العنوان الفاتيكان والإسلام (١١)
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 02-يونيو-2007
مشاهدات 68
نشر في العدد 1754
نشر في الصفحة 36
السبت 02-يونيو-2007
الخلط بين الجهاد والحرب المقدسة
كان حريًا بعظيم الفاتيكان أن يقارن بين رقم ٣٨٦ «ضحايا الحروب في عصر رسول الإسلام» وضحايا حروب كنيسته «المقدسة» الذين يقدرون بعشرات الملايين.
الباحثة الألمانية د. سيجريد هونكه: الفتوحات العربية لم يكن هدفها نشر الدين الإسلامي وإنما بسط سلطان الله في أرضه، ولقد سعى أتباع الملل الأخرى إلى اعتناق الإسلام شغفًا وافتتانًا بالفاتحين.
أما الفرية الثالثة- التي افتراها عظيم الفاتيكان على الإسلام وحضارته وتاريخه- فهي خلطه بين الجهاد الإسلامي، وبين الحرب الدينية المقدسة التي عرفتها ومارستها المسيحية الغربية ضد العالم الإسلامي.. حملات صليبية دامت قرنين من الزمان «٤٨٩- ٦٩٠هـ- ١٠٩٦- ١٢٩١م».
والتي اشتهر منها ما يقرب من ثلاثين حملة، مثلت أولى الحروب العالمية الأوروبية، التي قادتها الكنيسة الكاثوليكية، وسخرت فيها فرسان الإقطاع الأوروبيين، ومولتها المدن التجارية الأوروبية لاحتلال الشرق، وإعادة اختطافه من التحرير الإسلامي، ونهب ثرواته، وإقامة الكيانات الاستعمارية الاستيطانية على أراضيه.
كما مارست الكنيسة الكاثوليكية هذه الحرب الدينية المقدسة ضد البروتستانت «١٥٦٢- ١٦٢٩م» . وفيها اشتهرت إحدى عشرة حربًا، وأبيد فيها- كما أشرنا- ٤٠٪ من شعوب وسط أوروبا- أي عشرة ملايين- وفق إحصاء «فولتير» «١٦٩٤- ١٧٧٨م».
كما مارست هذه المسيحية الغربية-كاثوليكية وبروتستانتية- هذه «الحرب الدينية المقدسة» بواسطة «محاكم التفتيش» ضد المخالفين والمفكرين والفلاسفة والعلماء، فأبادت فيها الملايين بالخنق والإحراق والإغراق والإعدام شنقًا أو على «الخازوق المقدس» طوال ثلاثة قرون!
يخلط عظيم الفاتيكان بين الجهاد الإسلامي وبين هذه الحرب الدينية المقدسة، التي جعلت سفك دماء المخالفين من أعظم القربات التي يتقرب بها أساقفتهم ورهبانهم وفرسانهم إلى الرب، ويكفرون بها عن الذنوب والآثام، ويمتلكون بها «المفاتيح البطرسية» لجنات النعيم!
وانطلاقًا من هذا الخلط للأوراق، يدعي عظيم الفاتيكان أن الإيمان الديني الإسلامي هو الذي يؤسس للعنف والإرهاب.
ولقد كان حريًا بمن يتولى هذا المنصب الأعظم في كبرى الكنائس المسيحية، والذي يدعي دراسة الفلسفة وتدريسها، ويتحدث عن عقلانيته وعقلانية إيمانه، كان حريًا به أن يعلم الحقائق البسيطة، والمعروفة، والصلبة، التي تنفي هذا الخلط للأوراق، تلك الحقائق التي تقول:
- إن هناك تمييزًا- في الإسلام واللغة العربية- بين الجهاد، والقتال، والإرهاب.
