العنوان الغليان الذي يتفاعل في مصر بسبب الحملة على الإسلاميين
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1985
مشاهدات 134
نشر في العدد 724
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 09-يوليو-1985
في القاهرة: رفض المسيرة الخضراء والتحذير من المظاهرات!
وفي الإسكندرية: مؤتمر إسلامي يندد بموقف الحكومة!
الآلاف من الجماهير المسلمة غاضبة على موقف الرئيس المصري وحكومته من المساجد وروادها الأطهار في مصر. فقد قررت الحكومة يوم الجمعة الماضي منع الشيخ حافظ سلامة (٦٠) عامًا بطل المقاومة الشعبية في السويس عام ١٩٧٣ من الخطبة على منبر مسجد النور الشهير في القاهرة، وعينت بديًلا عنه. لكن جماهير المصلين الذين يحضرون خطبة الجمعة في هذا المسجد منعت الخطيب الذي عينته الحكومة من الخطبة، فكان يؤدي الخطبة الشيخ الشاب عبد الله السماوي الذي كان معتقلًا سابقًا. وقد أعلن الشيخ حافظ سلامة عقب الخطبة أن مسيرة تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية سوف تنطلق يوم (۱۱) يوليو الحالي في ميدان عابدين، وكان الشباب في المسجد يهتفون:
فليعد للدين مجده....
.... أو تُرق منا الدماء
وقد نفى الشيخ حافظ سلامة في كلمته بعد خطبة السماوي أن يكون وجماعته من الإرهابيين وقال: نحن أحرص ما مكون على سلامة هذا البلد، إن ما نحن فيه لا مخرج لنا منه إلا بتطبيق الشريعة، إن ما نحن فيه لو اجتمعت أمريكا وفرنسا وروسيا لتخرجنا منه فإنها لن تستطيع.
إن المدن المصرية تعيش اليوم حالة غليان رافض لإجراءات السلطة التعسفية التي ما زالت تعتقل الأبرياء وتزج بهم في السجون. وإليك أخي القارئ تقريرًا عن مواقف السلطة بعامة في مصر الشقيقة.
حالة الطوارئ القصوى التي أُعلنت بين صفوف القوات المسلحة والشرطة، عشية الإعلان عن خروج «مسيرة خضراء» سلمية تجوب شوارع القاهرة إلى قصر رئيس الجمهورية؛ للإعراب عن سخطها واستيائها من موقف الحكومة ومجلس الشعب من قضية تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر. كانت هذه الحالة تعبيرًا عن حالة التوتر والفزع التي سادت الأوساط الأمنية والسياسية، فرغم الإعلان عن أن المسيرة الجماهيرية التي تخرج من مسجد النور بميدان العباسية بالقاهرة إلى قصر الرئاسة أنها مسيرة سلمية ليس لها هدف إلا إبلاغ الرئيس أن الإسلاميين في مصر مستاؤون من الموقف المعاند لتطبيق الشريعة والذي وقفته الحكومة ومجلس الشعب، ورغم إخطار الشيخ سلامة أجهزة الأمن بالمسيرة وأنه مسؤول عنها، إلا أن الموقف الذي اتخذته الحكومة من خروج المسيرة كان يتسم بالعصبية والتوتر، وقبل موعد المسيرة الجماهيرية بأسبوع التقى رئيس الجمهورية بكل من وزيري الدفاع والداخلية، وعقب ذلك أصدرت وزارة الداخلية أكثر من بيان نشرته الصحف الحكومية المسماة بالقومية، وأكدت البيانات أن وزارة الداخلية لن تسمح بخروج المسيرات في الشوارع والتي تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية؛ بحجة أن الحكومة لا تستطيع التدخل في أمر معروض على نواب الشعب في مجلس الشعب، وأن رئيس الجمهورية لا يمكنه كذلك أن يفعل أي شيء في هذا الموضوع وأن الأمر متروك لنواب الشعب!
والبداية حدثت في أعقاب جلسة مجلس الشعب التي جرت يوم مايو الماضي، واستطاعت فيها الحكومة عن طريق نوابها ورئيس المجلس الذي عينه رئيس الجمهورية إجهاض هذا المبدأ ،مما أثار الاستياء داخل صفوف الشعب والحركة الإسلامية، واتجه نواب الإخوان المسلمين إلى مسجد النور بالقاهرة ليعقدوا مؤتمرًا إسلاميًّا جماهيريًّا يعلنون فيه سخطهم واستياءهم من موقف الحكومة من هذه القضية، وعقب المؤتمر أعلن الشيخ حافظ سلامة عن الدعوة لخروج مسيرة سلمية تتجه إلى قصر الرئاسة للتعبير عن مشاعر الاستياء ضد الحكومة، ورفض نواب الإخوان خروج المسيرة وكان رأيهم أن هناك أعضاء في مجلس الشعب يمثلون الحركة الإسلامية يطالبون بتطبيق الشريعة، ويحاولون وضع هذا المطلب الشعبي موضع التنفيذ، وقد ساروا قدمًا في هذا الطريق. وكذلك فإن الدعوة لخروج مسيرة قد تستغل في غير ما يراد لها، وخاصة أن الفكر الإسلامي الآن على أرض مصر فكر له أصالته وله شعبيته، ولا يوجد رأي عام يفوق الرأي العام الإسلامي الآن. إذًا فخروج مسيرة في هذه الظروف القلقة التي تحيط بمصر وبالعالم الإسلامي لا يمكن ضمان سلامتها ولا سلامة من يسير فيها. وكان هناك رأي آخر يقول إنه لا بد من إعطاء الحكومة والمجلس فرصة أخرى على أن يتم البدء فورًا.
«إصرار على خروج المسيرة»
ولكن الشيخ حافظ سلامة وهو أحد القيادات الإسلامية المستقلة التي لا تعبر عن جماعة إسلامية بعينها أي ليست وراءه أعداد منظمة، كان يرى أن المسيرة لن تتعدى مجرد التعبير عن إظهار وجهة النظر الشعبية المتمثلة في الشباب المسلم والمطالبة بضرورة العمل على سرعة تطبيق الشريعة الإسلامية، وجرت مفاوضات بين مسؤولي الأمن والشيخ حافظ سلامة أصر فيها الأخير على خروج المسيرة، وهنا وعده المسؤولون بأن هناك «أخبارًا سارة»! ستعلن في خلال شهر «يونيو»، وعندئذ قرر الشيخ حافظ إرجاء موعد المسيرة إلى ٢٦ رمضان الموافق الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك لإعطاء مهلة للمسؤولين للاستجابة لهدف المسيرة، غير أنه حتى حلول الموعد المحدد لقيام المسيرة لم يكن هناك جديد في الموقف، ونشرت جريدة النور الإسلامية الأسبوعية قبل موعد المسيرة بيومين تأييد مفتي الجمهورية لخروج المسيرة بشرط حمايتها من اندساس بعض العناصر التي تسيء إليها، وكذلك عدم احتكاك أفرادها بأي منشآت أو أفراد. وفي صبيحة اليوم التالي حملت الصحف الحكومية رأيًا معاكسًا للرأي الذي سبق أن أعلنه المفتي، حيث قالت على لسانه إنه يرفض خروج المسيرة لاعتبارات الأمن التي تمر بها البلاد، أي أنه على مدى أربع وعشرين ساعة غير المفتي رأيه، وكان الواضح أنه غير رأيه بناء على ضغط أجهزة الأمن ووزارة الداخلية.
«القبض على ۲۰۰ شخص»
وقبل الموعد المحدد لخروج المسيرة، قامت أجهزة الأمن ومباحث أمن الدولة بحملة للقبض على بعض الأفراد الذين ظنت أن لهم اليد الطولى في المسيرة، وألقت القبض على نحو ۲۰۰ شخص قبل خروجها بثمان وأربعين ساعة. واستمر اعتقال هؤلاء إلى ضحى يوم عيد الفطر المبارك لمنعهم من الاشتراك في المسيرة أو الدعوة إلى مسيرة أخرى تخرج عقب صلاة العيد في الخلاء.
«رفض المسيرة والصلاة في الخلاء»
وفي يوم الجمعة ٢٦ رمضان لم تخرج «المسيرة الخضراء» للدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر، فقد أحاطت قوات الأمن المركزي وقوات الجيش «من فرعي الصاعقة والمظلات» بمسجد النور المقرر خروج المسيرة منه، واحتشدت منذ الصباح الباكر فرق الأمن في صفوف متراصة بلغ عددها ما يقارب عدد المصلين في مسجد النور الذين كانوا ينوون الخروج في مسيرة، وكانوا نحو عشرة آلاف شخص. والوضع هكذا أعلن الشيخ حافظ سلامة -الذي دعا إلى المسيرة- عن تأجيل المسيرة للمرة الثانية حتى يفصل القضاء -وكان قد رفع الأمر إليه للحصول على حكم بخروج المسيرة وهو ما رفضه القضاء- في الدعوة المرفوعة، ودعا المصلين إلى مغادرة المسجد بهدوء حتى لا يحدث أي احتكاك بين المصلين وجنود الشرطة، قائلًا لهم: إنهم إخوانكم، ويجب أن نخاف عليهم، فهم مسلمون وهم أهلونا.
