; الفاتيكان.. والإسلام «7».. «فضيحة علمية» من «الوزن الثقيل» | مجلة المجتمع

العنوان الفاتيكان.. والإسلام «7».. «فضيحة علمية» من «الوزن الثقيل»

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2007

مشاهدات 57

نشر في العدد 1749

نشر في الصفحة 34

السبت 28-أبريل-2007

 اكتشفت الكذب البواح والاغتيال الفكري الصريح الذي مارسه الحبر الأعظم ضد أفكار ابن حزم حول طلاقة المشيئة الإلهية

بلغ الافتراء عند بابا الفاتيكان حد الفجور إذا لم يقف عند ابن حزم وإنما عممه على الإيمان الإسلامي الذي وصفه بأنه «إيمان وثني أعمى»

ولقد ظننت في بادئ الأمر، لحسن ظني بأمانة الرجل الأكاديمية، أن الأمر لا يعدو أن يكون إساءة فهم منه للفكرة المنسوبة لابن حزم. وظننت أن ابن حزم يدافع عن طلاقة المشيئة الإلهية والقدرة الإلهية في مواجهة المعتزلة الذين أوجبوا على الله فعل الصلاح والأصلح. الأمر الذي يوهم أنهم قد حدوا من طلاقة القدرة والمشيئة الإلهية. وأن الأمر لا يعدو الرفض من ابن حزم لتقييد المشيئة الإلهية والقدرة الربانية.

لكن.. عن لي أن أختبر مدى الصدق والأمانة في هذا الذي نسبه البابا إلى ابن حزم نقلًا عن الأساتذة الكاثوليك - عادل تيودور خوري.. وأرنادليز...

ولم يكن هذا الاختبار بالأمر السهل أو الميسور، وذلك لأن البابا، أستاذ الفلسفة، قد وقع في سقطة علمية أخرى عندما نسب كلامًا لابن حزم، دون أن يقول لنا: ما الكتاب الذي قال فيه ابن حزم هذا الكلام.

إن لابن حزم عشرات الكتب، وبعض هذه الكتب تبلغ مجلداتها العشرات، ففي أي كتاب؟ أو جزء؟ أو صفحة؟ وفي أية طبعة من الطبعات يمكن العثور على هذا الذي نسبه البابا إلى الإمام ابن حزم؟ بل.. وفي أية لغة من اللغات التي ترجم إليها فكر ابن حزم تم النقل عنه من قبل الذين نقل عنهم بابا الفاتيكان؟!

لكن خطر القضية، وخطورة الحكم الذي حكم به البابا، أستاذ الفلسفة، على الإيمان الإسلامي، جعلني أستعين بالخبرة في التعامل مع المصادر ومظان القضايا والأفكار، حتى هداني الله فعثرت على المصدر الذي تحدث فيه ابن حزم حول هذا الموضوع في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل».

ولقد كانت المفاجأة العظمى عندما اكتشفت الكذب البواح والاغتيال الفكري الصريح الذي مارسه الحبر الأعظم والأساتذة الكاثوليك الذين نقل عنهم ضد أفكار ابن حزم حول طلاقة المشيئة الإلهية ولا محدودية القدرة الإلهية.

  • منهج الاغتيال الفكري على طريقة «... لا تقربوا الصلاة...»، و«... ويلٌ للمصلين... ».

  • فابن حزم لم يرد في كلامه ولم يخطر بباله أن يقول: «إن الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة، وأنه ما من شيء يلزمه بكشف الحقيقة لنا...» ومن ثم لم يقل إن مشيئة الله منفكة عن العدل، والمنطق المعقول، والصلاح، والأصلح. وإنما ميز بين قدرة البشر المحدودة، وبين قدرة الله التي لا تحدها حدود، وأكد في الوقت ذاته بالنصوص الصريحة اتساق المشيئة الإلهية مع الحكمة والرحمة، والعدل، والمنطق، والعقل. لأنه سبحانه مع طلاقة مشيئته وقدرته، لا يفعل الظلم، ولا الجور، ولا العبث، ولا الكذب مما لا يليق بذاته المتصفة بصفات الجلال والجمال والكمال. ومن ثم فلا يصدر عنه سبحانه ما ينافي الحكمة والعقل والمنطق. لأن فعل ذلك هو من صفات المخلوقين وليس من صفات الخالق. وهو سبحانه الذي كتب على نفسه الرحمة، والذي لا يظلم أحدًا، والذي لا يأمر بالفحشاء ولا المنكر، والذي أحسن كل شيء خلقه وقدره تقديرًا.

لقد كشفت نصوص ابن حزم عن حقيقة الإيمان الإسلامي. الإيمان بمشيئة إلهية وقدرة ربانية لا تعرف الحدود، ولا تتناهى. وفي ذات الوقت منزهة عن مجاوزة الحكمة والرحمة والعدل والمنطق والعقلانية، بكل ما تعني هذه المصطلحات عند الذين يفقهون ويعقلون. وحتى تتكشف العورة الفكرية والسقطة المنهجية والكذبة الكبرى التي سقط فيها أستاذ الفلسفة والحبر الأعظم للفاتيكان. هو وحزبه، نورد نصوص الإمام ابن حزم حول القدرة الإلهية والمشيئة الربانية في التصور العقدي للإسلام والمسلمين. وهو في هذه النصوص يقول لمن يسأل:

- هل طلاقة القدرة الإلهية القادرة على كل شيء تجعل الله فاعلًا للكذب مثلًا، وهو في مقدوره؟ فيقول ابن حزم في جواب هذا السؤال:

إن الله تعالى فعال لما يشاء، وعلى كل شيء قدير. وكان الله عليمًا قديرًا. فأطلق تعالى لنفسه القدرة وعم ولم يخص فلا يجوز تخصيص قدرته بوجه من الوجوه. فإن قال قائل: فما يؤمنكم، إذ هو تعالى قادر على الظلم والكذب والمحال، من أن يكون قد فعله أو لعله سيفعله فتبطل الحقائق كلها ولا تصح ويكون كل ما أخبرنا به كذبًا؟

ثم يجيب ابن حزم على سؤال هذا القائل:

وجوابنا في هذا أن الله تعالى قادر عليه، ولكن لا يفعله، وأنه تعالى لا يجور ولا يكذب ولا يظلم، وأنه تعالى قد أخبرنا بأنه قد تمت كلماته صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته، وأنه تعالى قادر، وليس كل ما يقدر عليه يفعله. وكل من يدين بأن الله حق مجموعون على أنه تعالى لا يكذب ولا يظلم. وقد صح إطباق جميع سكان الأرض قديمًا وحديثًا، لا نحاشي أحدًا، على أن الله تعالى لا يظلم ولا يكذب.

ولقد قام البرهان على أنه تعالى لا يشبهه شيء من خلقه في شيء من الأشياء، والخلق عاجزون عن كثير من الأمور، والعجز من صفة المخلوقين، فهو منفي عن الله عز وجل جملة، وليس في الخلق قادر بذاته على كل مسؤول عنه، فوجب أن الباري تعالى هو الذي يقدر على كل مسؤول عنه. وكذلك الكذب والظلم من صفات المخلوقين، فوجب يقينًا أنهما ينفيان عن الباري تعالى.

فهذا هو الذي أمننا من أن يظلم أو يكذب أو يفعل غير ما علم أنه يفعله، وإن كان تعالى قادرًا على ذلك. (1)

هذه هي نصوص الإمام ابن حزم الأندلسي، حول الإيمان الإسلامي بطلاقة المشيئة الإلهية، ولا محدودية القدرة الإلهية. وفي ذات الوقت تنزيه الذات الإلهية عن كل ما لا يليق بالحكمة المطلقة، والعدل المطلق، والرحمة المطلقة. لقد تنزه سبحانه عن العجز البشري، وعن فعل ما لا يليق بذاته المنزهة. لقد خلق كل شيء بقدر، وكتب على نفسه الرحمة، وهو ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (الشورى: 17)، ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥)، ومن ثم فلا تناقض بين طلاقة قدرته سبحانه وبين الحكمة والمنطق والعقل كما يفهمها الحكماء العقلاء.

تلك هي الحقيقة التي جهلها وتجاهلها بابا الفاتيكان، أستاذ الفلسفة، فافترى على الإمام ابن حزم، ونسب إليه ما لم يقله، بل افترى عليه عكس ما قاله!!

لقد قال ابن حزم: لقد أخبرنا الله تعالى بأنه قد تمت كلماته صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته...

وافترى البابا على ابن حزم عندما نسب إليه عبارة «إن الله لا يلتزم حتى بكلمته الخاصة»!!

وهكذا بلغ الافتراء حد الفجور، ثم صعد به إلى حيث عممه على الإيمان الإسلامي فوصفه بأنه إيمان وثني أعمى. فلم يقف الافتراء عند ابن حزم، وإنما عممه البابا على الإسلام وكل المؤمنين بالإسلام.

وهكذا تأسس الافتراء الغريب والعجيب على فضيحة علمية من الوزن الثقيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الهامش

(۱) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج ۲، ص ١٦٢-١٦٣، ١٦٤-١٦٧، ١٦٨، طبعة مكتبة محمد علي صبيح وأولاده ١٣٨٤هـ/١٩٦٤م.

 

الرابط المختصر :