السبت 18-فبراير-1989
*الشعب الصومالي شعب مسلم كان له تاريخ نضال مشرف مع الاستعمار البريطاني والإيطالي.. إنه الشعب الرافض لكل أشكال الاستعمار والاستغلال!! فإلى متى تستمر معاناته!!
الصومال المسلم هذا الجزء الغالي من العالم الإسلامي إلى متى تستمر معاناته، وإلى متى يبقى جريحًا، أليس لهذه المأساة من نهاية؟ وإذا كانت قواعد اللعبة الدولية أرادت له الدخول في صراعات داخلية وخارجية، ألا يمكن وضع حد لهذه اللعبة كي يعود الصومال إلى عقيدته ودينه ووحدته الوطنية في ظلال الحرية والعدالة والمساواة؟! السهام التي انطلقت قد أصابت جسد الصومال الجريح، وإذا بالجرح يزداد نزفًا، وإذا بالشعب الصومالي المسلم الذي حارب الاستعمار البريطاني والإيطالي يكاد يسقط على الأرض مضرجًا بدمه رغم أنه قد مر على استقلاله ما يربو على ربع قرن، كان السهم الأول متمثلًا في الكوارث الطبيعية التي أحاطت الصومال المسلم بالفقر والقحط والمجاعة، وكان السهم الثاني من التنصير الذي وجد في الكوارث الطبيعية ضالته في تنصير الأطفال والنساء والرجال، وكان السهم الثالث محاولات التدخل الاقتصادي أو ما شابهه من قبل الدول الكبرى وبالخصوص الاتحاد السوفياتي، وكان السهم الأخير قيام النظام بالحرب الصومالية الأثيوبية، ثم جاء في خاتمة المطاف سهم الإقليم الشمالي الذي يطالب بالديمقراطية، فواجهه النظام بالحرب المبيدة!!
شيء من التاريخ
تعرض الصومال مثله مثل باقي مناطق العالم الإسلامي للهجمة الاستعمارية، وقد شهد فترة حرجة سيطرت فيها القوات الإنجليزية على بعض أقاليمه، بينما كان من نصيب القوات الإيطالية البعض الآخر، ولم يخرج الاستعمار الإنجليزي والإيطالي منه، حتى خلفًا وراءهما أثارًا مازال يعاني منها الصومال..
إن الاستعمار كعادته وعند رحيله، يمهد الطريق للنزاعات الداخلية والصراعات المذهبية، ولا ينسى أن يترك بعض أنصاره ومريديه لإتمام عملية «غسل الأدمغة»، والتي تتمثل على وجه الخصوص في الغزو الثقافي وفي زعزعة عقيدة الإسلام في النفوس.. ترى أليس الصومال مسلمًا؟ وأليس شعب الصومال إلى الإسلام ينتمي وينتسب؟! ثم أليس هو المرشح الرئيسي الذي يمكن أن يلعب دورًا مهمًّا في منطقة القرن الأفريقي باعتبارها المنطقة الإستراتيجية في أفريقيا؟ وكذلك بالنسبة للقضية الإرتيرية التي عانت الكثير من العنف الأثيوبي المسلح وغير المسلح؟!
الدول الكبرى
من إحدى المهام الأساسية لسياسة الدول الكبرى في العالم عمومًا وعلى مستوى العلاقات الدولية خصوصًا، اعتبار مناطق العالم العربي والعالم الإسلامي «مناطق أحداث»، بحيث يتم نقل الصراع إلى تلك المناطق، أقصد صراع الدول الكبرى في ظل نوع من التراضي الضمني وعدم المواجهة المباشرة.
ماذا حدث في الصومال بعد رحيل الاستعمار التقليدي؟! وهل كان على الشعب الصومالي أن يواجه مصيره بيده؟! طبعًا لقد تم نوع من الاتحاد بين الإقليم الشمالي والأقاليم الأخرى في ظل نظام ديمقراطي معقول نوعًا ما.. لكن الدول الكبرى كانت للصومال المسلم بالمرصاد.. فمنذ عام ١٩٦٩ وبالخصوص منذ بداية السبعينات عادت المتاعب من جديد لمجتمع كان يسعى إلى نوع من الهدوء والاستقرار وما شابه ذلك لمواجهة مخلفات الاستعمار، وآثار الأزمات الطبيعية!! فلقد تدخل الروس في الصومال بألوف من الخبراء، ثم انسحب الروس بعد انحيازهم السافر إلى جانب أثيوبيا في الحرب الصومالية / الأثيوبية، وكان ذلك فرصة- للتواجد الأمريكي في قاعدة بربرا الشهيرة، وهكذا تستمر فصول المسرحية وقواعد اللعبة الدولية!!
