; الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. الإسلام والتفسير المادي للتاريخ (الحلقة السادسة عشرة) | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار.. الإسلام والتفسير المادي للتاريخ (الحلقة السادسة عشرة)

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 18-فبراير-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 755

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 18-فبراير-1986

  • أصدق المصادر التاريخية تثبت أن رسالة الإسلام إلى النبي الكريم لم تكن وليدة انفعال بين النبي والمجتمع لأنها وحي من الله.
  • النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقدم وعودًا لأحد بتحسين وضعه الاجتماعي أو رفع الظلم والعذاب عنه.
  • تجاهل خدم الماركسية الحقائق التاريخية وزعموا أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية هي التي دفعت المستضعفين للدخول في الإسلام.

إن الفلسفة الأوروبية الخاطئة لأحداث التاريخ، لم تكن وحدها المؤثر على كتابة التاريخ الإسلامي وعلى تفسير أحداثه.

فالمادية الجدلية التي ابتدعها كارل ماركس قد أثرت في تفكير بعض الكتاب، فحاول أن يفسر انتصار الإسلام وأحداثه التاريخية تفسيرًا ماديًّا، لقد تبنى ذلك مونتجمري وات في كتابه محمد في مكة، ومحمد في المدينة، بل لقد افترى أيضًا على الإسلام والتاريخ الإسلامي في عدة أمور منها:

  1. زعم أن صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان لديهم سبع زوجات أو أكثر فلا يوجد حد أقصى لعدد الزوجات، وادعى أن القرآن لم يضع حدًّا لذلك، وهو لا يجهل أن القرآن قد وضع حدًّا أقصى لتعدد الزوجات في قوله تعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ  (النساء:3)، كما أنه لا يجهل أنه لا يوجد في أي مصدر تاريخي أن صحابة رسول الله قد خالفوا هذا النص القرآني الكريم.
  2.  وزعم أن أحداث التاريخ والسير في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- تكشف عن أن النساء كان لهن أكثر من زوج، وهذا لم يقله أحد في القديم أو الحديث حتى ولم يقله أشهر الناس كذبًا وافتراء.

ج- وزعم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان له علاقة بنساء أخريات غير أزواجه، وحسب كل إنسان شريف أن يجيب على هذا بقول الله تعالى: ﴿ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا (الكهف:5).

  1. وزعم أن البخاري في الصفحة السابعة والستين قد روى إباحة النبي لزواج الشغار، وحسب كل باحث شريف أن هذه الصفحة فيها: لقد نهى النبي عن الشغار، وهو أن يزوج لرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق.

هـ- وأخيرًا فإن هذا الكتاب قد ابتدع تفسيرًا لرسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- فزعم أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي الدافع إلى هذه الحركة الدينية، وهي الدافع إلى استجابة الجماهير لها.

إن هذا التفسير المادي لرسالة الإسلام وللتاريخ الإسلامي والذي ابتدعه مونتجمري وات، قد تبناه بعض الكتاب العرب، أولهم طه حسين في كتابه الفتنة الكبرى الذي ظهر في الخمسينيات، ثم تأثر به عبد الرحمن الشرقاوي في كتابه محمد رسول الحرية الذي ظهر في الستينيات، ثم ظهر أحمد عباس صالح في مقالات له بمجلة الكاتب في يناير سنة 1965 بالقاهرة، وزعم أن صراعًا نشب بين ما أسماء اليمين واليسار في صدر الإسلام.

لقد تجاهل هؤلاء جميعًا أن تفسير الوقائع التاريخية إن جاء مخالفًا لهذه الوقائع ومتعارضًا معها، خرج عن كونه تفسيرًا لها وأصبح افتراء عليها وكذبًا صريحًا يستطيع كل إنسان أن يكشفه ويعلم زيفه وبطلانه.

إن أصدق المصادر التاريخية تثبت أن رسالة الإسلام إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- لم تكن وليدة انفعال بين النبي والمجتمع لأنها وحي من الله بدأ بقوله عز وجل لنبيه: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَم (العلق:1-5).

إن المنهج الإسلامي للحياة الإنسانية لم يكن رد فعل لعوامل اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، بل كان وحيًا من الله يخضع لتشريعه الغني والفقير والحاكم والمحكوم والأبيض والأسود والعربي والعجمي، قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ  (المائدة:49)، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ  (الأحزاب:36).

وقال تعالى عن حقيقة هذا المنهج: ﴿قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ  (المائدة:15-16).

فرسالة الإسلام إلى الناس وحي من الله إلى نبيه والقول بأنها تأثرت بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كرد فعل لها ينطوي على خبث والتواء يوحي بأن هذا الدين ليس وحيًا من الله بل هو مجرد محاولة إصلاحية من محمد كبشر مصلح وليس كرسول من الله.

