; أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر د. عبد الصبور مرزوق:العودة للدين الحق... الطريق الوحيد للتوازن بين رغبات الأفراد ومصلحة المجتمع | مجلة المجتمع

العنوان أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر د. عبد الصبور مرزوق:العودة للدين الحق... الطريق الوحيد للتوازن بين رغبات الأفراد ومصلحة المجتمع

الكاتب محسن عبد الفتاح

تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006

مشاهدات 50

نشر في العدد 1709

نشر في الصفحة 34

السبت 08-يوليو-2006

  • اقتران جهود الإغاثة بالدعوة الإسلامية كفيل بنشر الإسلام في ربوع الأرض.

  • بدأت العولمة التي يسيطر عليها الغرب بالتدخل في مناهج التعليم وتبديل وجهتنا الثقافية إلى باريس وواشنطن بما ينذر بمسخ هوية المسلمين.

أكد الدكتور عبد الصبور مرزوق أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر أن من أهم أسباب تخلف العالم الإسلامي عدم إبصاره سوى الفروض العينية الفردية، وإغفاله الفروض الكفائية الجماعية، أو غياب الحس بأهميتها وأبعادها، فانقطع أثرها في الحياة العملية ما أسهم في تراجعه ومن ثم تخلفه.

وأضاف فضيلته في حديث لــ المجتمع: أن مفهوم الخيرية في الإسلام مفهوم عميق يرتبط نجاحه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلان الإيمان بالله، وأن حصر أعمال الخير في الإغاثة لا يكفي، بل يجب أن يصاحبها أداء المهمة الدعوية بشكل سليم، وهذا نص الحوار: حوار: محسن عبد الفتاح

  •  كيف نوفق بين الدوافع الذاتية للفرد وبين المصالح العامة للمجتمع بشكل متوازن؟

    من وجهة نظري لا حل إلا عن طريق واحد هو طريق «الدين».. فالدين وحده هو الذي يستطيع - بل استطاع بالفعل - عبر القرون أن يحجم الدافع الذاتي للإنسان، ويخفف كثيرًا جدًا من انسياقه وراء شهواته، وأنانيته المتمثلة في فطرة غريزة التملك، والرغبة في المزيد من التملك، وينقله إلى الحالة النبيلة المتسامية التي تحمله - دون أي ضغط خارجي - إلى التنازل طواعية وعن اقتناع عن الكثير مما يملك، بل وربما كل ما يملك، ليضعه في خدمة صالح المجتمع، وتطبيق أهدافه.. ورضي الله عن الأبرار الذين قال القرآن فيهم: 

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا, إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (الإنسان: 8- 9)... بل إن للدين قدرته الرائعة على حمل الإنسان التضحية بذاته وحياته انتصارًا للأهداف العليا للمجتمع، على نحو ما تسجله تواريخ الاستشهاد دفاعًا عن الدين والقيم في القديم والحديث.. ذلك لأن الدين وحده هو الذي يعطي الإنسان الفرد رؤية جديدة لقضية المكسب والخسارة تختلف تمامًا عن الموازين الرأسمالية، حيث يؤمن الفرد أنه في كل تعاملاته مع الله يكسب أضعاف ما يمكن أن يظفر به في التعامل مع الناس، وحسبنا أن نشير إلى مثل قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 261).

إن مثل هذا التوجيه يجعل الإنسان المسلم يؤمن بأن مصلحته الذاتية هي مصلحة المجتمع، وأنهما مرتبطان، وهكذا تحل المشكلة فيعلو جانب الخير ويزول التناقض بين دوافع الأفراد، واحتياجات المجتمع، دون صراع طبقي, ودون حمامات دماء، وهذا ما لم تستطعه الرأسمالية  ولا الاشتراكية الماركسية. 

  •  إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرط استحقاق الأمة لصفة الخيرية.. فما التحديد الدقيق لمفهوم المعروف والمنكر المنوط برسالة الأمة الإسلامية؟

  • هناك من يحصر المعروف والمنكر في فروع الفروع، وأنا لا أقبل ذلك التفسير السطحي.. كدعوة إنسان إلى تقصير ثوبه أو مطالبة إنسان بإطلاق لحيته.. إلى غير ذلك مما هو معروف ومشهور، يجري الاهتمام به وتثار بشأنه الخلافات إلى حد الاقتتال، بينما يتم التغافل عن تحديد رؤية الإسلام للقضايا الكبرى الجادة كقضية الحرية والعدل الاجتماعي والعلاقة بين الراعي والرعية ومعارك التخلف، والتصدي للقوى والثقافات الغازية وغيرها.

