العنوان في رحاب القرآن- الفاتحة.. توحيد وشريعة وسلوك (الحلقة التاسعة)
الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-1978
مشاهدات 87
نشر في العدد 394
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 11-أبريل-1978
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبهداه تستنير القلوب وتشرق البصائر، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، وقائد الخلق إلى الحق محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبعه وتولاه؛ وبعد: ففي رحاب القرآن العظيم نلتقي بك أيها القارئ الكريم لنتحدث إليك عن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: 7) بعد أن أسلفنا القول -في الحلقة السابقة- عن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة: 6) فنقول - وبالله التوفيق-:
«موقف الناس من الصراط المستقيم»
الناس أمام هدى الله وصراطه المستقيم وشرعه القويم أصناف ثلاثة، وهم:
1- «الذين أنعم الله عليهم»
الصنف الأول: هم الذين ظهرت عليهم نعمة الله بمعرفة الحق والتزامه والوقوف عند حدوده، فاهتدوا إلى الصراط المستقيم، وهؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم، وما أعظم نعمة الله على من عرف الحق واتبعه، وعلى رأسهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون من جميع الأمم السابقة، ومن الأمة الخاتمة أمة محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين.
2- الذين غضب الله عليهم
والصنف الثاني: هم الذين بلغهم شرع الله ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه انصرافًا عن الدليل ورضاء بما ورثوه من القيل، ووقوفًا عند التقليد، وعكوفًا على هوى غير رشيد -من أي دين كانوا، وفي أي زمن وجدوا- يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 146). وهؤلاء المغضوب عليهم، وما أشد غضب الله على من عرف الحق وظهرت له حججه وبراهينه، ثم أعرض عنه لهوى في نفسه، أو حسد في قلبه، أو تعصب لحزبه، وعلى رأسهم اليهود، غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابًا عظيمًا..
3- الذين ضلوا طريق الحق
والصنف الثالث: هم الذين ضلوا طريق الحق، وتاهوا في أودية الضلال؛ لأنهم استدبروا الغاية، واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون منها إلى مطلوب، ولا يهتدون فيها إلى مرغوب، وإن شئت فقل: هم الذين يتلمسون الحق فلا يهتدون إليه أبدًا لبعدهم عن منابعه الأصلية ومصادره الموثوق بها، وتركهم لوحي الله ورسالاته واتباعهم السبل المنحرفة، من أي دين كانوا، وفي أي زمان وجدوا، وهؤلاء هم الضالون المتحيرون، وعلى رأسهم النصارى.
والفرق بين الصنفين واضح: فالأولون عرفوا الحق وأعرضوا عنه على علم، والآخرون لم يظهر لهم الحق فهم تائهون بين الطرق، لا يهتدون إلى الجادة الموصلة إلى الفوز والنجاة، وعلى أي حال كلا الفريقين هالك.
البراءة من المغضوب عليهم ومن الضالين
والله تعالى الرحيم بعباده قد أرشدنا في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: 6، 7) إلى أن نسأله سبحانه الهداية إلى سنن الصنف الأول، وهم الذين أنعم الله عليهم بمعرفة الحق والتزام حدوده؛ صراط الذين أنعمت عليهم، وأن نبرأ إليه تعالى من الصنفين الآخرين: غير المغضوب عليهم -بسبب معرفتهم الحق وتمردهم عليه- ولا الضالين عن طريق الحق بسبب التماسهم إياه من غير مصدره الموثوق به، وتخبطهم في الظلمات على غير هدى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور: 40).
اللهم أعذنا من الضلال في العقيدة، وأعذنا من الضلال في العمل، وأعذنا من الضلال في التفكير، وأعذنا من الخروج على الحق والتمرد عليه، واهدنا الصراط المستقيم.
