العنوان انفجار نيويورك.. الحدث والتغطية وإرهاصات الحرب السافرة على الإسلام
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993
مشاهدات 33
نشر في العدد 1042
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 16-مارس-1993
بات من الواضح مع تكشف الحقائق يومًا بعد يوم حول حادث انفجار مركز التجارة العالمي في نيويورك قبل أسبوعين أن «الموساد» الإسرائيلي قد لعب الدور الأكبر في هذا الانفجار وليس حركات إسلامية، كما زعمت وسائل الإعلام الأمريكية والغربية عقب إلقاء القبض على شخص مشتبه فيه اسمه محمد سلامة، وقد ذكرت بعض وسائل الإعلام الأمريكية مثل شبكة سي إن إن» ووكالة أسوشيتدبرس، وصحيفة واشنطن تايمز المحافظة أن الأدلة على تورط إسلاميين أو عرب في الحادث أدلة مشكوك فيها وأن أصابع الاتهام تشير إلى يهودية تدعى «جوزي حداس» لم يتم العثور عليها وحتى إعداد هذا الملف يعتقد أنها وراء الحادث وأكدت مصادر أخرى أن أهداف الموساد، من وراء هذا الحادث الذي أعد بعناية لتوريط الإسلاميين، فيه أهداف كبيرة، غير أن الإعلام الأمريكي الذي يحركه اللوبي الصهيوني سرعان ما افتعل معركة ضد الإسلاميين وسعى لدفع رجل الشارع الأمريكي إلى عداء مع العرب والمسلمين.
وحتى يكون قراء المجتمع، على إدراك لأبعاد
الحدث من جوانبه المختلفة قدر المستطاع فقد أعددنا هذا الملف عن الحادث وملابساته
مع مراسلينا في الولايات المتحدة أملين تقريب الصورة وأبعادها لقرائنا.
(المجتمع)
عندما انتهت مرحلة الحرب الباردة
وانتفت الحاجة إلى سياسة الاحتواء والمواجهة الغربية للشيوعية بانهيار الاتحاد
السوفيتي وتداعي منظومة الدول الاشتراكية عسكريًا وثقافيًا، تغيرت موازين القوى
العالمية، وتبدلت حالات التحالف والتوظيف السياسي والعسكري لكثير من الدول والنظم
السياسية بشكل عام.
وبرزت مع هذه المستجدات أوضاع سياسية
مغايرة تتطلب المزيد من الحريات والمشاركة السياسية واحترام حقوق الإنسان إضافة
إلى حالات اختناق عالمي لاقتصاديات الدول جعلت من الصعب إيجاد مصداقية للكثير من
أدبيات الخطاب الغربي وأخلاقياته المزدوجة المعايير.
ومع ظهور مصطلح النظام العالمي
الجديد ومخاض تشكله العسير، واختلاف الناس على حقيقة الميلاد، وتباينات الرؤية حول
حركة التغيير التي صاحبت غياب النظام السياسي لمرحلة الحرب الباردة بدأت العديد من
الدول الوظيفية في النظام القديم تتحسس التزامات الحاجة إليها، وتبحث لها عن دور
وواقع جديد ينأى بها عن البقاء معطلة في إطار فراغات الهوامش الخدمية الذي نتج عن
حركة التفرد في مراكز القوة والنفوذ، بانتهاء أجواء الصراع والتحدي بين أقطاب
الدول العظمى.
هذه التحركات التي صاحبت تقليص مخاطر
المواجهة مع الاتحاد السوفيتي، حملت معها مرئيات جديدة حول طبيعة الحليف
الاستراتيجي، هي بالطبع مغايرة تمامًا للمعايير القديمة في حسابات النقل والأبعاد
السياسية والعسكرية لهذا الحليف.
إن إسرائيل كانت- دونما شك- واحدة من
هذه الدول التي قلت الحاجة الغربية إليها بالصورة التي كانت عليها خلال سنوات
التطويق والاحتواء الغربي للشيوعية.