ومر يوم الجمعة الأخيرة في رمضان بسلام بعد أن ساد التوتر الأسبوع الذي سبقه. وقبل العيد بأيام انتشرت ملصقات تحمل اللون الأخضر في شوارع القاهرة والجيزة تحمل اسم الجماعة الإسلامية وتدعو المسلمين إلى صلاة عيد الفطر في ميدان عابدين، كما كان متبعًا قبل اغتيال الرئيس السادات، وساد التوتر ثانية بين الحركة الإسلامية وبين أجهزة الأمن التي فوجئت -على ما يبدو- بالانتشار الواسع والضخم لتلك الملصقات، وعلمت «المجتمع» أن هناك مفاوضات قد جرت بين ممثلي الجماعات الإسلامية التي يتزعمها عصام العريان ود. عبد المنعم أبو الفتوح ود. حلمي الجزار، وبين مسؤول كبير بجهاز مباحث أمن الدولة بهدف منع صلاة العيد في ميدان عابدين، وبعد جهود مكثفة بين الطرفين تم الاتفاق على الصلاة في مسجد السيدة زينب بالقاهرة بدلًا من ميدان عابدين.
وقامت قوات الأمن المركزي بطلاء الملصقات التي تدعو لصلاة العيد في ميدان عابدين باللون الأخضر حتى لا يقرأها أحد. ولكن هيهات، فقد تم ذلك بعد أربعة أيام من ظهورها في الشوارع، وتوجه المسلمون صبيحة يوم العيد للصلاة في میدان عابدين وفوجئوا بالميدان وقد غطته المياه ولا يزال السرادق المقام لقراءة القرآن في شهر رمضان على حاله، وانتشرت عربات الأمن المركزى والعربات المحملة بالقنابل المسيلة للدموع في أرجاء الميدان الفسيح الذي يمكنه حمل أكثر من نصف مليون مواطن. وأقيمت الصلاة بالفعل أمام مسجد جمعية أنصار السنة المحمدية بشارع قولة المطل على ميدان عابدين. وقد ظهرت صحف الصباح يوم عيد الفطر تناشد المسلمين -في بيان لوزارة الداخلية- عدم الصلاة في الخلاء داخل المدن خوفًا من تجمع المسيرات الجماهيرية الهادرة، وانتشرت في أنحاء العاصمة مئات من عربات الأمن المركزي التي تحمل الجنود المحملين بالعصِي والهراوات والقنابل المسيلة للدموع.
«حملة رسمية ضد الإسلاميين»
وأعقب كل ذلك تحذيرات رسمية على مستوى عال لكل من يدعو للخروج في مسيرة أيًّا كان هدفها، وتكاد تحتل وزارة الداخلية بصفة يومية جزءًا من الصفحة الأولى للصحف الحكومية في مصر للتحذير من الخروج في مسيرات «ومحاولة فرض الرأي بالقوة والإرهاب»، «ومحاولة التستر خلف الدين لأغراض خاصة»!
- الشيخ حافظ سلامة: المسيرة لن تتعدى مجرد التعبير عن إظهار وجهة النظر الشعبية المتمثلة في الشباب المسلم، والمطالبة بضرورة العمل على سرعة تطبيق الشريعة الإسلامية.
حتى إن رئيس الجمهورية قد أفرد جانبًا كبيرًا في خطابه أمام مؤتمر المحافظين والحكم المحلي لما أسماه بالممارسات التي تحاول عرقلة الديمقراطية أو التي تهدد سلامة واستقرار المجتمع، وحذر من استمرار العدوان على الديمقراطية في لهجة واضحة ضد التيار الإسلامي، وهكذا وجد المتربصون فرصة النيل من الإسلام ذاته بزعم مهاجمة «المتطرفين» و«محاربة الإرهاب والعنف»!
مؤتمر إسلامي بالإسكندرية
وفي ١٩ رمضان دعا الأستاذ د. محمد المراغي عضو مجلس الشعب عن الإخوان المسلمين إلى مؤتمر جماهيري في مسجد عصر الإسلام بالإسكندرية؛ لمناقشة تسويف الحكومة في موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، وحضره الشيخ أحمد المحلاوي الداعية المعروف، وكذلك الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، ود. عصام العريان، وعدد من الدعاة والعلماء، ونحو عشرة آلاف شخص، وقد ندد المجتمعون بموقف الحكومة ومجلس الشعب وأصدروا عددًا من التوصيات في ختام المؤتمر، جاء فيها:
أولًا- مطالبة الحكومة المصرية بالاستجابة لرغبة الشعب وإجماعه على تطبيق الشريعة الإسلامية في كل أنشطة الدولة، بلا تفرقة بين قضايا الشورى والعدالة والاستقلال والوحدة، وبين إقامة الحدود وبناء المساجد وتهذيب الإعلام، وعلى الحكومة أن تثبت حسن نواياها بالتقدم نحو التطبيق بخطى حثيثة وبلا مماطلة.
ثانيًا- على الحكومة أن ترفع يدها عن جميع أوجه النشاط العام الشعبي، ونخص بالذكر الصحف الإسلامية واتحاد طلاب الجمهورية. كما أن عليها المبادرة بإسقاط كافة القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات.
ثالثًا- يوصي المجتمعون الهيئات والجامعات الإسلامية بأن تتعاون من أجل طرح صياغة لقانون الأحوال الشخصية لا تخرج عن الشريعة الإسلامية، وتراعي أحوال المجتمع وظروفه الحالية، وننصح الحكومة بالتريث وعدم الاندفاع مرة أخرى.
رابعًا- مناشدة كافة الهيئات والمؤسسات الشعبية والرسمية أن تطبق الشرع الإسلامي في كافة ممارساتها، وأن تعمل وتضغط على أجهزة السلطة حتى يسود شرع الله في بلادنا جميعًا.
خامسًا- يطالب أعضاء المؤتمر حكام المسلمين بعامة ودول المواجهة بخاصة وحكومة مصر على وجه أخص، بالعمل على إعداد الشعوب والقوات المسلحة للمواجه الحتمية مع العدو الصهيوني، وعدم الركون مرة أخرى إلى خداع مفاوضات الشركاء الأمريكيين.
سادسًا- وفي هذا الإطار يؤكد المؤتمرون على ضرورة العمل الدائب من أجل تحرير الإرادة المصرية، والخروج من دوائر التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية.
سابعًا- نحذر الشعب السوداني الشقيق من المؤامرات الدولية التي تستهدف زعزعة استقرار ووحدة القطر السوادني، ويعلن أعضاء المؤتمر تأییدهم ودعمهم للشعب السوداني في جهاده من أجل التطبيق الصحيح للشريعة الإسلامية. ويناشد الحاضرون الحكومة المصرية والمنظمات الشعبية المصرية مد يد العون والمساندة لإخواننا في السودان من أجل تجاوز أزماته السياسية والاقتصادية الراهنة.
ثامنًا- نطالب القوى الإسلامية اللبنانية بالوحدة والعمل على إجهاض المخططات التي تستهدف القضاء على المجاهدين وخاصة الإخوة الفلسطينيين منهم، أو التي تهدف إلى تفريغ الروح الجهادية من محتواها وتوجيهها إلى صدور المسلمين. ويناشد المجتمعون الشعب السوري الشقيق الضغط على حكومته من أجل حقن الدماء المسلمة في سوريا ولبنان.
تاسعًا- يهيب أعضاء المؤتمر بالشعبين الشقيقين في العراق وإيران ويطالبونهم بالضغط على حكومتيهما من أجل إيقاف حمام الدم المسلم، وإنقاذ ما تبقى من ثروات وقوة المسلمين، وتوجيه جهادهم إلى أعدائهم صفًّا واحدًا.
عاشرًا- يقف أعضاء المؤتمر بكل ما يملكون من قوة إلى جانب شعب أفغانستان في جهاده العظيم ضد الاحتلال السوفييتي.
حادي عشر- نستنكر وبشدة أعمال الإرهاب المتبادلة بين الحكام المسلمين، ونحذر الشعوب الإسلامية كافة من استدراجها إلى المواجهة المسلحة فيما بينها.
ثاني عشر- تجديد تكليف وإنابة أعضاء مجلس الشعب وأعضاء النقابات المهنية بالعمل على تنفيذ توصيات هذا المؤتمر، وإبلاغها لمن يهمهم الأمر.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).