العنوان أفكار للتأمل: العرب بدون خيارات
الكاتب محمد صلاح الدين
تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996
مشاهدات 60
نشر في العدد 1202
نشر في الصفحة 50
الخميس 06-يونيو-1996
يبدو أن من الضروري للعالم العربي أن ينظر إلى التحالف الإسرائيلي التركي من جهة، والاحتلال الإريتري لجزيرة حنيش الكبرى اليمنية من جهة أخرى، بعمق وجدية يتجاوزان بيانات التنديد والقلق التي تعود الرأي العام الدولي والعربي، وكل ذوي الشأن على أنها لا تعني أكثر من التعبير الوقتي عن القنوط واليأس وتمرير حرج للحظة الراهنة.
ويبدو أيضًا أن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الأخص مصر، هم المعنيون الرئيسيون بهذا التحرك الاستراتيجي لإسرائيل على جبهتي تركيا في الشمال، والبحر الأحمر في الجنوب ليس كتحرك عدائي يهدد الأمن والمصالح العربية، بل وهذا هو الأهم بالدعم والترتيب الأمريكي الذي كان دون شك وراء إتمام هذين التحركين، مما جعل رد الفعل المصري على هذا التحالف التركي الإسرائيلي يتسم بالحدة والغضب والإحباط، بل والتهديد.
لقد كان قبول مصر في الدرجة الأولى ومن ثم منظمة التحرير الفلسطينية والأردن بالسلام الإسرائيلي والتحالف مع أمريكا يستهدف -أساسًا طبقًا لتصريحات المسئولين- إقناع الأمريكيين بوجود حلفاء عرب يمكن الوثوق فيهم والاعتماد عليهم لضمان المصالح الأمريكية في المنطقة، وفي طليعتها أمن إسرائيل، ومن ثم حمل الولايات المتحدة الأمريكية على التخفيف من انحيازها الأعمى لإسرائيل، وانتهاج سياسة أكثر توازنًا في المنطقة العربية عامة، والقضية الفلسطينية خاصة، ولقد تعزز هذا التصور العربي بدرجة قصوى في حرب الخليج حين اكتفت أمريكا وحلفائها العرب، واستبعدت إسرائيل.
لكن هذا التحالف الإسرائيلي الجديد على جبهتين استراتيجيتين بالغتي الحساسية والخطورة للعرب وهما تركيا في الشمال، والبحر الأحمر في الجنوب، وبدعم وترتيب أمريكي، يأتي لينقض كل هذه التصورات العربية من الأساس؛ لأنه تبدل استراتيجي جذري في التحالفات القائمة في المنطقة منذ حرب الخليج وتوقيع اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية لا يستبعد الحلفاء العرب فحسب، بل يهدد أمنهم ومصالحهم الحيوية، ويضع العالم العربي كله بين فكي كماشة إسرائيلية، ومن ثم فهو يؤكد لحلفاء أمريكا العرب أنهم لم يستطيعوا -برغم كل ما فعلوا- كسب ثقة الأمريكيين ولا الإسرائيليين كما لم ينجحوا في إقناعهم بالاعتماد عليهم، ولتبرز إسرائيل كما كانت دائمًا من قبل الحليف الاستراتيجي الأوحد والقاعدة الأساسية المعتمدة للولايات المتحدة الأمريكية، ولتكون مصالحها هي العليا في المنطقة، ولو على حساب أمن ومصالح الآخرين.
مثل هذا الكلام ليس تخوفًا مبالغًا فيه، ولا استقراء يقوم على الوهم أو تضخيم الأحداث، بل هو قراءة واقعية أكدها الإسرائيليون.
فقد تحدث إلى جريدة الحياة (96/٤/17) مارتن كرامر مدير معهد موشيه ديان للدراسات الاستراتيجية في تل أبيب، والذي يعتبر من كبار المحللين اليهود الاستراتيجيين لشئون الشرق الأوسط، كما يعتبر معهده أحد أبرز المعاهد الأكاديمية التي تؤثر في صناعة القرار الإسرائيلي تجاه العالم العربي وتركيا وإيران فقال: «إن نشر طائرات إسرائيلية شرق تركيا، وانتزاع جزيرة حنيش الكبرى من القوات اليمنية يندرجان في إطار استراتيجية إقليمية وقائية تنفذها إسرائيل تحسبًا لتهديدات سودانية محتملة تعرض للخطر الخطوط الملاحية في المياه الدولية في البحر الأحمر، ولمواجهة أي تهديد يمكن أن يصدر عن إيران» ولا بد هنا من القول بأن حديث مدير معهد موشيه دايان في تل أبيب عن الخطر المرتقب من السودان وإيران هو دخان للتمويه من باب ذر الرماد في العيون، فالسودان الفقير المحاصر أضعف من أن يشكل تهديدًا للملاحة الدولية في البحر الأحمر، وإيران لا تشكل كذلك خطرًا على أي من إسرائيل أو تركيا، التي تعرف أن مشاكلها الكبرى هي مع كل من سورية والعراق حول الأكراد ومياه نهري دجلة والفرات.
على أن الاستراتيجي الإسرائيلي عاد في نهاية تصريحه لجريدة الحياة تخلى عن حذره، وكشف عن الأهداف الحقيقية لبلاده حين قال: «هناك علاقات سلام تربط إسرائيل بجيرانها، من دون أن يكون هناك تحالف معاد، لكن من الممكن أن تكون في الجوار نقاط يمارس منها الضغط على إسرائيل، لذا فإن ما يحدث في تركيا وما حدث في البحر الأحمر هما وجهان لعملة واحدة، وتمركز مبدئي في الوقت الحالي تحسبًا لحاجة مستقبلية، الحاجة لیست ملحة وليست قائمة بعد، ولكن إذا تطور الوضع فإنك ترغب في ألا تجد نفسك في وضع لا تكون في يدك أوراق تلعب بها، ولا بد أن يكون هناك حد أدنى من الأوراق تمسك بها».
هل أبقى العرب في أيديهم أية أوراق؟ الجواب بالنفي بكل تأكيد، وذلك ما يعرفه حق المعرفة الأمريكيون والإسرائيليون أنه ليس في أيدي العرب -حلفاء كانوا أم غير حلفاء- أية أوراق أو بدائل، وأنهم قد أحرقوا كل سفنهم فلم تعد أمامهم أي خيارات
[1] صحفي وناشر سعودي