فالشرق العربي الإسلامي أصبح بما فيه
من ثروات في حالة عدم تناقض رسمي مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة.. بل غدا يلعب
دورًا رئيسيًا في حفظ واستقرار العالم الصناعي بأسره، وذلك عن تراض وتناغم وانسجام
مع معادلة المصالح المتبادلة.
ومن هنا كان السؤال: ترى هل بقي لـ«إسرائيل»
دور تلعبه في المنطقة من خلال صيغة وموقع الحليف الاستراتيجي للغرب؟
الجواب: قطعًا بالنفي في ظل المعطيات
والمقدمات السابقة.. وهذا يعني أن إسرائيل ككيان يعتمد بالكلية على الدعم والتأييد
الغربي ستجد نفسها في حرج وخطر، تفرضه أوضاع الاعتماد على المنح والقروض الأمريكية
سواء كانت اقتصادية أو عسكرية، أو مخاطر غياب التأييد السياسي والدبلوماسي اللازم
لمنع قرارات الإدانة وإنزال العقوبات الدولية بها كدولة احتلال تمارس مخالفات
وتعديات سافرة بحق الشعب الفلسطيني والأرض العربية.
إن الشعب اليهودي ومنذ القرون الوسطى
ظل يحمل الطابع الوظيفي- الخدمي، حيث توكل له مهمات خاصة لخدمة مصالح الغير، ثم
سرعان ما يقضي عليه جشعه، فيحل عليه الغضب وينزل به العقاب ويدفعه الاضطهاد إلى
العزلة والذلة والمسكنة.. هذا الأدب التراكمي وواقع التلازم بين المكانة الوظيفية
والاستقرار يجعل العقلية اليهودية وخاصة الصهيونية منها تحافظ على دورها الوظيفي
حتى تنجو من التصفية والاضطهاد.
لذلك، ومنذ أن شعرت «إسرائيل» بأن
مكانتها كدولة حليفة للغرب هي في طريقها للتلاشي والزوال، بدأت حملتها الشرسة
لافتعال شبح وواقع جديد يحمل التهديد للمنطقة والمصالح الغربية فيها، فكان الإسلام
هو المرشح الأقوى للاتهام والتحريض لاعتبارات إرث العداوات التاريخية، وإفرازات
الحروب الصليبية.. بالطبع كانت عملية توطين القناعة لدى الغرب بوجود خطر إسلامي
يتهدد مصالحه تتطلب أفعالًا وأحداثًا تعطي المصداقية لحملة التحريض وتؤكد نصوص
الاتهام.
وبدأ الإعلام الصهيوني النشط تسليط
الأضواء على الحركات الإسلامية، واتهامها بالتطرف والإرهاب، وتضخيم الحوادث
الفردية التي تجري هنا وهناك في العالم العربي والإسلامي بأنها تقع ضمن مخطط
إسلامي إرهابي عالمي، يستهدف تقويض أسس النظام الغربي والإجهاز على حضارته.
النفوذ الصهيوني
وقد استغلت إسرائيل نفوذ الإعلام
الصهيوني في الغرب في حمل رسالتها التحريضية ضد الإسلام وتقديمه كعدو بديل
للشيوعية المحطمة، وتمت تعبئة الغرب ضد الإسلام بشكل لم يسبق له مثيل، وبدأت الحرب
والعداوة للحركة الإسلامية.. وشرعت الدول العربية والإسلامية تتواصى فيما بينها
وتنسق بين أجهزتها الأمنية لضرب حركة الإسلام السياسية وتقويض فرص مشاركة
الإسلاميين في السلطة أو الوصول إليها.
أما الدول الغربية وخاصة الولايات
المتحدة فقد قدمت مجموعة من التقارير السرية والعلنية لكل من وزارة الخارجية
والكونجرس تتحدث عن تنظيم إسلامي- إرهابي عالمي يقوده الترابي وتموّله إيران،
ويشارك فيه الغنوشي، والشيخ عمر عبدالرحمن، إضافة إلى حركة حماس، ويستهدف شن حملة
من الهجمات على المصالح الغربية!
إن اللغة التي كتبت بها هذه التقارير
هي لغة استعداء وتحريض وتعبئة سلبية ضد حركة الإسلام بشكل عام، خلقت معها أجواء
متوترة غاضبة بين السياسيين وتجاه العرب والمسلمين. ومع غياب وحدة الموقف العربي
والإسلامي على الساحة الأمريكية، وضعف مكانة المؤسسات والهيئات السياسية العربية
والإسلامية فيها، فإن احتمالات التقييد على النشاطات الدينية والسياسية للعرب
والمسلمين الأمريكيين تبقى قائمة، وقد تجد بعض الأفكار المقترحة في هذا الاتجاه من
قبل بعض اللجان الفرعية في الكونجرس الفرصة المواتية للتصديق عليها وتصبح بذلك
قانونًا يتم العمل به.
إن النفوذ الصهيوني في الغرب لا يمكن
التهوين منه، فهو كالأخطبوط الذي تطول أذرعه كافة واجهات الدولة وأجهزتها
التنفيذية، يمكننا القول إن إسرائيل قد نجحت- حتى الآن- في جعل دورها الوظيفي
قائمًا، وقد استطاعت أن تحافظ على مكانتها كقوة في المنطقة العربية الإسلامية تسهر
على حماية المصالح الغربية ضد خطر الأصولية الإسلامية المزعوم.
انفجار مركز التجارة
ونعود للتساؤل مرة أخرى: هل كان
استغلال حادث الانفجار في مركز التجارة الدولي ضروريًا بهذا القدر لـ«إسرائيل» حتى
تثبت للغرب أهمية دورها الوظيفي في حماية مصالحه ضد خطر الإرهاب الإسلامي؟
طريقة التغطية للحدث، والنجاح الذي
حققه النفوذ الصهيوني في وسائل الإعلام الغربية يجعل الحادث فرصة لمحاكمة الإسلام
والتشهير بالحركات الإسلامية، حتى قبل إدانة المتهم (محمد سلامة) من قبل المحكمة
وإثبات التهمة عليه، يؤكد حقيقة الدور الذي ربما لعبته بعض الجهات الإسرائيلية
لاستغلال الضجة والهلع المصاحب لها لشحن الغرب بالحقد على الإسلام، وبالتالي ضرب
مكتسبات الحركة الإسلامية التي ترى إسرائيل فيها أكبر الخطر عليها.
إرهاصات الحدث والدور الإسرائيلي
إن المؤسسة السياسية والنخب الفكرية
الإسرائيلية والواجهات الإعلامية الصهيونية قد حملت جميعها رسالة واحدة للكيد
والتحريض ضد الإسلام، وقد تلخصت هذه الرسالة في مجموعة التصريحات التي أطلقها
المسؤولون الإسرائيليون في العواصم الغربية ونشرتها بتوسع تغطيات الإعلام الصهيوني
في الولايات المتحدة. ويمكننا هنا اقتباس بعض المقاطع من هذه التصريحات للعرض
والاستشهاد.
حذر صموئيل كاتز أستاذ التاريخ
الإسرائيلي ضمن مقال نشرته «لوس أنجلوس تايمز» الولايات المتحدة بالقول: «لقد حان
الوقت بالتأكيد لتدرك واشنطن، والغرب على وجه العموم، الأبعاد الحقيقية لحركة
حماس.. حيث تمثل عمل الثورة الإيرانية، وأساليبها الثورية والعنيفة.. إنها تسعى
للسيطرة على العالم العربي لكي تصبح زعيمة لكل المسلمين».. وأضاف كاتز محرضًا: «إن
الغرض الأيديولوجي لهذه الحركة هو أبعد من ذلك بكثير فهي ترى في نفسها أنها سيف
الإسلام المتوهج الذي صمم لأخذ الثأر، ليس من إسرائيل فقط ولكن الغرب بشكل أوسع».
وفي لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق
رابين مع بعض القيادات اليهودية - الأمريكية، تساءل فيه بالقول: «إننا غير متأكدين
إذا كان الرئيس المنتخب وفريق عمله متفهمين بالكامل للخطر الذي تمثله الأصولية
الإسلامية، والأهمية الملحة للدور الإسرائيلي في مواجهتها».
ومن وجهة النظر الإسرائيلية فإن
الأصولية الإسلامية قد اجتاحت بالفعل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وهي الآن في آسيا
الوسطى وإنها سرعان ما ستتحدى النفوذ الغربي في مناطق أبعد من ذلك، حيث يحاول
المسلمون أن يجعلوا القرن الحادي والعشرين هو قرن الإسلام.
وحذر بعض كبار الرسميين الإسرائيليين
من أن «الحرب المقدسة» شوف تشنها الأصولية الإسلامية أيضًا على الغرب.
وطالب إسحاق رابين كل الأمم والشعوب
لتكريس اهتمامها لمحاربة الخطر الكبير المتمثل في الأصولية الإسلامية! إنه «خطر
حقيقي وجاد في تهديد السلام العالمي خلال السنوات القادمة.. وكما كانت إسرائيل أول
من تفهم التهديد النووي العراقي، فإنها اليوم تقف على خط النار في مواجهة الإسلام
الأصولي»! إنها (إسرائيل) تعتبر نفسها خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية ضد
الإسلام المسلح، والذي يمثل حركة هي أشد خطرًا من الشيوعية، وبديلًا أكبر عداوة
منها!
هذه اللغة من الخطاب التحريضي
والتآمري على الإسلام يمكن وضعها ضمن السياق القائم في استغلال أي حدث فردي أو
جريمة عابرة أو حتى موقف وطني لإدانة الإسلام ومحاكمة الإسلاميين.
إن الإعلام الصهيوني المنظم يتحرك
دونما شك في إطار سياسة إسرائيلية وعقلية يهودية بالغة الحبك والتعقيد، استطاعت
حتى الآن استغلال بعض الأحداث في العالم العربي والغربي وتوظيفها لتحقيق عدة أهداف
أهمها:
1. تشويه صورة الإسلام وربطه بالإرهاب.
2. إظهار الحركة الإسلامية كخطر حقيقي قائم
أو محتمل، وبالتالي تجريد الإسلام من فعله السياسي، وحصره فقط فيمن يقبل الارتهان
للسياسة الغربية إجمالًا وهذا معناه تطويق حركة الإسلام السياسي واحتواؤها.
3. إيجاد نظام سياسي في المنطقة العربية بما
فيها إسرائيل، للعمل معًا لضرب حركة الصحوة الإسلامية والحفاظ بذلك على واقع
التجزئة والتبعية.
إن
حادث تفجير مركز التجارة الدولي في نيويورك كان له أثر تخريبي على سمعة الجالية
العربية والإسلامية، وبالرغم من التنديدات والشجب والاستنكار الذي أظهرته الهيئات
والمؤسسات العربية والإسلامية فإن الإعلام الصهيوني قد استطاع أن يقدم تبريرًا
للهجمة المنظمة ضد الإسلام، كما نجح أيضًا من خلال تغطيته وتحليلاته للحادث أن
يصرف انتباه الإعلام والمجتمع الدولي عن قضية المبعدين، وبالتالي تلاشي جهود الحشد
والتعبئة لتجميع المواقف في مواجهة السياسة التعسفية التي تمارسها إسرائيل في
المناطق المحتلة ضد الشعب الفلسطيني الذي يعيش ظروفًا احتلالية صعبة.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل