العنوان الضوابط الشرعية لحماية البيئة (2) .. حماية البيئة من الفساد والتلوث
الكاتب د. حسين شحاتة
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2012
مشاهدات 61
نشر في العدد 2020
نشر في الصفحة 50
السبت 22-سبتمبر-2012
الهواء من خلق الله للناس وهو نعمة ورزق تجب المحافظة عليه... وقد أكد الرسول ﷺ عدم تلويث البيئة ويدخل في نطاقها الهواء.
سخر الله عز وجل المياه والأنهار والبحار والبحيرات للإنسان وأمره بالمحافظة عليها من التلوث والنجاسات والقاذورات وكل ما يسبب أضرارًا بصحة الإنسان والمخلوقات.
من صور الاعتداء المعاصرة على الأشجار والزروع والثمار ونحوها قطع الغابات بدون ضرورة واستخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية بكثرة فتسبب العديد من الأمراض.
سخر الله عز وجل ما في الأرض للإنسان حتى يحيا حياة طيبة في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم).
وأمر الله عز وجل أن نحافظ على ما سخره للإنسان وحرم تلويثه وإفساده، وتتمثل المكونات الأساسية للبيئة التي سخرها الله عز وجل للإنسان في: الهواء والفضاء والمياه والأنهار والبحار والأشجار والزروع والثمار والنباتات والطرق والأراضي والجسور والمرافق العامة والأسواق.. ونحو ذلك.
وسوف نتناول الضوابط الشرعية التي تحمي هذه المكونات بشيء من الإيجاز
الضوابط الشرعية لحماية الهواء:
أمرنا عز وجل بعدم إفساد الهواء، وتلويث الهواء مخالف لشرع الله سواء كان بالغازات السامة الناتجة عن الأسلحة الكيماوية أو بالغازات المحملة بالرماد والشوائب التي تنتج عن إحراق الوقود في المصانع ومحطات القوى المحركة، ومحركات المركبات، ومن أهم هذه الغازات ثاني أكسيد الكربون، وأكاسيد النتروجين، وثاني أكسيد الكبريت ونحو ذلك. وتحريم إفساد الهواء بصفة خاصة والبيئة بصفة عامة يدخل في نطاق قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 6٠)
ويجب أن يؤمن الناس أن الهواء من خلق الله للناس وهو نعمة ورزق تجب المحافظة عليه بدليل قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 74) ولقد أكد رسول الله ﷺ عدم تلويث البيئة، ويدخل في نطاقها الهواء، فقال: «لا ضرر ولا ضرار» (متفق عليه)، كما نهى عن التبول في الطرقات لأن فيه تلويثًا للهواء والأرض، فقال ﷺ: «اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلتهم» (رواه أحمد ومسلم وأبو داود». وقد أكد الأطباء أن تلويث الهواء بالغازات السامة، والروائح الكريهة، والقاذورات والفضلات والنجائس يسبب العديد من الأمراض الصدرية والعصبية والحساسية ونحوها، وتبذل دول العالم جهودًا كبيرة وتنفق أموالًا طائلة لحماية الهواء من التلوث، وقد كان للإسلام فضل السبق في هذا الخصوص. الضوابط الشرعية لحماية المياه والأنهار والبحار:
سخر الله عز وجل المياه والأنهار والبحار والبحيرات للإنسان، وأمره بالمحافظة عليها من التلوث والنجاسات والقاذورات وكل ما يسبب أضرارًا بصحة الإنسان والمخلوقات، وفي هذا الصدد يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ( النحل: 14)
وورد عن رسول الله ﷺ العديد من الأحاديث التي تحث على عدم تلويث المياه منها قوله ﷺ:
- نهى رسول الله ﷺ: «أن يبال في الماء الراكد» (رواه أحمد)، كما نهى «أن يبال في الماء الجاري» (رواه الطبراني).
- كما نهى رسول الله ﷺ: «عن البول في مكان الغسل» فقال ﷺ: «لا ينقع بول في طست في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول منتقع، ولا تبولن في مغتسلك» (رواه الطبراني بإسناد صحيح)، وفي رواية أخرى، نهى الرسول ﷺ «أن يبول الرجل في مستحماه» (رواه أحمد والنسائي).
