العنوان الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح – أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر: الصهيونية العالمية وراء حصاد القرن العشرين المأساوي
الكاتب محمد القوصي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 09-يناير-2001
تواجه الأمة الإسلامية - خاصة في العقود الأخيرة- هجمة استعمارية فكرية وثقافية شرسة للغاية، وتنتابها الضربات الخارجية والطعنات الداخلية من كل حدب وصوب عن طريق الغزو الفكري بوسائله المختلفة وأدواته المتعددة وأبواقه وقنواته المنتشرة هنا وهناك. ويشارك في صنع هذا الغزو الفكري ويروج له العلمانيون وفلول الشيوعيين والمصرين، والمستشرقين والماديين والملاحدة وأناس من جلدتنا وأناس غرباء عنا!!!
وحول هذه الهجمة كان لمجلة «المجتمع» لقاء مع الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح - الأستاذ بجامعتي أم القرى بمكة المكرمة، وجامعة قطر وهو ابن جامعة الأزهر بالقاهرة - وله العديد من المؤلفات التي قاربت خمسين كتابًا في الفلسفة والعقيدة والأخلاق وغير ذلك من فروع المعرفة الإسلامية.
إذا اتفقنا على أن هناك غزوًا فكريًا واسعًا، فما الأهداف البعيدة وراء هذا الغزو الفكري والثقافي – من وجهة نظركم؟!
الغرب يهدف من وراء الغزو الفكري إلى غايات عديدة منها: أن تظل الشعوب الإسلامية خاضعة لنفوذ القوى المعادية لها تلك القوى التي تتمثل في عدد محدود من الدول الكبيرة التي يحمي بعضها بعضًا.
ومنها أيضًا أن تتبنى الأمة الإسلامية أفكار أمة أخرى من الأمم الكبيرة دون نظر فاحص، مما يؤدي إلى ضياع حاضر الأمة الإسلامية وتبديد مستقبلها، وفقدان هويتها.
هذا فضلًا عن تشكيك المسلمين في تراثهم الحضاري بدعوى أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان، كما يزعمون اقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين وصرفهم عن التمسك بالإسلام نظامًا وسلوكًا.
هناك فريقان من الناس أحدهما مؤيد للعزلة الحضارية والانغلاق، والآخر يطالب بالانفتاح الحضاري والتفاعل مع الأمم الأخرى، فمع أي الفريقين تقف ولماذا؟
في الواقع أن التأثيرات الحضارية والاستعارات الثقافية، والأفكار والآراء والنظريات المتبادلة بين الأمم والشعوب، إنما هي ظاهرة صحية وطبيعية، لا خطر فيها ولا خوف منها علينا إذا لم تعارض الشرع الحنيف.
والعرب هم وارثو الحضارات القديمة، فلم يكونوا قبل الإسلام معزولين عن جيرانهم أصحاب الثقافات العريقة عزلة كاملة، فقد انفردت الصحراء العربية بين صحاري العالم أجمع، بأنها أحيطت منذ القدم بأرقى حضارات العالم. وكان اختلاط العرب بهذه الأمم اختلاط قتال وحروب ومعارك أولًا، ثم اختلاط حضارة وثقافة وأفكار بعد ذلك، ومن هنا كان التأثير والتأثر ومن هنا التفاعل والإخصاب والأخذ والعطاء والتبادل.
إذن، فالتقاء الحضارات أحد معالم التاريخ الحضاري للإنسانية، ولقد اختلط الأوروبيون يمن هم أرقى منهم، فاستفادوا من الحضارة الإسلامية، فساعد هذا على قيام النهضة الأوروبية الحديثة. ومن المؤسف أن أوروبا عندما تفاعلت مع الحضارة الإسلامية أخذت واستفادت بما هو مشترك إنساني عام، وتركت ما كان من خصوصية للحضارة الإسلامية كالعقيدة والشريعة الغراء، وهذا الذي طبع حضارة الغرب بالطابع المادي الصرف!
ومن هنا أقول: إن التفاعل الحضاري ضرورة إنسانية، لا بد منها لقيام الحضارات وتقدم الإنسان، ويشيع في المجتمعات الإنسانية السلام والأمن.
أما الانغلاق الحضاري، فهو قاتل للإنسان كما أن التبعية الحضارية هي الأخرى قاتلة لكل إبداع، ولا بد من حوار الحضارات.
ولذلك كان لا بد لهذه الأمة، أن تعود إلى التفاعل الحضاري، وتستفيد من حضارات الإنسانية، ولا بد من خروج الأمة الإسلامية من الاغتراب الزماني والمكاني، وذلك بالربط بين الواقع والثوابت الحضارية الإسلامية وبين مصادر عوامل التقدم المعاصر.
هناك من يرى أن الصهيونية العالمية وراء كل القلاقل والاضطرابات السياسية والعقدية التي تحدث بين الدول كلها.. فما مدى صحة هذا الكلام؟ ثم ما الوسائل التي تتحرك بها الصهيونية العالمية؟!
نعم، هذا الرأي يكاد يجمع عليه المفكرون والمصلحون والعلماء والدعاة والباحثون، فالمتتبع للحركات الفكرية والتيارات الهدامة في المجتمع الإنساني يجد أن كل هذا الحصاد المأساوي كانت وراءه الصهيونية.
أيضًا، لا بد أن نؤكد أن للصهيونية وسائل كثيرة تضعها للوصول إلى أهدافها منها، محاولة تحريف كتب العقيدة والتاريخ والعمل على بث الفرقة بين المسلمين وتفتيت وحدتهم دائمًا، فضلًا عن التحالف بين اليهودية والنصرانية ضد الإسلام، حتى نشأ الآن ما يسمى بـ «الصهيونية المسيحية» وعلى رأس هذه المسيحية المتعصبة «الكنيسة البروتستانتية» التي ترى أن من مصلحة المسيحية ممالأة اليهود، والوقيعة بينهم ومين المسلمين!
إلى أي مدى تعتبر العلمانية خطرًا على مجتمعاتنا الإسلامية؟
أعتقد أن المذاهب الوضعية والفلسفات الشاذة التي ظهرت في أوروبا جميعها تشارك في هدم قيم المجتمع الإنساني والإسلامي بصفة خاصة، سواء كانت الشيوعية أو الوجودية أو الدارونية أو الحداثية أو غير ذلك.
والواقع يحكي لنا أن العلمانية من أشد هذه المذاهب والفلسفات خطرًا على العقول والقلوب، فالعلمانية تدعو إلى استبعاد الدين من مجال الفكر والعلم والسياسة والتشريع والاقتصاد والتربية والأدب والفن. ولعل من أبرز أدوارها التخريبية ما تمارسه في إثارة الفتنة الطائفية بين وقت وآخر إلى جانب حربهم الشعواء ضد الصحوة الإسلامية ورجالها. ويقوم العلمانيون - الآن- في بلادنا على الطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والرسالة عامة إلى جانب الدعوة إلى نبذ اللغة العربية الفصحى وإعلان الحرب عليها وعلى بلاغتها وجمالها وأساليبها، فضلًا عن نبش الحضارات البائدة والترويج لها كالفرعونية واليونانية وغيرها، لذلك فالعلمانية نبتة غريبة، ولن تكتب لها الحياة في أمتنا.