أقول: لو كان المعروف والمنكر المنوط بالأمة الأمر به والنهي عنه, هو من ذلك المستوى السطحي المشار إليه لكفى في النهوض به بعض الوعاظ البسطاء، ولما كان محتاجًا إلى أمة تحمل تبليغ الرسالة الكاملة، والخاتمة إلى الناس كافة.. ولكن للمعروف والمنكر فهمًا آخر ودورًا أكبر هو إبلاغ جوهر الإسلام والتعريف بخصوصيات عطائه الحضاري للناس كافة.

واقترابًا من المعنى المراد، علينا ملاحظة المناخ التاريخي من جوانبه المختلفة الدينية والسياسية يوم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.. وسنرى فيه من الجانب الديني كيف انحط المستوى العقلي للإنسان فتصور الآلهة أوثانًا ينحتها بيديه ثم يقوم بعبادتها! أو يرى فيه نارًا يشعلها ثم يدور من حولها بالتقديس والدعوات، أو يتصوره عددًا من الآلهة اثنين أو ثلاثة أو أكثر وهو في كل الأحوال يخلع على الآلهة تصوراته البشرية التي تنزل بالخالق إلى مستوى المثلية لخلقه سبحانه.

وسنرى فيه من الجانب السياسي مجتمعًا تتلاشى فيه شخصية الإنسان الفرد لتحل محلها شخصية الحاكم، أو شيخ القبيلة الذي يملك وحده التوجيه واتخاذ القرار وما على الجميع إلا السمع والطاعة، كما نرى في هذا المجتمع الامتهان الحاد للأنثى إلى الحد الذي كانت توأد معه .. كما تحدث القرآن.

ونرى فيه كذلك الانقسام الحاد للمجتمع إلى سادة، وهي الشريحة الأقلية الحاكمة والمتحكمة بعصبتها في المال والجاه والسلطان, وبين يديها عبيد لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا حتى أن يخلصوا بالهرب مما هم فيه.. وكان المجتمع الكبير خارج الخيرية العربية تتحكم فيه آنذاك قوتان عظيمتان هما الفرس والروم، قريب حالهما من أمريكا والاتحاد السوفيتي قبل انهيار الأخير.. ولم يكن للمستضعفين من الأفراد أو الكيانات المتناثرة أية حماية تحمي بها كبرياءها إلا أن تعاهد أو تحالف أو تدخل في جوار هاتين القوتين.

لا خلاص لنا إلا باستعادة دورنا المفقود

ولست أرى كبير فرق بين ما كان عليه حال العالم في ظل دولة الفرس والروم وبين ما كان عليه الحال في ظل القوتين العظميين, ثم في ظل أحادية القطب الذي تجلس على قمته اليوم الولايات المتحدة، حيث باتت الهيمنة الغربية والرؤية الغربية عقيدة وفكرًا واقتصادًا وأنماط الحياة هي النمط الذي يراد اليوم فرضه على العالم طوعًا أو كرهًا، وخاصة عالمنا الثالث الذي أغلبه من المسلمين والعرب.

  • ولكن يرى البعض أن تطبيق النموذج الغربي للحضارة, أو ما يطلقون عليه اليوم «العولمة» سيتم فرضه رغم أخطاره الجمة على الحضارات الإنسانية الأخرى.. ما رأيكم؟

- لو تم فرض هذا النموذج الاستعماري للحضارة الغربية - وهم يحاولون - فسيتعرض عالمنا العربي والإسلامي، بل العالم كله لمنكر أعظم ينتهي به حتمًا إلى الدمار، والضياع, حيث تدمر الهوية الثقافية لأنماط ولقيم الحضارة العربية المسلمة، وتمسخ الأخلاقيات والتقاليد والأعراف، كما تتحقق في ظل هذه الحقبة الطموحات والآمال الصهيونية بكل ما تحمل لنا من شر ومن عداء للأمة ودينها ورسولها الكريم صلى الله عليه وسلم .

