; الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار حول اليسار الإسلامي (الحلقة السابعة عشرة) | مجلة المجتمع

العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار حول اليسار الإسلامي (الحلقة السابعة عشرة)

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 756

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 25-فبراير-1986

استخدم بعض الكتاب اصطلاح اليسار الإسلامي متأولين أنه الموقف الرافض للانحراف، وتناسوا أنه مصطلح له دلالات هي:

١- اليسار السياسي والاجتماعي:

إن اصطلاح اليسار واليمين قد كان في بدايته اصطلاحًا سياسيًا، فقد نتج عن الثورة الفرنسية أن انعقدت الجمعية التشريعية في أول أكتوبر ۱۷۹۱م لتنفيذ الدستور، وحماية نتائج الثورة ومكاسبها، وقد انقسم أعضاؤها إلى يسار ويمين ووسط([1]):

أ- فكان اليسار يضم أنصار اليعاقبة الذين ينقمون على الدستور اعتداله في عرفهم، ونادوا بالجمهورية، وإلغاء طبقة الإقطاع.

ب- وكان حزب اليمين من أنصار جماعة الغويان الذين يعضدون الدستور

ويحافظون عليه.

ج- وكان حزب الوسط ويشمل الذين غلب عليهم طابع الحذر والتردد، فليسوا من أنصار اليمين أو اليسار.

2- اليسار الاعتقادي:

إذا كانت الثورة الفرنسية واليسار السياسي هما رد الفعل السياسي والاجتماعي لمظالم رجال الدين وأمراء الإقطاع في أوروبا، فإن رد الفعل الاعتقادي قد تمثل في الآتي:

أ - حركة الإصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر في القرن الخامس عشر، فكافح تعاليم البابوية، وسماها تعاليم الشيطان، وطالب بإلغاء سلطة البابا وصكوك الغفران والحرمان.

ب- ظهر «فيشته» في القرن الثامن عشر، وطالب باستقلال العقل وسيادته على النفس والعالم الخارجي عنه، وقال بالنقيض في مجال التصور الذهني، وذلك بإدراك قيمة العقل واستقلاله وحريته.

ج- ومع بداية القرن التاسع عشر ظهر «هيجل»، واستخدم مبدأ النقيض في مجال الفكرة، فادعى أن خلق العالم يرجع إلى فكرة اسمها «العقل المطلق»، فالله في نظره فكرة مطلقة أو عقل مطلق، ونقيض ذلك العقل المقيد، وهي الطبيعة التي هي ضد العقل المطلق؛ فهي مقيدة ومحدودة.

فالله عند هيجل لم يخلق الطبيعة، بل يحمل في ذاته نقيضه، لذلك كانت الطبيعة ضرورية وصدفة، وليس فيها حرية اختيار، والدولة هي صورة من صور العقل المجردة التي تمثل الإرادة العاقلة الإلهية، ولهذا كان هيجل يدعو إلى طاعة الدولة طاعة عمياء فسمي بفيلسوف البلاط، ومن ثم ظهر المذهب الوضعي الذي دعا إليه «كومت»، ويرفض سيادة الدين أو العقل، ويميل إلى سيادة الطبيعة على الدين والعقل الذي لا يعترف إلا بما جاء عن التجارب الحسية، وادعى (كونت ) أن ما وراء الطبيعة «الله والوحي والدين» هو وهم وسراب.

د- ثم جاء كارل ماركس بعد هذه المراحل وبعد تكتل القوى ضد الدين الكنسي، وضد الإقطاع؛ فاستخدم مبدأ النقيض في مجال الاقتصاد، ودعا إلى الفلسفة المادية التي تستخدم جدلية هيج، ولكنه أدعى أنها كانت مقلوبة فعدلها، فهيجل يقول: إن العقل أساس الخلق، بینما ماركس يقول إن المادة خالقة العقل، وينكر وجود الله تمامًا.