وقال ﷺ: «عامة عذاب القبر في البول فاستنزهوا «تطهروا» من البول» (رواء البزار). والعلة في نهي الرسول ﷺ عن البول في المياه والأنهار أو في الطرقات أو في أماكن الاستحمام والحث على الطهارة هي منع انتشار الأمراض والأوبئة. ويقاس على التبول والتبرز بقية النجاسات والقاذورات وما في حكمها التي تلقي في المياه لما يترتب على ذلك من أضرار. ولقد ورد عن علماء الطب أن التبول والتبرز في المياه ينقل الأمراض، ولا سيما الأمراض الباطنية، ويرى بعض الأطباء أن تلوث المياه بالصرف الصحي يسبب العديد من الأمراض، منها وظائف الكبد والفشل الكلوي وسرطان المثانة وأنواع مختلفة من الحساسية وسرطان الجلد. ومن أخطر السبل المعاصرة للتلويث أن بعض الدول تلقي في الماء نفايات ذات درجة عالية من التسمم؛ فتسبب للناس العديد من الأمراض الخطيرة التي تؤدي إلى الوفاة. الضوابط الشرعية لحماية الأشجار والزروع والثمار والنباتات:
سخر الله عز وجل للإنسان الأشجار والزروع والثمار والنباتات، ونحو ذلك لما لها من منافع شتى للإنسان والمخلوقات، وكذلك لحماية البيئة من الأتربة والرياح ونحوها. كما أمر الله عز وجل بالمحافظة عليها والعمل على تنميتها، لأنها من نعم الله، فيقول تبارك وتعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ١٠-١١) وينهانا ﷺ عن قطع الأشجار التي يستظل بها الناس، إلا الضرورة معتبرة شرعًا «من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار» (رواه أبو داود)، ويقصد بالسدرة: شجر السدر التي يكثر وجودها في البراري ويستظل بها الناس والأنعام، وفي هذا الحديث توجيه إلى المحافظة على الأشجار لما فيها من منافع للبيئة. وبحث الرسول على الزراعة فيقول ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» (رواه البخاري ومسلم).
ويقول ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع الا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (رواه أحمد والبخاري). ومن صور الاعتداء المعاصرة على الأشجار والزروع والثمار ونحوها قطع الغابات بدون ضرورة، واستخدام المبيدات والأسمدة الكيماوية بكثرة؛ فتسبب العديد من الأمراض، علمًا بأن الدول المتقدمة تقتل من استخدامها، وتأسيسًا على ذلك فإن حماية الزروع والثمار وما في حكمها حماية للبيئة ونفع للإنسان الضوابط الشرعية لحماية الطرق والأراضي والجسور والمرافق العامة: تعتبر الطرق والأراضي وما في حكمها من عناصر البيئة الواجب المحافظة عليها، لا سيما من الخبائث والنجاسات وما في حكم ذلك لعدم إيذاء الناس، والدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 58) وقد نهى ﷺ عن التخلي في الطرق أو في الظل أو في أماكن التجمع لما يسببه ذلك من أذى، وورد في هذا الشأن الكثير من الأحاديث النبوية، نذكر منها:
عنه ﷺ أنه قال: «اتقوا اللاعنين، قالوا : وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلتهم» (رواه مسلم). وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» (رواه أبو داود وابن، ويقصد بالملاعن: مواضع اللعن. وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتقوا الملاعن الثلاث» قيل: ما الملاعن الثلاث يا رسول الله؟ قال: «أن يقعد «يتخلى» أحدكم في ظل يستظل به، أو في طريق، أو نقع ماء» (رواه أحمد). وعنه ﷺ أنه قال: «من أذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم» (رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن) وعنه ﷺ أنه قال: «من غسل سخيمته على طريق من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ( رواه الطبراني في الأوسط). وعن أبي هريرة رضي الله تعالي عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (متفق عليه). ومن مبررات النهي عن الخلاء في الطرق ونحوها منع انتشار الأمراض والمحافظة على الأماكن العامة من النجاسة والخبائث وعدم الإضرار بالناس وهذا يبرز عظمة الإسلام وحضارته.