وهذا القول بهذه الصورة ليس تفسيرًا لمصادر تاريخية لأن أشرف المصادر وأصدقها هو القرآن الذي أخبر عن الوقائع الحقيقة وهي قول الله تعالى عن القرآن والرسالة والرسول: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (الشورى:52).

لما كان ذلك فرسالة الله لا الحرية هي التي حركته وبعثته للعرب من الله الخالق رب العالمين، ومع هذا تنطلي هذه الافتراءات على المسلمين، الأمر الذي تكشف عنه هذه الأبحاث من خلال الوثائق والوقائع وبعيدًا عن زخرف القول وعن التبعية لما يسمى باليمين واليسار فهما ﴿سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ (القصص: 48)

افتراءات المذهب المادي للتاريخ

إن أتباع المذهب المادي وخدامه يزعمون أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما اتبعوه ليخلصهم من المظالم التي تطاردهم، وليهنأوا برغد العيش في ظل الحكم الجديد، وهؤلاء لا يجهلون أنه لا يخلو مصدر من المصادر التاريخية من بيان موقف الرواد الأوائل لهذا الدين، إنهم لم يدخلوا هذا الدين ابتغاء مغنم في الدنيا أو لرفع ظلم السادة لهم، لأنهم يعلمون تمامًا أن دخولهم في هذا الدين لن يرفع عنهم الأغلال الدنيوية ولن يمنحهم المال أو الجاه أو السلطان.

فالقرآن الكريم يعلن أن أتباع هذا الدين لا بد أن يفتدوه بأموالهم وأنفسهم، قال الله تعالى: ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ (آل عمران:186)، وقال عز وجل: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ (البقرة:155).

لهذا عندما أسلم بلال بن رباح صب عليه سيده أمية بن خلف كل أنواع العذاب بما في ذلك وضع الصخرة الكبيرة على صدره، وتركه فوق الرمال الملتهبة في الظهيرة مع ضربه بالسياط بمعرفة حراس غلاظ شداد لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلًا.

كما أن المصادر التاريخية تعلن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقدم وعودًا لأحد بتحسين وضعه الاجتماعي أو رفع الظلم والعذاب عنه، وفي هذا يقول خباب بن الأرت «شكونا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ومشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمّن الله تعالى هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت، فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».

إن النبي الذي طلب منهم الصبر على البلاء لأنه سنة الدعوات، قد أعلن لهم بكل الثقة في الله أن الله سينصر دينه، وسيحكم الإسلام أرض الجزيرة بل ومن صنعاء إلى حضر موت، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يضمن للمستضعفين أن هذا النصر سيتم على أيديهم، ولم يقدم وعودًا لأحد منهم بجني ثمار صبره في هذه الدنيا، ذلك لأن المسلم لا يبتغي بإسلامه إلا نصرة دينه وطاعة ربه والجزاء الذي وعده الله به وهو الجنة في الحياة الآخرة، وليس الفوز بشيء في الدنيا، قد يأتي هذا النصر، وقد يتأخر ليجني ثماره أجيال أخرى كما حدث لأصحاب الأخدود، فقد أدخلوا نار الدنيا وحرقوا عن آخرهم، والسبب الذي رواه القرآن الكريم هو قول الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ (البروج:8)، والعقاب الذي توعد الله به الظالمين هو قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ (البروج:10).

لقد تجاهل خدم الماركسية هذه الحقائق التاريخية، وزعموا أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية هي التي دفعت هؤلاء المستضعفين للانضمام إلى جماعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تجاهلوا أن الإسلام قد اعتنقه أغنياء وفقراء، وتجاهلوا أنه خلال ثلاثة عشر عامًا، لم يكن رد العدوان بالقتال العام مأمورًا به، ولم تنزل التشريعات الاجتماعية والاقتصادية، فهذه لم ينزلها الله في فترة المجتمع المكي قبل الهجرة، بل نزل بها القرآن وفصلتها السنة بعد قيام الدولة في المدينة، ومن ثم فإلغاء الربا وفرض الزكاة وكفالة حقوق الفقراء في مواجهة الأغنياء، كلها تشريعات مدنية ولم يثبت في أي مصدر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- انشغل بها في بدء الدعوة ولا خلال الفترة المكية ليؤمن من شاء ابتغاء الجهاد والتضحية لا غير.

بل إن أبسط الحقوق الإنسانية وهي رد الأذى والعدوان بالقتال، أمر الله المسلمين بالامتناع عنه في الفترة المكية، ولهذا زجر التشريع أولئك الذين استغلوا هذا النهي ولم يردوا العدوان، قال تعالى: ﴿ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا  (النساء:77).

الرابط المختصر :