العنوان العنف السياسي من مناظير مختلفة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 62
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
المُلاحظ والمتصفح لتاريخ الأمم والشعوب في الأزمنة والعصور المختلفة يجد أن ظاهرة العنف لیست سمة لصيقة بمجتمع دون غيره، بل هو ظاهرة إنسانية عالمية، ترتبط بالطبيعة الإنسانية التي تعرفها كل المجتمعات بصور مختلفة، وبدرجات متفاوتة، وتتمثل الاختلافات بين مجتمع وآخر في مسببات العنف والصراع في الأمم، في مدى وجود آليات ومؤسسات لضبط وإدارة الصراع في المجتمع، هنا يبرز الفارق بين الدول الغربية الديمقراطية المتقدمة التي بنظمها وآلية حكمها وإطلاق الحريات فيها وتنفيذها لإدارة شعوبها، والعمل على استثمار الآراء فيها، وبين دول العالم الثالث، التي تفتقد آليات صحيحة ومؤسسات حقيقية لضبط الصراع في المجتمع، حيث يبرز بشكل صارخ الاستبداد بالسلطة لغير الجدير بها، وغياب أو ضعف القنوات السياسية الوسيطة كالأحزاب وجماعات الضغط، وتنظيمات المصالح التي من شانها تنظيم وضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ونتيجة لانغلاق الطرق والقنوات الرسمية الشرعية الوسيطة، فإنه يكون من المحتم بروز العنف السياسي، حيث لا يوجد هناك من طريق غيره من وجهة نظر جماعات العنف الإسلامية وغير الإسلامية الراغبة في توصيل مطالبها والتعبير عن نفسها، وإبراز خططها الإصلاحية، ويصبح العنف هو الطريق الآخر والوجه البديل لعدم السماح للقوى المختلفة بتشكيل التنظيمات الرسمية التي توصل مطالبها بطريقة سليمة وشرعية، ولأن السلطات في كثير من الدول لا تستطيع السماح بالشرعية لتلك القوى المعارضة التي تتمتع برصيد شعبي وزخم إصلاحي وفكري، لأنها ستسحب البسط من تحت أرجلها، وتحرمها من مكانتها ومكاسبها، فإنه يصير البديل الوحيد عندها هي الأخرى الحلول الأمنية والاستئصال الحربي، حيث تنظر إلى هذه الجماعات نظرة أمنية مباحثية، وترى أنها ظواهر انحراف وإجرام، تهدد الأمن والاستقرار، وتمارس العمالة لجهات أجنبية، ولهذا فهي تترك مهمة مواجهتها لأجهزة الأمن والمخابرات التي تعد من أقوى المؤسسات في تلك الدول، وأكثرها تسليحًا وتنظيمًا، ولذلك لم تتردد تلك الدول وهذه النظم في استخدام العنف الرسمي بشكل منظم، وبأساليب متعددة: كحملات الاستئصال والتعذيب، والاحكام بالحبس، والإعدامات...... إلخ، ضد القوى المعارضة، ولهذا يجب ألا يفهم العنف السياسي أو تبحث مسبباته في تلك الدول بعيدًا عن هذه الظروف والأسباب، حيث الفساد السياسي والتأخر الحضاري، وكبت الحريات، والاستعباد الاجتماعي، والعجز عن الإصلاح، وعدم السماح بالرأي الآخر، والفتن، والتدخلات الخارجية، والشعور بضياع الهوية، ومعارضة الشعور الشعبي والديني والعقدي.
كما لا يجب التركيز على تيار معين كالتيار الإسلامي مثلًا، لأن العنف السياسي ليس سمة لصيقة بتيار فكري او سياسي بعينه، أو بقوة اجتماعية دون غيرها، وإلا فالدول الإفريقية تموج بنزعات العنف قديمًا وحديثًا، ودول شرق اسيا وغيرها مثل كمبوديا والخمير الحمر وغيرهما.