١- فالجهاد هو بذل الوسع واستفراغ الجهد في أي ميدان من ميادين الخير والبر والصلاح والإصلاح. فالرفق بالإنسان والحيوان والنبات والجماد جهاد، وبر الوالدين جهاد، ومقاومة النفس الأمارة بالسوء جهاد، ومقاومة وساوس الشيطان جهاد، وعمران الأرض وتزيينها، وطلب العلم جهاد، والزهد فيما في أيدي الآخرين والاستغناء عنه جهاد، والإحسان في العمل، وإلى الجيران- بصرف النظر عن دياناتهم- جهاد، والحج والعمرة جهاد، وحسن العشرة الزوجية جهاد، والإخلاص في تربية الأبناء جهاد، وإخلاص العبودية لله جهاد.
ولذلك، فإن الجهاد- بهذا المعنى الإسلامي العام والواسع- هو فرض عين على المؤمن بالإسلام، يؤديه وفق الوسع والطاقة في أي ميدان من هذه الميادين، التي تشمل كل ميادين البر والخير والصلاح والإصلاح في هذه الحياة، ولهذه الحقيقة كانت المرة الوحيدة التي وصف فيها الجهاد بالكبير في القرآن، تشير إلى الجهاد بالقرآن الكريم، وليس بالسيف والقتال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: 52).
٢- أما القتال- الذي هو شعبة واحدة من شعب الجهاد العديدة- فهو تقديم النفس والمال والقتال الدفاعي ضد الذين يعتدون على المسلمين، فيفتنونهم في دينهم، أو يخرجونهم من ديارهم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 39- ٤٠).
﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ (الممتحنة: ٦- ٩).
هذا هو حجم القتال في الإيمان الإسلامي بالنسبة إلى عموم فريضة الجهاد، ولهذه الحقيقة كان الجهاد- في الإسلام- فريضة دائمة وجامعة على كل المكلفين، وكان القتال استثناء مكروهًا ومفروضًا من المعتدين على الإسلام والمسلمين: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 216) وكان فرض كفاية، وليس فرضًا على الجميع.
ولذات هذه الحقيقة- حقيقة الانحياز الإسلامي للسلام- كان الحجم المحدود لضحايا كل غزوات رسول الله ﷺ على امتداد سنواتها التسع-كما أسلفنا- ٣٨٦ من الفريقين، المسلمين والمشركين1 حتى إنه ليمكننا القول: إن عدد البعوث التي أرسلها رسول الله ﷺ له لتعليم القرآن والإسلام، وعدد المساجد والأماكن التي هيأتها الجيوش الإسلامية لأداء الصلوات هي أكثر بكثير من عدد الضحايا الذين سقطوا في كل هذه الغزوات!
ولقد كان حريًا بالحبر الأعظم للفاتيكان- أستاذ الفلسفة- أن يعي هذه الحقائق التاريخية، وله في بلاد الإسلام وفي بلاد الغرب، الكثيرون من الذين درسوا تاريخ الإسلام وتخصصوا فيه.
كما كان حريًا به أن يقارن عدد هؤلاء الضحايا-الذين انتصر بهم الإسلام على الشرك الوثني- بضحايا «الحروب المسيحية»-المقدس منها وغير المقدس- وذلك قبل أن يفتري على الإسلام ورسوله، بفرية الانتشار بالسيف، والخلط بين الجهاد الإسلامي و«الحرب الدينية المقدسة».