نتائج الضلال والانحراف عن شريعة الحق في الجماعات والأفراد
إذا ضلت الأمة سبيل الحق، ولعب الباطل بأهوائها؛ فسدت أخلاقها واختلت أعمالها، ووقعت في الشقاء لا محالة، وسلط الله عليها من يستذلها ويستأثر بشئونها، ولا يؤخر لها العذاب ليوم الحساب، وإن كانت ستلاقي فهي نصيبًا من العذاب أيضًا، فإذا تمادى بها الغي والضلال انتهى بها إلى الهلاك ومحي أثرها من الوجود، لهذا أشارت سورة الفاتحة في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر السورة، إلى وجوب النظر في أحوال من سبقنا ومن بقيت آثارهم بين أيدينا من الأمم الغابرة والقرون الخالية؛ لنعتبر ونميز بين ما به تسعد الأمم وما به تشقى. هذا بالنسبة للأمم، أما بالنسبة للأفراد الذين ضلوا وانحرفوا فلم تجر سنة الله تعالى بلزوم تعجيل العقوبة لهم في هذه الحياة الدنيا، فقد يستدرج الضال من حيث لا يعلم: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لأعراف: 182) حتى يدركه الموت من قبل أن تزول عنه النعمة أو تنزل به النقمة، ولكنه يلقى جزاءه العادل: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (الانفطار: 19).
الله تعالى عرفنا ما هو الصراط المستقيم
أترى أن الله تعالى يلقننا في هذه السورة الكريمة -سورة الفاتحة- وفي أول دعوة علمنا إياها أن نسأله الهداية إلى الصراط المستقيم، ثم لا يبين لنا ما هو الصراط المستقيم؟! حاشا لله..
لقد أجاب سبحانه دعوتنا التي لقننا إياها في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفاتحة: 6- 7) فبين لنا الصراط المستقيم الموصوف بالصفات المذكورة في هذه الآيات.. بينه لنا في بداية أول سورة تلي الفاتحة في ترتيب المصحف الشريف، وهي سورة البقرة، فقال تعالى في بدايتها: ﴿آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 1، 2) وكأن الله يقول لنا: لقد استجبت لكم دعوتكم إياي أن أهديكم الصراط المستقيم، فدونكم الهدى الذي تطلبونه مني، خذوه محجة بيضاء نقية ليلها كنهارها، ﴿آلم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ البالغ نهاية الكمال في الهداية والإرشاد، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ومن أين يأتيه الريب وهو القرآن المجيد والنور المبين والصراط المستقيم الذي لا عوج فيه؟!
أيها الإخوة المسلمون: القرآن هو الهدى الكامل للمتقين: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، عضوا عليه بالنواجذ.. فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم.. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تختلف به الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق من كثرة الرد.. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (الجن: 1- 2).. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى الصراط المستقيم.
أيها الإخوة المسلمون، كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هما الهدى للمتقين، وهما الصراط المستقيم الذي تلقننا سورة «الفاتحة» أن يهدينا الله إليه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فعضوا عليهما بالنواجذ، واستمسكوا بحبلهما تفوزوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة، ولا تنحرفوا عنهما فتهلكوا وتضلوا ضلالًا بعيدًا؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إني تركت فيكما ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنتي، عضوا عليهما بالنواجذ»، أو كما قال.
فانظر -أخي الكريم- إلى هذا الربط الحكيم بين آخر الفاتحة وأول البقرة؛ ففي آخر الفاتحة دعاء صاعد من الأرض إلى السماء: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ...﴾، وفي أول البقرة هدى نازل من السماء إلى الأرض إجابة للدعاء وتلبية للنداء: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة المبينة والموضحة له، فأنعم به من هدى يهدي إلى الرشد وللتي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابًا أليمًا.
وبعد: فإلى اللقاء -أيها القراء الأعزاء- في الحلقة القادمة في رحاب القرآن العظيم، لنختم حديثنا عن سورة الفاتحة، سائلين المولى الكريم أن يهدينا جميعًا بهداها، وأن ينير قلوبنا بنورها وسناها، وأن يؤتي نفوسنا تقواها ويزكيها، فهو خير من زكاها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل