العنوان قطعت أشواطًا كبيرة نحو إرساء حركة اجتماعية ذات دور بارز في الساحة السياسية...الصحوة الإسلامية في السنغال.. بين الحضور الشعبي والغياب الرسمي
الكاتب سيد أحمد ولد باب
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005
مشاهدات 88
نشر في العدد 1652
نشر في الصفحة 40
السبت 21-مايو-2005
ارتياح حكومي تجاه الحركة والموافقة على إدخال مادة التربية الإسلامية في المدارس
مسيرة التنمية تعاني من تعثرات خطيرة
غالبية الشعب مازالت في حاجة إلى تعلم مبادئ الدين
تأسست الجماعة الإسلامية السنغالية عباد الرحمن في جنوب البلاد في يناير سنة ١٩٧٨م بعد اتصالات عدة قادتها مجموعة من المقتنعين بضرورة الحل الإسلامي والمتأثرين بطرح جماعة الإخوان المسلمين خصوصًا؛ حيث اتفقت مجموعة تجاوزت ۲۰۰ شخص على إنشاء حركة إسلامية منظمة واضحة الأهداف محددة المعالم تعيد للشعب السنغالي هويته التي شابها الكثير من الانحراف بفعل الاستعمار الغربي «فرنسا» وتحكم مشايخ الطرق الصوفية في البلاد.
وحسب الوثائق التأسيسية للحركة الإسلامية في السنغال فإن أهم الأهداف المرسومة والتي قامت عليها الجماعة هي:
- تصفية التوحيد الله عز وجل.
-الالتزام بكلمة التوحيد عقيدة.
- التزام توحيد المسلمين سلوكًا وممارسة.
- احترام الأخوة الإسلامية، مع احترام غير المسلمين.
ویرى أمير الحركة الحالي الشيخ مالك أنجاي [1] أن هذه الأهداف ينبني عليها دعوة المسلم إلى الالتزام بالإسلام، ودعوة العامل إلى الاستزادة من العمل الصالح ودعوة العالم إلى تعليم الناس والزيادة من العلم ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
كما تعتمد الحركة على العمل الخيري لتجسيد الأخوة الإسلامية، وتهتم بشؤون المسلمين من خلال التربية والتعليم والعمل الاجتماعي كبناء المساجد والمدارس والمرافق العامة وتوثيق علاقات مع كل القطاعات الاجتماعية السنغالية من جمعيات إسلامية وطرق صوفية وتجمعات نقابية وأحزاب سياسية.
ولعل أهم ما يلفت النظر في التجربة الإسلامية في السنغال تركيز الحركة على التعليم بوصفه أحد أهم الأولويات بالنسبة الحركة دعوية في طور النشأة والتكوين.
وفي هذا الإطار يقول الشيخ مالك أنجاي [2]: «لقد كان التعليم أكبر قضية تستولي على اهتمام الحركة، لذلك فكرنا في مقاومة الانشطارية الحاصلة في التعليم داخل البلاد، وتعني بالانشطارية أن يهتم المسلمون بالتعليم الديني مع إهمال التعليم العمومي وكذلك حصر التعليم العمومي في تعليم الأبدان دون تعليم الأديان.
وعزمنا على تشييد مدارس نموذجية يقوم التعليم فيها على المنهجين الإسلامي والعمومي. ونهدف من خلال ذلك إلى تربية أجيال تؤمن بالإسلام عقيدة وتعمل به محبة واقتناعًا، وتستطيع اعتراف معارفه من وعائه الأصيل الذي هو اللغة العربية بالإضافة إلى إتقان اللغة الفرنسية التي هي اللغة الرسمية للبلاد.
تنطلق جماعة عباد الرحمن في السنغال من المدرسة الإخوانية عمومًا بنظرتها الشمولية للدين وتعاملها مع كل أمور الحياة بهدف إيجاد مجتمع إسلامي حقيقي مع ما يتطلبه ذلك من تان ومرحلية وتدرج تتلاءم مع الوضع العام للبلد وتأخذ بعين الاعتبار تطور الجماعة داخل المجتمع دون أن تنسى - بالطبع - الأهداف التي من أجلها وجدت وترى الحركة أن أكبر وسيلة لتحقيق أهداف الجماعة هي: «الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وحل الخلاف بالتي هي أحسن مع التنبيه بما استطاعت إليه سبيلًا».
وللحركة لجنة اجتماعية تقوم بالزيارات الودية لقادة ورموز المجتمع السنغالي من أحزاب سياسية وطرق صوفية، لكن ذلك لم يمنع من وجود خلاف بينها وبين النظام الاشتراكي الحاكم آنذاك بزعامة عبده ضيوف أو النظام الأربعيني كما يحلو للسنغاليين تسميته.. ذلك أن الجماعة ركزت في خطابها الدعوى منذ نشأتها على نقد العلمانية من خلال المحاضرات والملتقيات العامة والنخبوية وهو أمر ما كان ليروق لنظام متطرف في إعجابه بالعلمانية، مستغلًا - في تسلطه - الدعم الغربي ومساندة الطرق الصوفية.
وهكذا ظلت العلاقة بين جماعة «عباد الرحمن» والسلطة السياسية القائمة بطبعها شيء من التوتر وإن ظل محكومًا بالأطر القانونية، دون أن يتطور الأمر إلى الصدام إلى نهاية التسعينيات حيث قررت الحركة في مؤتمرها السابع الانفتاح على السلطة السياسية القائمة.
سلبية وتشاور
حين بدأت العملية السياسية في السنغال تتجه نحو التغيير إثر الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد وارتفاع أعداد الشباب العاطلين عن العمل والمطالبين بتغيير سياسي إلى الأفضل. عقدت الحركة عزمها على المشاركة في اللعبة السياسية ودعمت رئيس الوزراء السابق مصطفى أنياس في الجولة الأولى مع مجموعة من القوى السياسية المختلفة، وفي الجولة الثانية بدلت الحركة تحالفها وقررت دعم المرشح عبد الله واد رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي المعارض وتم ما أرادوا وأعلن رئيس الجمهورية الممسك بزمام الحكم عبده ضيوف هزيمته في الانتخابات وسقط نظامه ودخلت البلاد في عهد جديد وتحولت العلاقة بين الحركة الإسلامية والسلطة من سلبية في السابق إلى علاقة تشاور وتبادل مع النظام الجديد، بل شهدت تحسنًا ملحوظًا بعد دعم الحركة الدستور الجديد الذي قدمته الحكومة رغم علمانيتها بعدما ارتأت الجماعة أنه أفضل للشعب السنغالي من سابقه خصوصًا في مجال الحريات
السياسية.
إلا أن العلاقة بين الاثنين شهدت تطورًا سريعًا عام ٢٠٠٢م وخصوصًا في مؤتمر الحركة الثامن الذي انعقد في داكار في الفترة ما بين ٥ إلى ١٠ مارس والذي مثل الحكومة فيه وزير الثقافة السنغالي أحمد تيجان وان بعد انشغال الرئيس عبد الله واد عن الحضور - حسب ما أفاد الوزير والذي عبر عن ارتياح حكومته تجاه الحركة - وقد فاجأوان الحضور بإعلان الحكومة السنغالية الموافقة على إدخال مادة التربية الإسلامية في المدارس النظامية والذي كان من أهم مطالب الجماعة خلال السنوات الماضية مشيداً بالدور الكبير الذي لعبته الجماعة في تربية وتكوين الشباب وهو ما أثار الحماس داخل القاعة التي عقد بها المؤتمر وتعالت هتافات التكبير من الحاضرين.
الانفتاح نفسه عبرت عنه الحركة من خلال كلمة رئيس مجلس الشورى «موسى كان»[3] الذي شكر بدوره واد على ما قدمه من أجل إنجاح مؤتمر الحركة وإتاحة الحرية لها من أجل التحرك داخل المجتمع بشكل أكثر.
لكنه مع ذلك دعا جميع العاملين في الحقل السياسي السنغالي إلى التخلي نهائيًا عن جميع الممارسات والمواقف التي تعادي المبادئ الإسلامية.. في إشارة واضحة إلى عدم رضا الحركة بالكلية عن الحكومة السنغالية الجديدة.
التحديات والطموح
رغم أن الحركة الإسلامية قطعت أشواطًا كبيرة نحو إرساء حركة اجتماعية ذات دور بارز في الساحة السياسية إلا أنها كغيرها من القوى الوطنية تواجه بعض المصاعب والتحديات التي تحتاج إلى عزيمة راسخة وعمل على الأرض يغير ما بالأنفس ويضيف في بناء دولة تعاني من نقص الموارد وضعف الإمكانيات؛ لأن مسيرة التنمية في السنغال لاتزال تعاني من تعثرات خطيرة وعديدة خاصة في ظل ابتعاد غالبية الشعب عن مبادئ الدين وقيمه الحضارية، وهو أمر يثقل - بدون شك - كاهل الحركة الإسلامية.
إن الصحوة الإسلامية في السنغال قطعت أشواطًا بعيدة وبدأت تستوي على ساقها ولم يبق أمامها سوى خطوات لاستيعاب خبرة العصر وتوظيفها لتعجيل حركة التغيير الاجتماعي والسعي لحضور رسمي في مؤسسات الدولة يوازي الحضور الشعبي ويكمله ويحصن الجهود المبذولة من خطر الاندثار.
كما يلاحظ كذلك أن الحكومة السنغالية من خلال تعاطيها مع جماعة «عباد الرحمن» تبدو جادة في منهج التغيير الديمقراطي والتدافع السلمي وحريصة على مد الجسور مع أبناء الحركة الإسلامية فهي متقدمة في هذا المضمار بدون شك على العديد من حكومات الدول الإسلامية داخل المنطقة وخارجها.
(۱) مقابلة مع صحيفة الراية الموريتانية مع أمير الحركة الحالي مالك انجاي، العدد/ ٦٧ الصادر
بتاريخ 19/٠٣/200
(2) أمير الحركة حاليًا حيث تم التجديد له في مؤتمر الحركة الأخير المنعقد بتاريخ 5/۳/2002
(3) رئيس مجلس الشورى وهو في نفس الوقت رئيس فرع الحركة في العاصمة السنغالية دكار.