التدخل الشيوعي غير المباشر
تحاول الدول الكبرى- كما أسلفنا إلى نقل صراعاتها- من المواجهة المباشرة إلى ما يسمى «بالصراع الضمني»، وعلى مبدأ المعاملة بالمثل!! فإذا كان على السياسة الأمريكية مثلًا الوصول إلى منطقة معينة تعتبر في منظورها إستراتيجية فإن السياسة الشيوعية تقابلها، ويتم بذلك نوع من التراضي على حساب الضعفاء في العالم.
في السبعينات ولما يحس الصومال بنوع من الاطمئنان على حاضره ومستقبله، سرعان ما تم استقدام النظم الشيوعية إلى المجتمع، محاطة بجيش من الخبراء الشيوعيين في شتى المجالات الذي يتميز شعبه بالتمسك الشديد بعقيدته الإسلامية.. والذي كان يرفض بإصرار التدخل الأجنبي في البلاد؛ لأنه كان يعلم علم اليقين الآثار التخريبية التي سيتركها مثل هذا التدخل في شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والفكرية والثقافية وغيرها.
أمريكا في الصومال
على الرغم من مبدأ الصراع الضمني بين الدول الكبرى، ومبدأ المعاملة بالمثل، ضمن سياسة مناطق الأحداث التي أشرنا إليها ابتداءً، فإن ذلك لا يمنع من قيام كل دولة من الدول الكبرى في العمل على تحطيم الجهود التي تبذلها الأخرى في الإقليم الذي تم التراضي فيه على الوجود العسكري أو الاقتصادي أو الثقافي التابع لأي منهما...
وعلى هذا الأساس فقد حاولت السياسة الأمريكية أن تضع قدمًا لها في الصومال المسلم، وبالخصوص عند توتر العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وبين الصومال وكان لأمريكا ما تريد؛ حيث استطاعت الوصول إلى استئجار قاعدة عسكرية في إحدى مناطق الصومال، وبالضبط في منطقة بربرا وهي القاعدة العسكرية المهمة التي كان السوفييت قد بنوها في ميناء بربرا الهام.
سياسة المحاور
تتعدد الوسائل والإجراءات في سياسة الدول الكبرى.. وهذا يعني أن على الدول الضعيفة والصغيرة مثل الصومال وغيرها من بلدان العالم الثالث عامة والعالم الإسلامي خاصة أن تكون أكثر ذكاء في كشف هذه الوسائل مهما تعددت، وتلك الإجراءات مهما تنوعت!!
ومن إحدى أهم الوسائل التي تمارسها الدول الكبرى في سياستها مع الدول الصغيرة، قضية المحاور.. إذ غالبًا ما تحاول أن يكون لكل معسكر محوره الذي يربط من خلاله عددًا من الدول، تتبع خطاه وتسير مع سياسته وتنهج في العلاقات الدولية نهجه... لكن وللأسف فإن سياسة المحاور إن كانت تعود بالمصلحة على الدول الكبرى، فهي بالتمام والكمال تعود بالخسران المبين على الدول الصغرى.. في القرن الأفريقي وصعودًا نحو المنطقة الشمالية والشرقية في أفريقيا وما يتاخمها من مناطق على البحر الأحمر، يمكن تمييز محورين رئيسيين يتبع كل منهما إلى دولة كبرى... وبالخصوص قبل ظهور النظام السوداني الجديد وهما:
۱- محور مصر / الصومال / السودان والمحور الأمريكي.
٢- محور عدن / ليبيا / أثيوبيا «المحور السوفيتي».
وعلى الرغم من أن هذه المحاور قد لا تثبت على حال واحدة، وقد يصيبها نوع من اللا استقرار، مثلما حدث من اهتمام أمريكا بالمنطقة الكينية على حساب الصومال، ومثلما مال الاتحاد السوفيتي نحو أثيوبيا على حساب الصومال أيضًا.. أقول رغم ذلك فإن سياسة المحاور هي السياسة التي يمكن للمراقب الاجتماعي / الدولي أن يراها بأبعادها وأهدافها وآثارها المدمرة على الدول الضعيفة.
كان إيقاف الحرب الأثيوبية / الصومالية على حساب أهل الإقليم الشمالي الذين حاولوا وما زالوا يحاولون الرجوع بالصومال إلى وضعها الطبيعي المستمد من دينها وتاريخها وشخصيتها المسلمة.. والرافض كل أشكال التدخل الأجنبي السافر والمقنع!
وعلى هذا الأساس تم تحويل الجيش من الحدود الصومالية مع أثيوبيا إلى الإقليم الشمالي؛ حيث تم إلقاء القوات بكل أسلحتها المدمرة في مواجهة المطالبين بالرجوع بالصومال إلى أن يكون دولة حيادية مسلحة، تتوجه الجهود فيها نحو البناء والتعمير والتنمية، بعيدًا عن الانحياز لغرب أو لشرق، وبالخصوص أن التدخل الأجنبي لا يريد بالصومال خيرًا مهما كانت المبررات والمسوغات.
