العنوان الروائي والمترجم الجزائري محمد ساري لـ "المجتمع": العولمة نموذج للحياة إذا أحسنت الشعوب استخدامه يمكن أن تعرف الرفاهية والتطور
الكاتب أنشراح سعدي
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2013
مشاهدات 77
نشر في العدد 2058
نشر في الصفحة 48
السبت 22-يونيو-2013
لن تخرج المجتمعات العربية والإسلامية من نفق الفتنة والتخلف والفقر إلا بانتهاج صحوة عميقة تحدث داخل المجتمع
محمد ساري، روائي ومترجم وأكاديمي جزائري، ترك بصمة في الحركة الثقافية الجزائرية، وسجل اسمه في وقت غابت فيه الأقلام بسبب الإرهاب بقطرات من الخوف حينا والصمود أحايين أخرى يتحدث لـ المجتمع» عن تجربته الإبداعية .
كيف يسعى الروائي العربي إلى التعايش مع
الخطاب السياسي؟
تقول الناقدة الفرنسية «مارت روبرت» إن كتابة الرواية تحتاج إلى جو من الحرية، ذلك أن الرواية تحكي عن الحياة بمختلف أبعادها الذاتية والاجتماعية والسياسية والتاريخية... إن لم توجد هذه الحرية فيضطر الروائي إلى تهجير نصه ونشره في بلد آخر، مثلما حدث مع «جيمس جويس» ونصه «أوليسيس»، أو كتاب «أمريكا اللاتينية» («ماركيز»، و«إيزبيل ألييندي» وغيرهما)، وكذا بعض كتاب العرب حيث ينشرون في لبنان أو في لندن وباريس هروبا من الرقابة والمصادرة. لذلك، فإن الروائي يجد نفسه دائماً في مواجهة مع الخطاب السياسي خاصة إذا كانت حكايته تدور حول أحداث عصره وتتوغل في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية.
أما فيما يخصني،
فإنني أشتغل دائماً في خطاب روائي يستثمر كثيرا الخطاب السياسي ابتداء من روايتي
الأولى على جبال الظهرة»؛ حيث انتقدت خطاب الثورة الزراعية الرسمي؛ بإظهار عيوبه
وثغراته على مستوى التطبيق ولكنني لا أستخدم الخطاب السياسي الفج؛ لأن هذا ليس دور
الرواية، وإنما أحكي قصة شخصيات تعيش حدثا اجتماعيا معينا، وأتوغل في
الحياة اليومية لأبين المواقف المتضادة. أنا ضد المواقف المانوية التي تؤمن بتضاد
الآراء بشكل مطلق؛ أي الأبيض يواجه الأسود، الخير يواجه الشرير، الثوري يواجه
الخائن... إلخ، الإنسان أعقد من هذا التصور النظري الخام، بداخل كل خير يوجد نصيب
من الشر، والعكس صحيح؛ بداخل كل مناضل ثوري توجد الأنانية وبذور التنازل، بل وحتى
الخيانة. يستطيع أي مناضل كبير تدمير مجده في لحظة ضعف أو استكبار أو سوء تقدير،
لذلك فحينما تحدثت عن فلاح يستفيد من قطعة أرض يفلحها في إطار الثورة الزراعية
توغلت في الوضعية الصعبة لهذه الإشكالية واستخرجت مواطن القوة والضعف في هذا
المشروع الكبير، باستقراء الواقع وتحريات ميدانية والاحتكاك بالأشخاص الذين يعيشون
وضعيات مماثلة في أماكن متفرقة.. كذلك فعلت مع رواية «الورم» التي كتبتها باللغتين
العربية والفرنسية مع تغييرات فنية ولغوية وبنيوية، بحيث تعرضت إلى ظاهرة الجماعات
الإسلامية المسلحة وصراعها مع السلطة السياسية والعسكرية في الجزائر، فتصورت صراعا
بين عناصر من المسلحين وعناصر من الأمن في قرية صغيرة، وكيف تتم المواجهة وما
أسبابها الذاتية والعامة وإفرازاتها السياسية والدينية والبسيكولوجية عند الأفراد
.. الفرد مهما كان مهيكلا في جماعة ومنضبطاً وخاضعا لها، إلا أن خصوصية شخصيته
وإفرازات طفولته وعائلته وأحداثاً خاصة به قد توجه مواقفه، فتجعلها لينة أو صلبة
قاسية، يتقبل الأمر ويخضع له أم يرفضه ويتمرد عليه.
النفس البشرية معقدة وليست سهلة القراءة، والرواية هي المجال الحيوي لقراءة هذه النفس ومحاولة فهمها بالشكل المطلوب، وأكبر مثال على ذلك روايات «دوستويفسكي» مثل الإخوة كارامازوف»، و«الجريمة والعقاب».
في زمن
العولمة والقرية الكوكبية والتقارب بين الشعوب، هل تعتقد أن هذا التقارب يتم
لفائدة الإنسان أم على حسابه؟
العولمة نموذج للحياة إذا أحسنت الشعوب استخدامه يمكن أن تعرف
الرفاهية والتطور، ذلك أن للعولمة بعدين قد يتناقضان ويتصادمان .. البعد الأول:
التكنولوجيا الزاحفة التي تعمل على تخفيف الثقل على الإنسان في ميادين العمل
والنقل والتواصل البشرى يستخدم العامل الآلة التي تخفف عنه الجهد وتقيه التعب،
ولكن التكنولوجيا من جهة أخرى تستبدل الإنسان العامل بالآلة، فيجد العامل نفسه
عاطلا؛ لأن صاحب المعمل ليس بحاجة إلى عضلاته القيادة أصبحت أتوماتيكية فماذا يفعل
السواق؟ يعودون إلى سياق الجمال والأحصنة؟ هذه مشكلة أولى التكنولوجيا خففت جهد
الإنسان ولكنها خلقت بطالة متفشية، وسائل الاتصال السمعي البصري تسهل حياة الإنسان
ولكنها من جهة أخرى قد تنقل ثقافة وأفكارا لا تناسب ثقافة وتقاليد جميع الشعوب.
وهنا أتحدث خاصة على الشعوب الإسلامية التي تتلقى أفكارا وأفلاما من الغرب تتناقض مع قيمها الأخلاقية.. ما العمل في هذه الحالة؟ هل ينعزل المجتمع الإسلامي عن بقية العالم؟ وهل يستطيع ذلك؟ المسألة غاية في التعقيد ؛ لذلك يجب تضافر الجهود لإيجاد صيغة توافقية بين إيجابيات العولمة والحفاظ على انسجام المجتمعات الإسلامية على قيمها وقناعاتها، وإلا ذابت الشعوب الضعيفة في ثقافة الشعوب المهيمنة؛ لأنها في موقف المتلقي السالب المستهلك دون إنتاج البديل، هذه هي العولمة إذا ، نعمة ونقمة في آن واحد، ككل شيء في هذه الحياة العلم أيضا نعمة إذا أحسن استعماله ونقمة إذا أسيء استخدامه. .
هل تعتقد أن الصحوة الإسلامية المعاصرة منهج للنقد الذاتي؟
من الشروط الأساسية لأي صحوة نقد الذات وإعادة النظر في الماضي بكل جوانبه بالأخص القواعد الفكرية والترسانة القانونية التي يعتمد عليها المجتمع المتدهور الذي هو في أمس الحاجة إلى صحوة للخروج من أزمته، أظن بأن العربة التي تقود المجتمع هي السلطة السياسية، فعليها بإرساء قواعد هذه الصحوة المرجوة، وإذا لم تفعل سيبادر المجتمع عبر جماعات سرية أو علنية بالعمل على التغيير، وهو ما يقع فعلا في المجتمع العربي والإسلامي عموما، بحيث تتسع دائرة التمرد ونشاط الجماعات الخارجة عن القانون، سواء منها السياسية أو جماعات منحرفة تمتهن السرقة والاعتداء. لهذا السبب أصبحت المدن العربية والإسلامية من أكثر مدن العالم يغيب فيها الأمن، برغم كثرة أعوان الأمن في شوارعها ... لماذا يضطر علماؤنا إلى الهجرة إلى أوروبا كي يعبروا عن أفكارهم الجديدة؟ لماذا لا يستطيعون فعل ذلك في بلدانهم ضمن حوار هادئ تتلقح فيه الأفكار ويستفيد منها المجتمع؟ الرهان صعب ومصيري، ولن تخرج المجتمعات العربية والإسلامية من نفق الفتنة والتخلف والفقر إلا بانتهاج صحوة عميقة تحدث داخل المجتمع ويشارك في بنائها جميع الأفراد دون استثناء بمختلف توجهاتهم الفكرية والأيديولوجية. .