ومن الصور المعاصرة لتلويث الطرق والأراضي دفن النفايات السامة بها، فقد قامت شركات النفايات السامة بدفن كمية كبيرة منها في الأراضي، وسببت العديد من الأمراض، ومما يؤسف له أحيانًا أن توافق بعض حكومات الدول النامية على ذلك نظير بعض الأموال، ثم تنفق أضعافها على علاج ما يترتب على ذلك التلوث. الضوابط الشرعية الحماية الأسواق والحانات ونحوها: تعتبر الأسواق من ضروريات الحياة حيث يتم التعامل فيها في الحاجيات الضرورية للإنسان، فهي مكان يعرض فيه المنتجون منتجاتهم، ويحصل المستهلكون على طلباتهم. والأسواق موجودة منذ الأزل وأشار إليها القرآن في قوله تعالي: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ (الفرقان: 20). والسنة النبوية الشريفة حافلة بالأحاديث التي تضبط السوق منها قوله ﷺ: «هذه سوقكم لا تتحكروا فيها ولا يفرض عليها خراج» (رواه ابن ماجه) وقد تضمنت الشريعة الإسلامية العديد من الضوابط لحماية المعاملات في الأسواق من التلوث الأخلاقي والسلمي، منها:
١- إنتاج الطيبات وتجنب الخبائث: يقول الله تبارك وتعالى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ (الأعراف: 157)، ومن الخبائث المياة والدم ولحم الخنزير والمتخلفة والموقودة والمتردية والنطيحة... ونحو ذلك، وكذلك الخمر وما في حكمها على النحو السابق بيانه.
٢- تجنب التجارة في السلع المحرمة والواردة في كتب الفقه تفصيلًا.
٣- تحريم الغش والتدليس بكل صوره، يقول الرسول ﷺ: «من غشنا فليس منا» (رواه ابن ماجه)
٤- تحريم الاحتكار بكل صوره وأشكاله، يقول الرسول ﷺ: «لا يحتكر إلا خاطئ» (رواه مسلم).
٥- تحريم التطفيف في الكيل والميزان وبخس الناس أشياءهم.
ولحماية الأسواق والمتعاملين فيها، وضع نظام الحسبة، وكان من بين مهامه الرقابة الصحية، ولا سيما على الأطعمة التي كانت تباع بالمحلات أو في الطرقات للتأكد من نظافتها وصلاحيتها حفاظًا على صحة المستهلكين.
وقد تضمنت كتب الفقه ضوابط عمل المحتسب ونطاقه، فكانت تشمل: بائعي الدقيق والخبازين والفرانين والسقائين والجزارين والطباخين والعطارين.
وتحرم الشريعة الإسلامية التعامل في السلع الفاسدة التي انتهت صلاحيتها، وهذا يدخل في نطاق تحريم الغش وما هو ضار، ومن أمثلتها المعاصرة: الأغذية الفاسدة، الأشربة الفاسدة، الأدوية المحظورة، المواد الضارة، المخدرات، والمفترات، التماثيل، والأصنام، النجاسات.
القواعد الفقهية ذات العلاقة بحماية البيئة ونظافتها:
تضمنت القواعد الفقهية مجموعة من القواعد ذات العلاقة المباشرة بحماية البيئة ونظافتها، من أهمها:
- إنما الأعمال بالنيات والأمور بمقاصدها.
- الالتزام بالحلال الطيب.
- الأصل في المعاملات الحل.
- وسائل الحرام حرام.
- وجوب الالتزام بالعقود والعهود.
- مشروعية الغاية ومشروعية الوسيلة.
- اليسير الحرام معفو عنه عند الضرورة.
- الضرورات تبيح المحظورات.
- الحاجة تنزل منزلة الضرورة أحيانًا.
- المشقة توجب التيسير ورفع الحرج.
- دفع المفاسد مقدم على جلب المنافع.
- ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
- لا ضرر ولا ضرار.
- الضرر يزال، ويختار أخف الضررين.
ونخلص مما سبق إلى أن الالتزام بهذه الضوابط جميعًا يحمي البيئة من كل أنواع الفساد والتلوث، ويظهر عظمة الإسلام كدين حضاري، وهذا يؤكد أن حماية البيئة ونظافتها ضرورة شرعية وحاجة إنسانية، ومن بواعث وحوافز تحقيق ذلك القيم الإيمانية والمثل الأخلاقية والسلوكيات المجتمعية السوية والتشريعات الحكومية الرادعة تجاه من يلوثون البيئة لأنهم من المفسدين في الأرض بعد إصلاحها.