لقد كانت الحرب الدائرة في الإقليم الشمالي منذ ۲۷ مايو ۱۹۸۸ حتى اليوم ذات آثار مدمرة على الشعب الصومالي المسلم؛ مما يفرض على العالم الإسلامي أن يبذل قصارى جهده لإنصاف هذا الإقليم، ومحاولة الضغط على النظام؛ كي يستجيب لمطالب الشعب الصومالي عامة، والتي تتلخص في إنهاء كافة الارتباطات الأجنبية، والرجوع إلى الأصل، وإيجاد نوع من الديمقراطية والحرية.
الآثار المدمرة لاستمرار الحرب
يتعرض الشعب الصومالي في الإقليم الشمالي إلى نوع من الإبادة، فمنذ مايو ۱۹۸۸ لم تتوقف الحرب، وقد أدى ذلك إلى تدفق اللاجئين من مساكنهم فورًا وبصورة مؤثرة، وبالخصوص أن النظام يستخدم أسلحة فتاكة أدت إلى قتل الكثير من الأبرياء دون تمييز بين الأطفال والرجال، ولا بين النساء والشيوخ، ولا بين العزل.... بالإضافة إلى تدمير العديد من الممتلكات والمرافق العامة والخاصة؛ مما دفع بالكثير من الصوماليين إلى اللجوء إلى أثيوبيا؛ حيث بلغ عدد اللاجئين حوالي نصف مليون لاجئ.
فعلى سبيل المثال هناك حوالي ۲۰۰,۰۰۰ لاجئ في معسكر حرشن و هرتاشيخ، وحوالي ۳۰,۰۰۰ لاجئ في معسكر أواري، وحوالي 15.000 في معسكر كام وحوالي ۱۲۰,۰۰۰ في معسكر جاشا وحوالي ١٦,٠٠٠ في معسكر أدم وحوالي 15.000 في معسكر سمتر، أما معسكر بالديو فقد بلغ اللاجئون فيه حوالي ٤٠,٠٠٠ لاجئ !!
ولم يجد اللاجئون منذ وصولهم إلى المعسكرات أية خدمات صحية للعلاج، رغم أن فيهم ما يقارب من ٢٥,٠٠٠ جريح، يعتبر عدد كبير منهم في حالة خطرة نتيجة ضرب الطائرات للمنازل والأحياء الشعبية، حتى أن بعضًا منهم قد فتكت به الأمراض الخطيرة التي بدأت تنتشر مع الحرب؛ مما قد يؤدي إلى وفاة أعداد كبيرة من النساء الحوامل وسوء التغذية وقلة النفقات... وهذا يعني أيضًا وجود الآلاف من الأيتام والمشردين والذين سيكونون نهبًا للتنصير أو الموت.
نداء... واحتمالات المستقبل
هذه صورة موجزة عن مأساة الصومال.. مأساة شعب مسلم خرج من الاستعمار الغربي جريحًا... ينزف جرحه بغزارة، ثم زاد الجرح نزقًا بالمناورات التي قامت بها الدول الكبرى في تدخلها غير المباشر وجاءت الحرب الصومالية / الأثيوبية فزاد فيها الطين بلة واختتمت المسرحية بقيام النظام بضرب الإقليم الشمالي بشتى الأسلحة الفتاكة...
ترى ألا يمكن وضع حد لمأساة الصومال؟!
وإلى متى يستمر هذا الجرح ينزف دمًا رغم ضعف الصومال الاقتصادي ورغم تخلفه وفقره وبؤسه...؟ إن من المتوقع مزيدًا من الخسائر ومزيدًا من التخلف ومن التبعية ومن الانحياز لشعب عانى الكثير من الويلات في تاريخه الحديث المعاصر...
إن على المسؤولين في العالم الإسلامي أن يأخذوا بعين الاعتبار صرخات الشعب الصومالي ونداءات المسلمين في الإقليم الشمالي المطالبة بحياة ديمقراطية معقولة وإرجاع الصومال إلى عقيدته الإسلامية؛ كي لا يبقى في مهب الرياح تتقاذفه كما تشاء ...
إن الدول الكبرى مهما أبدت اهتمامًا إنسانيًّا بالقضايا الإسلامية، فهو نوع من دموع التماسيح.. إنها لا تريد لهذا العالم الإسلامي سوى مزيد من الاقتتال والصراع والبعد عن الإسلام.
وإذا استطاعت الدول الإسلامية أن تؤثر على النظام؛ كي يتم نوع من التفاهم الوطني، فإن هذا يعني في المضمار السياسي، بداية النهاية... نهاية المأساة... مأساة شعب مسلم ما زال جرحه ينزف حتى هذه اللحظة!!
موضوعات متعلقة
مشاهده الكل