كما لا يجب أيضًا أن لا ينساق بعض الباحثين إلى اتهام أصحاب العنف السياسي بالجهل والتطرف والظلامية، كما يحلو للبعض من أصحاب المصالح الشخصية، ومن كثير من الكتاب الغربيين والصحفيين الأجانب ومن على شاكلتهم في أمتنا، لأنه قد وُجد أن العديد من الدراسات الجادة والبحوث الميدانية قد أكدت أنهم من المتعلمين الحاصلين على أعلى الشهادات والتخصصات النادرة، وأنه يندر أن يوجد بينهم متوسط التعليم، ويستحيل أن يوجد بينهم غوغاء أو سوقة، وإنما هم شرائح من أصحاب المكانة المرموقة، والمشهود لهم في أكثر الأحيان بالاستقامة والنزاهة والإخلاص، وهذا ما يشكك كثيرًا في مصداقيات التهم الملصقة بهم، ويظهر بجلاء أن هذه الاتهامات مجروحة لتنافسات سياسية وعداوات مذهبية، وتوجهات استئصالية.
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
فالقوم اعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
كذبًا وزورًا إنه لدميم
ومما يستغرب له ويدهش الإنسان منه، أن العنف الذي يملأ الدنيا من شرقها إلى غربها، قد لا يُحرك ساكنًا عند الكثيرين، ويعتبرونه من مقتضيات الصراع الحتمي بين كثير من الأفكار والعنصريات، وتعدد الأعراق والتوجهات، ولكن إذا ظهر العنف في بلاد المسلمين لبعض الوقت، وقد يكون لسبب ظاهر ومعروف، سارعت دول معينة باتهام الإسلام والمسلمين بتربص غريب وشماتة مقززة، وعبثية تدعو إلى الغثيان، وانطلقت تحرض العالم من شرقه إلى غربه على المسلمين والإسلام، واستعملت في ذلك وكالات الأنباء والصحف وبعض المتربصين من هنا وهناك لينطلق دوي يصم الآذان يُحذر من المسلمين، ومن الإرهاب الزاحف نحو الأمم المتحضرة والمجتمعات الآمنة، ومن ضرورة تحرك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لمواجهة هذا الطوفان، وهذا ما يؤكد نظرية المؤامرة على المسلمين، والتي أصبحت غير خافية على أحد.
كما ينبه الباحثون على أمر آخر يجب أن يلتفت إليه، وهو أن العنف في بعض الأحيان قد لا يكون ظاهرة مرضية على الدوام، بل هو في بعض الحالات قد يكون ضرورة تاريخية، وقد يكون هو الأسلوب الأخير والفعال للتخلص من بعض الأوضاع الظالمة والمختلة التي يجب إزالتها والتخلص منها، وفي هذا الإطار يمكن فهم التغيرات الثورية الكبرى في التاريخ الإنساني، التي لم تكن لتحدث لولا قدر العنف الذي ارتبط بها، فالدولة المستعمرة ما كانت لتنال استقلالها لولا صراعها الحربي الطويل مع المستعمر، وأصحاب الحقوق المغتصبة ما كانوا لينالوا حقوقهم إلا بالكفاح والجهاد، كما عبر عن ذلك شوقي .. رحمه الله بقوله:
وللـحـريـة الحـمــراء باب
بكل يد مضرجة يدق
وقوله:
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال
إذا الإقدام صار لهم ركابا
ولكن... فرق بين عنف يدمر ويهدم، وينطلق كالرصاصات الطائشة من يد الأخرق، وبين كفاح محسوب ومعروف الأهداف والغابات، يبني الممالك والأسم، ويكون عاقبة أمره نصرًا لا خسرًا، ونحن لا نحبذ العنف الأخير بل نحذر منه، عنف الفتنة وقتل الأبرياء، وهدم الأمة، العنف الطائش وغير المحسوب الذي يبنى على طيش الشباب، ويتخذ من الفهم الخاطئ والتأويلات الباطلة لنصوص القرآن والسنة منطلقًا، ويعتمد على قراءات مبتسرة لأفكار واجتهادات بعض المفكرين الإسلاميين بغير نظر إلى الواقع، أو معرفة العواقب، وتقدير لقوى التربصات العالمية واليهودية، فالقرآن الكريم والسنة لم يُحرما استخدام القوة، ولكن أحاطاها بمجموعة من القيود والضوابط، التي تجعل استخدامها لتحقيق أهداف وغايات سامية، لا لإحداث فتن تدع الحليم فيها حيران.
وبعد.. فهل نستطيع وتستطيع الامة بقادتها وعلمائها وساستها، أن تحدد أسباب العنف وتعالجه؟ أم أن الخوف من التهم، والخشية من السلطات وعدم القدرة على قبول كلمة الحق يمنع ذلك إلى حين؟.. نسأل الله أن يوفق الجميع، وأن يزيل الغمة.. آمين.. آمين.