هـ - وكان من أثر الثورة الفرنسية ۱۷۸۹ م

قيام النظام الرأسمالي الذي رفع شعار الحرية، وفصل الدين عن الدولة، وعبارة آدم سميث هي: «دعه يعمل- دعه يسير» وبالتالي سيطر رأس المال على الأخلاق، وعلى مقدرات البشر، وتحكم كالماركسية في حاضرهم ومستقبلهم، وأصبحت المنفعة هي الضابط الذي يتحكم في الإنسان.

٣- اليسار الاقتصادي:

ليس صحيحًا ما قيل أن اليسار هو موقف عام لا يتضمن غير المعارضة الجذرية لوضع قائم فاسد.

فاليسار السياسي في ماضيه يمثل المعارضة للإقطاع الرأسمالي في فرنسا، وفي حاضره يمثل المعارضة للرأسمالية، فالجانب الاقتصادي هو المحور الأساسي لليسار، وليس صحيحًا أن جميع اليساريين ماركسيون، فهناك يساريون يصلون و يصومون، و ينكرون موقف ماركس من الأديان، وإن كان اليسار الاقتصادي قد خرج من معطف الماركسية.

والماركسية تتبنى ما تسميه بالمادية الجدلية التي ترجع الأحداث التاريخية وتطور المجتمعات إلى الجانب الاقتصادي وحده، وفي ذلك قال أنجلز: «إن الأسباب المباشرة والنهائية للتطورات الاجتماعية والثورات السياسية ليس مردها إلى تفكير الأفراد وتعمقهم في البحث عن الحق والعدالة، وإنما مردها إلى تلك التغيرات التي تطرأ على نظام الإنتاج والاستبدال) ([2])، وكارل ماركس يقسم العصور التي يمر بها التاريخ الإنساني كله كحتمية تاريخية إلى:

١- العصر البدائي: ويقول: إنه يخلو من التناقض لانعدام الملكية.

٢- العصر العبودي: وفيه تظهر طبقة الأسياد وطبقة العبيد تبعًا للملكية الزراعية.

٣- العصر الإقطاعي: وفيه تتطور العلاقة بين الأسياد والعبيد، فيسمح بتملك العبيد أجزاء محدودة من الأرض.

٤- عصر البرجوازية: وهو نهاية التناقض بين الأسياد والعبيد وظهور طبقة البرجوازية التي نشأت من تحول الإنتاج من الزراعة والتجارة، ثم الصناعة مما يمهد لعصر الرأسمالية. 

٥- عصر الرأسمالية: وهو عصر سيطرة رأس المال وسيادته، وفيها يظهر التناقض بين العمال والرأسماليين.

٦- عصر الاشتراكية: وهي مرحلة تمهيدية تسبق ظهور عصر الشيوعية، حيث يشتد الصراع بين الرأسماليين والعمال.

٧- عصر الشيوعية: وفيها تنتهي جميع أشكال التناقض، وتستقر البشرية تحت حكم طبقة البروليتاريا «جوهر خطأ الماركسية».

غير أن تكهنات ماركس التي ظن أنها حتمية تاريخية لم تتحقق، فإن كان الفساد والظلم الاجتماعي في المجتمع الرأسمالي مؤديًا إلى التغيير، فليس صحيحًا أن هذا التحول يكون حتمًا إلى الشيوعية، وإذا كان التناقض في المجتمع الرأسمالي هو من أسباب تخلفه وفساده، فإنه من التضليل أن يصبح التناقض في المجتمع الاشتراكي هو من سمات تقدم هذا المجتمع.

([1]) تاريخ القرن التاسع عشر المحمد قاسم وحسين حسني ص ١٨ ط مصر سنة ١٩٤٩.

([2]) نقلًا عن المسلمين في لعبة اليسار واليمين لنور الإسلام ص ٧٥ مطبعة التقدم بمصر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

138

الثلاثاء 21-أبريل-1970

مع القراء - العدد 6