كان حريًا بالحبر الأعظم للفاتيكان أن يقارن بين رقم ٣٨٦- ضحايا حروب رسول الإسلام محمد ﷺ- وضحايا حروب كنيسته المقدسة مع البروتستانت ۱۰,۰۰۰,۰۰۰ «عشرة ملايين» يضاف إليها الملايين- التي لا ندري عددها- لصراعات وحروب محاكم التفتيش، والملايين التي أبادتها مسيحيته في استعمارها لأمريكا- الشمالية والوسطى والجنوبية- وكذلك في أستراليا نيوزيلندا، مضافًا إليها ٤٠,٠٠ «أربعون مليونًا» من الزنوج الأفارقة، الذين أسروا واختطفوا وسلسلوا بالحديد، وشحنوا في سفن الحيوانات لتقوم على عظامهم ودمائهم وأرواحهم رفاهية الحضارة المسيحية الغربية! وذلك فضلًا عن ستين مليونًا هم ضحايا الحربين العالميتين اللتين شهدهما النصف الأول من القرن العشرين الأولى «۱٩١٤- ۱۹۱۸م» والثانية «۱۹۳٩- ١٩٤٥م» وكذلك الحروب التي لا تزال تشنها مؤسسات الهيمنة الغربية، وتباركها، أو تصمت إزاءها الكنائس الغربية على امتداد عالم الإسلام، والتي تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليًا، من اليورانيوم المنضب، إلى الفسفور الأبيض، إلى القنابل العنقودية، إلى ما لا يعلمه إلا الله من ثمرات «العبقرية- الشيطانية» للفلسفة الغربية التي تخصص فيها عظيم الفاتيكان!
ثم.. ألم يقرأ عظيم الفاتيكان- وهو ألماني- ما كتبته العالمة الألمانية الدكتورة «سيجريد هونكه» في التمييز بين الجهاد الإسلامي وبين الحرب الدينية المقدسة في المسيحية، والذي قالت فيه:
«إن الجهاد الإسلامي ليس هو ما نطلق عليه- ببساطة- مصطلح الحرب المقدسة، فالجهاد- كما يذكر الألماني المسلم أحمد شميدة- هو كل سعي مبذول، وكل اجتهاد مقبول، وكل تثبيت للإسلام في أنفسنا، حتى نتمكن-في هذه الحياة الدنيا- من خوض الصراع اليومي المتجدد أبدًا ضد القوى الأمارة بالسوء في أنفسنا وفي البيئة المحيطة بنا عالميًا، فالجهاد هو المنبع الذي لا ينضب، والذي ينهل منه المسلم، مستمدًا الطاقة التي تؤهله لتحمل مسؤوليته، خاضعًا لإرادة الله عن وعي ويقين. إن الجهاد هو بمثابة التأهب اليقظ الدائم للأمة الإسلامية للدفاع بردع كافة القوى المعادية التي تقف في وجه تحقيق ما شرعه الإسلام من نظام اجتماعي إسلامي في ديار الإسلام».
واليوم، وبعد انصرام ألف ومائتي عام، لا يزال الغرب النصراني متمسكًا بالحكايات المختلقة الخرافية التي كانت الجدات يروينها، حيث زعم مختلقوها أن الجيوش العربية- بعد نبوة محمد- نشرت الإسلام بالنار وبحد السيف البتار من الهند إلى المحيط الأطلنطي ويلح الغرب على ذلك بكافة السبل بالكلمة المنطوقة أو المكتوبة، وفي الجرائد والمجلات والكتب والمنشورات وفي الرأي العام، بل في أحدث حملات الدعاية ضد الإسلام.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة : ٢٥٦)، تلك هي كلمة القرآن الملزمة-كما ترد في الآية السادسة والخمسين بعد المائتين من سورة البقرة- فلم يكن الهدف أو المغزى للفتوحات العربية نشر الدين الإسلامي وإنما بسط سلطان الله في أرضه، فكان للنصراني أن يظل نصرانيًا، ولليهودي أن يظل يهوديًا، كما كانوا من قبل، ولم يمنعهم أحد أن يؤدوا شعائر دينهم، وما كان الإسلام يبيح لأحد أن يفعل ذلك.
ولم يكن أحد لينزل أذى أو ضررًا بأحبارهم أو قساوستهم ومراجعهم وبيعهم وصوامعهم وكنائسهم.
لقد كان أتباع الملل الأخرى- وبطبيعة الحال من النصارى واليهود- هم الذين سعوا سعيًا لاعتناق الإسلام والأخذ بحضارة الفاتحين، ولقد ألحوا في ذلك شغفًا وافتنانًا، أكثر مما أحب العرب أنفسهم، فاتخذوا أسماء عربية وثيابًا عربية، وعادات وتقاليد عربية واللسان العربي، وتزوجوا على الطريقة العربية ونطقوا بالشهادتين، لقد كانت الروعة الكامنة في أسلوب الحياة العربية والتمدن العربي، والسمو والمروءة والجمال، وباختصار: السحر الأصيل الذي تتميز به الحضارة العربية بغض النظر عن الكرم العربي، والتسامح، وسماحة النفس، كانت هذه كلها قوة جذب لا تقاوم.
بهذا انتشر الإسلام، وليس بالسيف، أو الإكراه.2
هلا قرأ عظيم الفاتيكان- وهو ألماني- هذا الذي كتبته العالمة الألمانية الدكتورة سيجريد هونكه، وتعلم الفارق الجوهري بين «الجهاد الإسلامي» وبين «الحرب الدينية المقدسة»؟ وذلك بدلًا من أن يردد- في القرن الحادي والعشرين- «حكايات الجدات الخرافية» عن انتشار الإسلام «بالنار وبحد السيف البتار»!
وإذا كان عظيم الفاتيكان لا يزال بحاجة إلى شهادة أوروبية تعلمه الفروق بين الحرب الدينية المسيحية- حرب الإكراه على تغيير العقيدة، والتقرب إلى الله بسفك دماء المخالفين- وبين الجهاد الإسلامي، فإننا نقدم إليه شهادة المؤرخ الأوروبي «ميشائيل در سیرر» التي أوردتها العالمة الألمانية سيجريد هونكه، وهي تتحدث عن ممارسة بطاركة الكنيسة الكاثوليكية هذه الحرب المقدسة إبان حروبهم الصليبية ضد المسلمين، وفي مدينة القدس تحديدًا، فقالت:
«لقد أصدر كبير وعاظ الحروب الصليبية «برنارد كلير فوكس» أمره إلى المحاربين الصليبيين إما التنصير وإما الإبادة»!
ووصف المؤرخ الأوروبي «ميشائيل در سیرر» مذبحة المسلمين في القدس ١٠٩٩م على يد الصليبيين، وكيف كان البطريرك نفسه يعدو في زقاق بيت المقدس، وسيفه يقطر دمًا، حاصدًا به كل من وجده في طريقه، ولم يتوقف حتى بلغ كنيسة القيامة وقبر المسيح، فأخذ في غسل يديه تخلصًا من الدماء اللاصقة بها، مرددًا كلمات المزمور التالي: «يفرح الأبرار، حين يرون عقاب الأشرار ويغسلون أقدامهم بدمهم، فيقول الناس: حقًا إن للصديق مكافأة، وإن في الأرض إلهًا يقضي» «المزمور ۱۰:٥۸- ۱١»، ثم أخذ البطريرك في أداء القداس قائلًا: إنه لم يتقدم في حياته للرب بأي قربان أعظم من ذلك ليرضى الرب!3
تلك هي الحرب الدينية المقدسة، التي مارستها الكنيسة الكاثوليكية ضد الإسلام والمسلمين، والتي كان بطاركة هذه الكنيس يتقربون- فيها- إلى ربهم بسفك دماء المسلمين، والتي خلط بينها وبين الجهاد الإسلامي بابا الفاتيكان!
3- أما الإرهاب- الذي يعني: استخدام العنف لترويع الأبرياء والآمنين المسالمين، وذلك لتحقيق أهداف سياسية، فإنه مجرم في الإسلام، بينما هو صناعة غربية مارسته وتمارسه الدول والحكومات، وليس فقط الأفراد.
لقد حرم الإسلام ترويع الآمنين واستخدام العنف ضدهم، وذلك عندما وضع دستورًا أخلاقيًا حتى للحرب الدفاعية المشروعة، حرم قتل المسالمين الذين ليسوا طرفًا في العدوان والقتال، وجاء في سنة رسول الإسلام ﷺ أنه نهى عن قتل النساء والولدان «رواه مالك في الموطأ».
كما صاغ الراشد الأول أبو بكر الصديق- كما أسلفنا- هذه القيم الإسلامية في دستور للفروسية الإسلامية، وذلك عندما أوصى قائد جيشه يزيد بن أبي سفيان «توفي ١٨هـ- ٦٣٩م» بالرفق، ليس فقط بالآمنين والمسالمين والأبرياء، وإنما أوصاه- أيضًا- بالرفق بالحيوان والنبات، فقال له:
«إنك ستجد قومًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له، وإني موصيك بعشر:
1- لا تقتلن امرأة.
2- ولا صبيًا.
3- ولا كبيرًا هرمًا.
4- ولا تقطعن شجرًا مثمرًا.
5- ولا تخربن عامرًا.
6- ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله.
7- ولا تحرقن نخلًا.
8- ولا تغرقنه.
9- ولا تغلل.
10- ولا تجبن. «رواه مالك في الموطأ».
فأين هو هذا الإرهاب الإسلامي، المؤسَّس على الإيمان الديني الذي زعمه وافتراه- على الإسلام والمسلمين- الحبر الأعظم للفاتيكان؟!
لقد وصف الرجل دفاع المقاومة اللبنانية ضد العدوان الصهيوني في لبنان- في يوليو- أغسطس سنة ٢٠٠٦م بأنه «إرهاب»! وذلك عندما أدان «الإرهاب» و«الانتقام»، فاعتبر دفاع الضحية إرهابًا.. وعدوان المعتدي-الذي استخدمت فيه الأسلحة المحرمة دوليًا، اليورانيوم المنضب، والقنابل العنقودية- مجرد انتقام من الإرهاب!
لقد مضى على تولي البابا بنديكتوس السادس عشر لمنصبه في أكبر كنائس النصرانية أكثر من عام، وهو يصمت صمت القبور على الإرهاب الغربي الذي ينطلق من الأساطير «الأصولية- المسيحية- الصهيونية» لإبادة مئات الآلاف من المسلمين في العراق، وفلسطين، وأفغانستان، والشيشان، وكشمير، والصومال، والسودان، والفلبين، وبورما، إلخ، وهو إرهاب وإبادة تمارسهما دولة عظمى وكبرى تحركها الأيديولوجية الصليبية وجماعات اليمين الديني المسيحي.
كما صمت ويصمت- عظيم الفاتيكان- على الإرهاب الغربي الإمبريالي-المدعوم مسيحيًا- والذي يغطي أرض كثير من بقاع العالم الإسلامي بالقواعد العسكرية، وأسلحة الدمار الفتاكة، كما يغطي البحار والمحيطات الإسلامية بالبوارج والأساطيل وحاملات الطائرات.
فأين موقف عظيم الفاتيكان من هذا الإرهاب؟! أم أن له عنده اسمًا آخر غير الإرهاب؟!
وإذا كانت قدرات الرجل الفكرية جعلته يغوص ويعود إلى ما قبل أربعة عشر قرنًا، ليفتري على الإيمان الإسلامي فرية تأسيسه للعنف والإرهاب، فأين ذهب ذكاؤه؟ وأين ذهبت ثقافته من «عصر الإرهاب» الذي تفتخر به الثورة الفرنسية، التي قامت فرنسا الكاثوليكية- راعية عظيم الفاتيكان- والذي يدرس في كل مدارس الدنيا، كإنجاز من إنجازات الحضارة الغربية، وذلك دونما إشارة إلى «إرهاب الدولة» الذي ابتدعه الغرب، ولا يزال يمارسه ضد الآخرين حتى هذه اللحظات!
1 ابن عبد البر «الدرر في اختصار المغازي والسير» تحقيق د. شوقي ضيف- طبعة القاهرة سنة ١٩٦٦م. وانظر كتابنا الإسلام والآخر ص ٦٥- طبعة القاهرة، سنة ٢٠٠١م.
2 سيجريد هونكه «الله ليس كذلك» ص ٤٣،٤٠.
3 المرجع السابق، ص ٢٠- ٣٤.