; العنف في كوسوفا يرسخ أن: الاستقلال هو الحل | مجلة المجتمع

العنوان العنف في كوسوفا يرسخ أن: الاستقلال هو الحل

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 27-مارس-2004

مشاهدات 62

نشر في العدد 1594

نشر في الصفحة 38

السبت 27-مارس-2004

الصرب سعوا للعنف لإعادة جيشهم .. و فرض التقسيم

في السابع عشر من مارس ارتكب صرب كوسوفا جريمة بشعة تمثلت في مطاردة صبيين ألبانيين مسلمين في منطقة كوسيفيسكا ميتروفيتسا الشمالية، ودفع الخوف بالصبيين اللذين حوصرا من عدة جوانب إلى الإلقاء بنفسيهما في نهر إيبار لتفادي الوقوع في قبضة الوحوش الصرب لكنهّما وقعا في قبضة الموت وقضيا غرقًا في النهر.

كانت تلك بداية شرارة الصدامات الدموية بين الصرب والألبان في كوسيفيسكا ميتروفيتسا ومن ثم في كوسوفا، والتي أسفرت عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، بالإضافة لمقتل أحد جنود القوات الدولية على يد أحد القناصة الصرب.

غضب الألبان

 كان غضب الألبان مبررًا، ومع ذلك فإنه أثناء احتجاجهم على مقتل الصبيين الألبانيين استخدم الصرب السلاح ضدهم. كان الصرب متيقنين من عدم صمت الألبان على مقتل ابنيهما، فارتدوا البزات العسكرية وتسلحوا ببنادقهم الآلية في انتظار قدوم الألبان، وهو ما فاقم من وتيرة الصراع حيث سقط 8 شهداء ألبان يوم 17 مارس، وبذلك وصل عدد الضحايا الألبان في يوم واحد إلى 10 أفراد. وإلى هذا الحد لم تكن ردود الأفعال الدولية قد وصلت إلى حد التنديد بالممارسات الصربية بل كانت أنباء مقتل الألبان مجرد أخبار عادية مثلها مثل أخبار القتلى في فلسطين والعراق، إلا أن الموقف الدولي سرعان ما تغير عندما بدأ الصرب يتساقطون وكنائسهم وبيوتهم تحترق ويطاردون في كل مكان داخل كوسوفا ...

حكومة كوسوفا

رئيس كوسوفا إبراهيم روجوفا دعا من جهته جميع السكان إلى الهدوء والتزام القانون لكنه أكد أن الحل الوحيد لإنهاء الصراع والحروب والمشكلات في كوسوفا هو الاستقلال فبدون استقلال كوسوفا يظل الصرب يحلمون بعودة كوسوفا إلى السيطرة الصربية ويواصلون مساعيهم لإثارة الاضطرابات من أجل تقسيمها، وهو أملهم الذي ظلوا متعلقين به منذ أدركوا أن كوسوفا بحدودها الحالية لا يمكن أن تعود ملكًا مستباحًا لهم بعد الجرائم التي ارتكبوها بحق سكانها الألبان على مدى العقود الماضية، ولا سيما في سنتي 1998 و 1999.

لقد حاول الصرب كما يقول المراقبون قبل أيام قليلة من أحداث كوسوفيسكا ميتروفيتسا إثارة المشكلات الأمنية من خلال عدد من الأحداث، أبرزها حادثة إلقاء قنبلة يدوية على مسكن إبراهيم روجوفا، مما أدى إلى جرح أحد الأشخاص. وقبلها عثرت القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة في بريشتينا على قنابل موقوتة بالقرب من مقراتها، مما دفعها إلى رفع حالة الطوارئ وإصدار تعليمات أمنية بتوخي الحذر، ورفع مستوى المراقبة للمقرات الدولية في بريشتينا.

ويبدو أن الحكومة الصربية في بلجراد كانت كما يقول المحللون وراء الأحداث الأخيرة في كوسوفا، والتي وصلت شراراتها إلى بلجراد ونيش، ونوفي صاد في صربيا، حيث أحرقت ثلاثة مساجد، وسراييفو، وبوجوينو في البوسنة ومن المفارقات أن ينظم الصرب في بنيالوكا مظاهرة احتجاج ضد ما أسموه التهجير في كوسوفا ورفعوا شعارات «لا للتهجير» وهم أصلاً من مارس التهجير في البوسنة وفي بنيالوكا ذاتها بل إن معظم المتظاهرين يسكنون بيوت مسلمين مهجرين، أما في مقدونيا فقد أغلق الصرب الحدود مع كوسوفا.

وسارعت الحكومة الصربية إلى إدانة الألبان دون سواهم، واصفة إياهم بالإرهابيين. ورابطة بين أحداث كوسوفا، وما تم مؤخرًا في مدريد بإسبانيا كما أعلنت قواتها العسكرية حالة الطوارئ على الحدود مع كوسوفا وتقدمت بطلب إلى حلف الناتو ومجموعة الاتصال للسماح لقواتها العسكرية بالدخول إلى كوسوفا، والعمل ضمن قوات كي فور الدولية التابعة للحلف إلا أن الحلف رفض الطلب الصربي لأن وجود قوات صربية داخل كوسوفا سيزيد من تفاقم الوضع، لا سيما أنها لن تكون محايدة في صراع بين أغلبية ألبانية، وأقلية صربية ضئيلة تحتمي بدولة صربية جارة. وتعمل معها على أن تظل كوسوفا جزءًا لا يتجزأ من صربيا. كما أن الحكومة الصربية دعت وبسرعة مجلس الأمن إلى الانعقاد لبحث الأحداث في كوسوفا وهو دليل إضافي كما يقول الألبان على أن الحكومة الصربية كانت وراء الأحداث، سواء بافتعالها أو استغلالها. ويقول الألبان أيضًا إن حكومة بلجراد عملت من خلال استغلال الأحداث في كوسوفا على تأجيل قضية استقلال كوسوفا، من خلال إيهام الحكومات الغربية وحلف الأطلسي بأن الألبان يعملون للحصول على الاستقلال من خلال تهجير الصرب، وحرق كنائسهم وبيوتهم، وأن كوسوفا مستقلة تعني دولة بدون صرب أو أقليات أخرى وأن استقلال كوسوفا خطر على غير الألبان.

الموقف الدولي

كانت الأحداث الدامية التي شهدتها كوسوفا مفاجئة للرأي العام، وللمجتمع الدولي. لا سيما أن حجم الانفجار كان أكبر مما كان عليه الوضع قبل ذلك. فقد حصلت أحداث بسيطة، لا ترقى لما كان عليه الوضع قبل 1999م، وكان رد الفعل الدولي من شقين: سياسي وعسكري. فعلى الصعيد السياسي دعا الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة السكان في كوسوفا إلى وقف العنف المتبادل وندد مجلس الأمن الذي عقد اجتماعًا عاجلاً بطلب من روسيا وصربيا بالأحداث، وقال كوفي عنان إن الأمم المتحدة لا يمكن أن تغمض عينيها على ما يجري في كوسوفا. وقال خافيير سولانا المنسق الأوروبي للشؤون الأمنية والعلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي: إن حرق المساجد في صربيا لا يخدم مساعي بلجراد للانضمام للاتحاد الأوروبي. وقال هوب شيفر السكرتير العام لحلف الأطلسي، والذي يبدو أنه سقط في أحابيل الدعاية الصربية الألبان يرسلون برسالة خاطئة، إن كانوا يعتقدون بأنهم عن طريق العنف يمكن أن يحققوا ما يرغبون فيه. وقال إن الذين يقومون بأعمال العنف يفقدون ثقة المجتمع الدولي.

أما على الصعيد العسكري، فقد سارعت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا إلى الإعلان عن إرسال قوات عسكرية إلى كوسوفا لتعزيز القوات الأطلسية هناك والبالغ عددها 17 ألف جندي، فقد أرسلت الولايات المتحدة 150 جنديًا من قاعدة توزلا بالبوسنة، وأرسلت بريطانيا 150 جنديًا كطليعة لـ750 جنديًا. فيما أعلنت ألمانيا عن إرسال 600 جندي وفرنسا 400 جندي، وسيبلغ عدد الجنود الذين سيعززون القوات الدولية 2500 جندي حسب ما صرح به سكرتير الحلف هوب شيفر.

بقي القول: إن العنف في كوسوفا لا يخدم سوى الصرب، لأن هدوء الأوضاع كما يقول المحللون يعني تسليم الأمور إلى المسؤولين المحليين، ومزيدًا من السيادة، أما انفجارها فيعني أن كوسوفا لا تزال في حاجة للمظلة الدولية، وربما للتدخل الصربي، فمن المستفيد من إثارة القلاقل؟ فالحال في كوسوفا يختلف عن غيرها من الأماكن التي يعني الهدوء فيها تكريس الاحتلال والاستسلام. وقد كانت أحداث كوسوفا فرصة لعدد من عقلاء الصرب الذين راجعوا أنفسهم وقالوا إن ما فعلوه بالمسلمين في البوسنة 1992 -1995م قد ذاقوا طعمه بعد ذلك في كوسوفا.

الرابط المختصر :