هل
التحرر من عبودية الزمان والمكان في الرواية أمر ممكن؟
الرواية قائمة على السرد كعرض الحدث أو لمتوالية من الأحداث حقيقية أو خيالية وهذه الأحداث يجب أن تقع في زمن محدد فلا حدث بلا زمن لأن الفعل أصلا لا وجود له إلا إذا وقع في زمن الماضي والمضارع (الحاضر والمستقبل، كما يعتمد السرد على عرض للأشياء وللشخوص وهو ما نسميه بالوصف، أي عرض الحكاية في المكان، إذا لا حكاية دون سرد، ولا سرد دون حدث ولا حدث دون فعل ووصف؛ لذلك فتحرر الرواية من المكان والزمان أمر مستحيل، هذا في المطلق، أما إذا كنت تقصدين الزمان والمكان بإحالتهما إلى الراهن، فهذا ممكن بخلق عوالم متخيلة كلية، بحيث لا يربط بينها وبين الواقع إلا علاقات شديدة الغموض لا تدرك بسهولة. لقد كتب أو مبرطو إيكو» روايته «اسم الوردة وموقع أحداثها في دير مسيحي من القرون الوسطى، ويتحدث عن جريمة غريبة يعمل مفتش الكهنوت على اكتشاف المجرم، ولكن الرواية في العمق قراءة للعالم المعاصر ولصراع القيم، قيم الحرية وقيم القمع والرقابة، إنها طريقة يستخدمها الكتاب لاستثمار التاريخ وممارسة حرية فنية كبيرة في إيصال الرسالة التي يريدون التعبير عنها . .
يقولون فلان أشعر العرب بالقياس على ذلك.. من أحسن من يكتب الرواية في الوطن العربي؟
الرواية هي بحق ديوان العرب في العصر الراهن، مثلما كان
الشعر ديوانهم قديما انتشرت الرواية في جميع أقطار الوطن العربي ويصعب إخراج أفضل
رواية أو أفضل روائي تحضرني أسماء قرأت لها كثيرا مثل نجيب محفوظ، وعبد الرحمن
منيف وإبراهيم الكوني، وحنا مينا، وعز الدين التازي مجيد الربيعي، وعبد الحميد بن
هدوقة وجمال الغيطاني.. ولكن هناك نصوصا روائية كثيرة أشادت بها وسائل الإعلام ولم
أتشرف بقراءتها لأسباب عدة؛ أولها عدم توزيع هذه الروايات في الجزائر، ولكن يبقى
عبد الرحمن منيف في مدن الملح وأرض السواد أفضل كاتب عربي بالنسبة لي، إنها ملاحم
حقيقية غنية بالشخصيات والأحداث، تحكي تطورات منطقة الخليج عموما وانتقال المجتمع
العربي من البداوة إلى الحداثة والمعاصرة، وصراعه مع القوات المستعمرة أمام
الرواية العربية رهانات كبرى على المستويات الفنية واللغوية والحكائية وكيفية
قراءتها للمجتمعات العربية المضطربة، الرازحة تحت صراعات قاصمة.
كيف تقرأ
تجربتك الروائية وأنت تملك مفاتيح النقد ؟
في الأصل، يوجه النقد للقراء ليساعدهم على استكشاف النصوص الأدبية خاصة المستغلقة منها، ويمكن للكاتب أن يستفيد من النصوص الإبداعية ذاتها وتعامل المبدع مع المجتمع وحركيته، أما معيقات النقد التابع دوما للإبداع هو قيد حرية الكاتب لأنه يمنح له طريقة معلومة للكتابة ويصده عن التجريب والابتكار، أنا واع جدا بهذه المفارقة، لذلك لا أهتم كثيرا بالنقد وحدوده، بل أطلق سراح خيالي وموهبتي وتجربتي لعلها تصيد الجديد ولا تبقى حبيسة القوانين المكرسة المعروفة ... الإبداع فن يحتاج إلى جموح الخيال والانطلاق نحو الآفاق المجهولة ومتاهات التجريب غير مضمونة النتائج، بينما النقد علم يخضع لانضباط المناهج وقيد التصنيف والتعريف والوصول إلى نتائج صارمة ..