لقد بزغت في الآفاق براكين هذا الفكر حيث امتدت يد «الخبرة الأمريكية» إلى مناهج بناء الإنسان وصياغة عقله وتحديد قبلته الثقافية غربًا إلى واشنطن ونيويورك ولندن وباريس وغيرها، بدل مكة والمدينة ودمشق وقرطبة والقاهرة، وتحركت أجهزة الإعلام وحملة الأقلام من أنصار هذا المد الغربي ليقوم الجميع بعمليات غسيل للعقل العربي والمسلم - خاصة شبابنا - وتنتزعه من جذوره وتشككه في الثوابت من القيم، وأيضًا في الشوامخ من الأحداث والرجال حتى يصلوا به إلى حالة من فقدان المناعة الإسلامية ويصبح كالريشة في مهب الريح تدفعه العاصفة الغازية بيسر كبير إلى الاتجاه المراد.

وما يجري في باب السياسة والإعلام يتم أبشع منه في أبواب الاقتصاد، حيث يتم قسرًا وغصبًا تهيئة اقتصادات العالم العربي والإسلامي حسب النمط الربوي الغربي، الذي يمتص به ما بقي من طاقتنا لتنتهي إلى مجرد سوق للاستهلاك والاستغلال، نعجز حتى عن القيام بتكاليفه فنسقط آخر الأمر في مصيدة الدين.

  • إذن كيف الخلاص والوضع ينذر بتدهور لا حد له ؟

  • لا خلاص لنا وللعالم إلا بابتعاث واستعادة الدور المفقود لخيرية هذه الأمة التي قدر لها أن تكون خير الناس بالشرط الذي حدده القرآن الكريم: ﴿بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).. إنه طوق نجاة الإنسانية التي توشك في ظل سيطرة الحضارة الغربية أو ما يطلق عليه «العولمة»... أن تهوي إلى أعماق الدمار والضياع.

ولا طوق نجاة إلا برسالة الإسلام بكل عطائه الحضاري الكبير الذي هو في جوهره أمر بمعروف ونهي عن منكر وإيمان صادق بالله.

ففي قضية المال يرفض الإسلام الربا بكل صوره القديمة والحديثة، وأن تتحكم طبقة الأغنياء في ثروة المجتمع، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ (الحشر: ٧).

أما تنمية المال فيتم عن طريق الإعمار وليس الإضرار كالمشاركة والمضاربة والمزارعة والمتاجرة والقرض الحسن،  ومع احترام الإسلام للملكية الخاصة  «ومن قتل دون ماله فهو شهيد»، فإن الإسلام قدر في المال الخاص المنفعة العامة، وأن يأتي المال من حلال وينفق في حلال.. وهذا ما يجب إبلاغه للعالم بالقدر المطلوب والمؤثر.

أما قضية الحرية: فهي قضية «عطاء» الإسلام فيها شامخ وعظيم، حيث جعل حرية الإنسان مرادفًا لحياته، ومن هذا المنظور نستطيع أن نقول: «أنت حي» يساوي في الإسلام «أنت حر», وهذا المعنى لخصه الفاروق عمر في مقولته الشهيرة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»؟ إن أي حديث عن الحرية في الشرق أو الغرب لا يمكن أن يرقى إلى بعض ما قدره الإسلام للإنسان في قضية الحرية.

وأنت ترى - والعالم كله يشهد - الامتهان المخيف لحقوق الإنسان في كل مكان.. في الشرق كما في الغرب.. ما الذي على الأمة الخيرة أن تفعل ؟.. وهل قامت تأمر بمعروف الحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان، وتنهى عن منكر جشع الظالمين والتمييز العنصري وغيرها من مصادر شقاء الإنسان؟ لقد قصرت أمة الإسلام في أداء واجبها القدري، وقصرت في إبلاغ جوهر العطاء الحضاري للإسلام للعالم.. وسوف نلقى الله وسيسألنا: ماذا قدمت للإسلام.. وبأي صورة قدمته للغير؟ 

ربما يقول قائل وهذا حق إن الجمعيات الخيرية الإسلامية تملأ الأرض - أرض المسلمين - فكيف لا نكون دعاة خيرية، وكيف لا نكون أهلًا للخيرية التي وصفنا بها الإسلام وقرآنه الكريم؟

أقول: إن كل ما تقوم به الجمعيات الخيرية هو خير .. لكن حصر أعمال الخير في الإغاثة والمساعدة لا يكفي .. لأن المهمة الدعوية - وهي الأهم - لا تقوم بها كما يجب.. فعلينا أن نعرض جوهر الإسلام العظيم للآخر وبصورته الحقيقية، وهنا سوف يغير موقفه منا ومن الإسلام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

140

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6