، يمكن لتلك السماحة واللياقة في معاملة الآخرين أن تختفي ويحل محلها مزيج
من الغضب المشتعل، والحقد إلى درجة تدفع بحكومة دولة ذات تاريخ طويل وحضارة مثل
إيران، وبزعيم مثل آية الله الخميني بخلفيته الروحية والدينية العريضة إلى أن يسمح
باختطاف الرهائن وبالاغتيالات، وأن يحاول إيجاد شواهد وأدلة وسوابق من حياة نبيهم
لتبرير تلك المواقف».
إن كل الناس -مؤمنين وغير مؤمنين، مسلمين ويهود ومسيحيين وسيخ وهندوس-
يغضبون عندما يتعرض بقاؤهم ومصالحهم للخطر، إن الغضب والحقد، أو استغلال الدين
لإسباغ الشرعية لأي تصرف ليسا وقفًا على المسلمين وحدهم.
وفي حقيقة الأمر أن معظم الناس «المتحضرين» يتصفون دائمًا بالذوق
السليم وحُسن المعاملة، ويقبلون أسلوب الغضب ضد الشر، وكراهية الأعداء باعتبار أن
ذلك هو التصرف الطبيعي ضد الجرائم المُنكَرَة والأعداء في حالة الحروب، واختطاف
الرهائن والإرهاب.
هل اختفت من الذاكرة دروس الحروب الصليبية وآثار موجات الإمبريالية
الأوروبية والاستعمار، وعندما كان البابوات والملوك والقساوسة والموظفون المدنيون
والعسكريون يبررون أعمالهم وتصرفاتهم باسم الله والوطن، والعرش والصليب؟
خلق "العملاق الإسلامي"
الوهمي
وهكذا دائمًا فإن تناول مسألة الإسلام والعالم الإسلامي يصل إلى أن
هناك تكتلًا إسلاميًا ضخمًا (Monolithic
Islam) في مكان ما، يعتقد، ويشعر، ويفكر، ويتصرف كجسم واحد، وعندما
نتحدث عن «المتحدث باسم توجه روحي وأخلاقي ديني»، تتبادر إلى الذهن بصورة عالم
إسلامي ضخم ينظر إليه من خلال المنظار الإيراني وآية الله الخميني.
إن آية الله الخميني كان واحدًا من أولئك المتحدثين، وليس المتحدث
الوحيد باسم الإسلام، ليس هناك بابوية في الإسلام، لذلك فإن النظر إلى كل المسلمين
وإلى كل الأحداث في العالم الإسلامي من خلال منظار الخميني والثورة الإيرانية- قد
أعطى أثرًا وانطباعًا مريحًا بالنسبة للآراء الأمريكية عن الإسلام والشرق الأوسط،
وغطت هذه النظرة على الخلافات والاختلافات في العالم الإسلامي؛ أي غالبية الدول
الإسلامية والمسلمين الذين لم يسيروا وراء الخميني، وفشل إيران -أو- في أفضل
الأحوال نجاحها المحدود للغاية في تصدير الثورة الإسلامية، وتحريض المسلمين على
الثورة، والأصوات العديدة غير صوت الخميني، والتي تكلمت بصوت عال حول مسألة سلمان
رشدي.
إن خلق عملاق إسلامي في الخيال يقود إلى نوع من التقليل (reductionism) الديني الذي ينظر إلى الصراعات السياسية في
السودان، ولبنان، وكوسوفو، ويوغسلافيا، وأذربيجان، في الأساس من منظور ديني،
باعتبار أن تلك الصراعات هي «صراعات إسلامية - مسيحية»، ورغم أن المجموعات في تلك
المناطق يمكن تصنيفها بصفة عامة على أنها مسيحية وإسلامية، إلا إنه صحيح، كما هو
الحال بالنسبة لطائفتي الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا الشمالية أن الصراعات
المحلية والحروب الأهلية تلعب دورًا كبيرًا في المسائل السياسية (مثلًا، القومية
العرقية، والحكم الذاتي والاستقلال) والاجتماعية والاقتصادية أكثر من المسائل
الدينية.
الحلقة القادمة
الخوف من التكتل الإسلامي.
التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة?