العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. الحلقة الخامسة
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
مشاهدات 58
نشر في العدد 744
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
▪ الإسلام بين اليمين واليسار
لقد ظهر في عصرنا ما يسمى باليمين واليسار والوسط، وهذه تسمية ترتبط بتاريخ أوروبا بصفة عامة وفرنسا بصفة خاصة، فقد كان أنصار الحكومة في المجلس النيابي يجلسون على اليمين، بينما يجلس المعارضون إلى يسار قاعة المجلس، ويظل آخرون بالوسط لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ثم أصبح اصطلاح اليمين يطلق على من يدافعون عن النظام القائم وهو في أوربا النظام الرأسمالي، وأصبح اصطلاح اليسار يطلق على المجموعة التي ترفض النظام القائم في أوربا وتطالب بالتحرر من استغلال الرأسمالية.
وهذه الأسماء الأوروبية في مصدرها وتاريخها لا وجود لها في تاريخ الإسلام، ولكن المنهزمين أمام التيارات الفكرية الوافدة من الشرق أو الغرب بدأوا يبحثون في القرآن الكريم عن آيات تؤيد مذاهبهم، فوجدنا من يدعي أن الإسلام نظام يساري لأنه يدعو إلى إبطال التقليد للماضي ويحرر المسلم من الاستغلال والاحتكار.
ووجدنا من يدعي أن الإسلام نظام يميني لأنه يحافظ على الملكية الفردية والحرية الاقتصادية ويستدل هؤلاء بقول الله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ (الواقعة: ٢٧)، كما وجدنا من يدعي أنه حد متوسط لأن الله يقول ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: ١٤٣).
وهؤلاء جميعًا لا يجهلون أن الإسلام أظهره الله قبل وجود اصطلاحات اليمين والوسط واليسار بقرون عديدة بلغت أربعة عشر قرنًا من الزمان، كما لا يجهل هؤلاء أن الإسلام وحده هو الذي شرع للبشرية نظامين للملكية هما الملكية الفردية، والملكية العامة، وحدد لكل نوع مجاله ووظيفته، ولا يجهل هؤلاء أن اليمين اسم يطلق على الرأسمالية واليسار اسم يطلق على الاشتراكية والإسلام يتميز عن النظامين العالميين بأنه من عند الله، فهو نظام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه تنزيل من حكيم حميد.
▪ الحرية الملكية في الإسلام
الملكية في الإسلام مرتبطة بالخضوع لله وأفراده بالعبودية في الشعائر والشرائع، فالأصل العام أن الملكية لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة:١٢٠).
وقد استخلف الله الناس في الأرض ليعمروها ويعبدوه فيها وسخر لهم ما في السماوات والأرض جميعًا منه، قال تعالى عن أول البشر ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠) وعن البشر قال: «واستخلفكم فيها»، أي أن الملكية لله، والإنسان مستخلف فيها، قال تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: ٧)، وقال: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِیۤ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ (النور: ٣٣) ومن هنا سن الله للملكية بهذه الصفة حدودًا توفق بين الغرائز الفطرية في الإنسان وبين المصالح العامة.
١- فحرية الشخص ليست مطلقة، بل في نطاق المصلحة العامة التي انفرد الله وحده بوضع ضوابطها حتى لا تصبح أداة في يد حفنة من الناس تتسلط على عباد الله فلا حرية للإنسان فيما حرمته الشريعة الإسلامية، ولا طاعة لحاكم إذا أحل ما حرمه الله، أو حرم ما أحله الله، ففي الحديث الشريف «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فمبدأ الحرية الفردية قائم ولكنه ليس مطلقًا كالرأسمالية بل محاط بسياج من الضمانات تعالج مفاسده فحرم الإسلام كل ما يتعارض مع العدالة والأخلاق من أوجه النشاط، ولم يترك للأفراد تحديد مقادير القيم والأخلاق حتى لا تصبح مطية للأهواء والنزعات.
٢- ومفاسد الملكية الفردية عالجها الإسلام في إطار حقيقة الإنسان التي تجمع بين العقل والغرائز، فكان لا بد من التوفيق بين الطبيعتين، وليس أقدر على ذلك من خالقها، ومن هنا لم يحترم الإسلام جشع المالكين كما فعلت الرأسمالية التي تغذي الأنانية فيهم، ولهذا حرم الله الاستغلال والاحتكار والربا وغير ذلك من الآفات والرذائل التي تغذيها الغرائز الفردية، وهذه المحرمات عاقب الله عليها في الآخرة بالعذاب المقيم وفي الدنيا بمنعها جبرًا.
والإسلام في علاجه للغرائز وجهها التوجيه السليم ولم يثر فيها عوامل الحقد والأنانية كما تفعل الماركسية، بل وجه المال إلى الوظيفة الاجتماعية في أسلوب اختياري ينبع من المشاعر في إطار من الأخوة الإنسانية، قال تعالى: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِیۤ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ (النور: ٣٣) وفي الحديث الشريف «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم».
٣- جعل الإسلام المصلحة العامة وحقوق المجتمع فرضًا وحقًا ثابتًا لا منة ولا منحة كما في النظام الرأسمالي، ففي وصف الله للمؤمنين يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ (المعارج: ٢٤).
٤- والعدالة المطلقة في توزيع الثروة مبدأ رباني لقول الله تعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (الحشر: ٧)، كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.
٥- أقام الإسلام مبدأ الملكية للمنافع العامة وجعل حق هذه الملكية للدولة.
٦- كفل الإسلام إشراف الحاكم المسلم على أوجه النشاط العام حتى لا توجه هذا النشاط إلى المحرم، القلة المتسلطة التي تثير الغرائز الفردية من جشع واحتكار وغين.
ولم يترك الله أمر تحديد مفاهيم المصلحة العامة للحاكم والمحكومين، بل حددها وأمر بالاحتكام لنظام الله عند الاختلاف، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: ٥٩).
فليس للحاكم أن يفرض مفهومًا ما للمصلحة العامة. بل يقف مع المحكوم على قدم المساواة في الاحتكام إلى منهج الله وكما قال سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (الإسراء: 35).
إنه لمن أسباب الأسى أن نجد أسماء إسلامية تعرف هذه الحقيقة عن الإسلام وأنه نظام رباني لا شرقي ولا غربي، ومع هذا يكتبون كتبًا ومقالات باسم الصراع بين اليمين واليسار في الإسلام، والأدهى من ذلك أن يدعي أحمد عباس صالح أن رسول -الله صلى الله عليه وسلم- هو زعيم اليسار وواضع مبادئه الأساسية، ثم يصنف صحابة رسول الله إلى يمين ويسار ووسط فيقول: «وكما يحدث في أي ثورة فإننا نجد في الطليعة المؤمنة بالدين الجديد ثلاثة تيارات، أحدها يساري ثوري، والثاني وسط معتدل، والثالث يمين محافظ».
ولما كانت المصادر التاريخية تثبت أن هذه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان فإن الكاتب اليساري يقول عنها «إنها للأسف لا تحاول أن تتعمق أسباب الصراع إلى أبعد من المظاهر الدينية، ولكنها على كل حال تقدم لنا المادة التي نستطيع منها أن نضع أيدينا على الأسباب المادية في الصراع ضد الإسلام» ص41.
ثم يتابع الكاتب المسلم طعناته في الإسلام فيقول عن رسول الله وصحابته: «أراد اليسار أن يهادن اليمين وكذلك أراد اليمين أن يهادن اليسار، واستسلم عتاة رجال المال والطامعون في السلطة للقوة الجديدة، ورأوا أن التسلل إلى السلطة هو الطريق الأصوب والأسهل» ص43.
كما يزعم الكاتب أن أصحاب المال من الصحابة هم اليمين ويقول عنهم: «وهكذا انخرطوا في الدين الجديد بكل ثقلهم مكتفين من الإسلام بعباداته» ثم يقول الكاتب المسلم «قبل النبي إسلامهم، بل مضى في مجاملتهم إلى حد بعيد حتى يؤلف قلوبهم ويكتسبهم ظاهرًا وباطنًا».
ويعلم الكاتب اليساري أن الله تعالى قد أنزل على نبيه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ﴾ (الكهف: 29)، كما أنزل عليه: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: 8- 9).
ولا يجهل الكاتب أن النبي لم يقبل إسلام من أراد الالتزام بالشعائر التعبدية فقط وقال له: «ولا جهاد ولا صدقة، فيم إذا تدخل الجنة».
كما لا يجهل الكاتب ومن سخره لمثل هذه الطعون المتآمرة أن أصحاب الأموال من صحابة رسول الله وضعوا أموالهم لنصرة الإسلام وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ولم يقتصروا في الإسلام على العبادات كما يزعم الكاتب، قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: 5).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل