; الفدائي الصغير.. فتى أصحاب الأخدود | مجلة المجتمع

العنوان الفدائي الصغير.. فتى أصحاب الأخدود

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2007

مشاهدات 87

نشر في العدد 1760

نشر في الصفحة 54

السبت 14-يوليو-2007

لقد جعل من نفسه قاضيًا وشاهدًا ومدعيًا في ساحة المحكمة فأصدر الأحكام دون مبالاة، وكال الخصوم سيل الاتهامات بلا أدلة، مما جعل الأعناق تشرئب متطلعة إليه والكل ينظر.. والكل مشدوه.. فما أسرع تلك المحاكمة، وما أشد حماقته في تقديم أدلة الإدانة، وما أغلظ قلبه في رفض الدفاع من قبل المتهمين، لذا كان الجميع يتعجبون من سرعة النطق بالحكم، وقسوته النابعة من كبرياء مزيف امتزج بغروره وطيشه، إذ توهم قدرته على نزع ما في الصدور من إيمان كبير وتمحيص ما في القلوب السلب حقيقته الغائبة عنه، نظرًا لعمى قلبه وسيطرة الران عليه. 

وأسفرت المحاكمة عن كم هائل وعدد كبير من الفدائيين الذين باعوا أنفسهم لله وشروها ليشتروا بها جنة عرضها السماوات والأرض، ولسان الحال يقول: «ما أعظم جرأتك على الله وما أحلم الله عليك أيها الملك الظالم».

القصة من البداية:

ولترجع إلى القصة من البداية.. حيث ذكر الله تعالى في القرآن الكريم قومًا كانوا كافرين لم يكتفوا بكفرهم وجحودهم، بل أرادوا حمل الناس عليه صغيرًا وكبيرًا، وقهروهم ليرجعوهم عن دينهم الذي اصطفاه الله لهم، لذلك فقد استحق هؤلاء الكافرون لعنة الله وغضبه ووعيده، فقال سبحانه: ﴿قُتِلَ أصحاب الْأُخْدُودِ﴾ (البروج:4): أي لُعن أصحاب الأخدود، والأخدود جمعه أخاديد وهي الحفر في الأرض. وقد كانت هذه الأخاديد بما يتأجج فيها من نار هي آلة العذاب التي استخدمها الطغاة في الصد عن سبيل الله ليزدادوا بذلك كفرًا على كفرهم، ويتحقق فيهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (النحل:88). «وأي إفساد أشد من إفساد القلوب وتشويه العقول وتدنيس النفوس؟ ولذلك لما راودوا المؤمنين بالله على الاستمرار معهم في دائرة الكفر التي هم فيها مأسورون، كان من الطبيعي أن يمتنعوا، وهل يرجع للأسر من ذاق طعم الحرية فعاش حرًا طليقًا ولو لحظات قليلة، أم هل يعود إلى الظلمات من رأى النور فاهتدى به وأحبه! لذا فقد رفض المؤمنون التحول عن دينهم الحق طرفة عين، وكانت النتيجة أن وضع إيمانهم في كفة وحياتهم في الكفة الأخرى».

ساعة الابتلاء والتمحيص: 

وهنا حانت ساعة الاختبار لتصفية النفوس وصقلها لبيان صدقها وزيفها، فشق الكافرون أخاديد في الأرض وأججوا فيها النيران وقعدوا حولها، إرهابا لمن أمن بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج:8) «فعلوا ذلك والله شهيد على فعلتهم، والكون من حولهم ينظر ويرى ويشهد سماؤه وأرضه هواؤه وشمسه خشبه وحطبه، فالكل شاهد بما يرتكب على ظهره، ومع ذلك لم يستح هؤلاء المجرمون، ولم يتحفظوا أو يحتاطوا لأنفسهم من الشهود وهم كثر! وها هي النار ذات الوقود تتلظى بفعلهم تساعدهم شياطينهم في اتخاذ القرار الإلقاء كل من آمن في النار وها هم يعلنون للجميع على الملأ أن من استجاب لنا أطلقناه، ومن استمر على إيمانه ما رحمناه، بل وفي النار قذفناه، وكل ذلك ابتلاء وفتنة لأحباب الله من المؤمنين فإنه سبحانه: «إذا أحب قومًا ابتلاهم» (الترمذي)، و«من يرد الله به خيرا يصب منه» (البخاري)، لكن الله تعالى يتفضل عليهم بالثبات كما تفضل عليهم من قبل بالإيمان، وبفضله ذاك وتثبيته إياهم اختاروا دون تردد، وقرروا دون تأخر، فكانوا بحق فدائيين، وكان الثمن أغلى ما يضحي به إنسان نفوسهم الغالية وأرواحهم الطاهرة».

الفدائي المؤمن:

إنه ذلك الغلام الفتى، المؤمن بخالقه، القوي الإيمان واليقين المتصبر بالله صاحب العقيدة الراسخة، والنفس السخية التي جادت بالروح في سبيل دعوة الناس إلى الإيمان بالله U... ويقال: إنه كان السبب - بعد الله تعالى - في إيمان من آمن ممن ألقي في الأخدود بعد أن اكتشف الملك إيمانه لكن هذا الغلام الفدائي سبق الجميع إلى الشهادة في سبيل توصيل رسالة الله إلى هؤلاء الناس، فكان مثلًا عاليًا لهم في التضحية، وأعطاهم درسًا عمليًا بليغًا في الفداء، رغم أنه كان فتى غضًا طريًا، لكنه فاق كثيرًا من الرجال ولم يضيع الله عمله إذ أمن الناس بدعوته ليكون إيمانهم جميعًا في ميزان أعماله يوم الدين، فإن «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا» (مسلم). وها هم أولاء قد وعوا الدرس فصاروا تلامذة له، وساروا على طريقه وقدموا مثلًا رائعًا في حب الله الذي ارتضوه إلهًا وربًا، ففضلوا حياة أرواحهم على حياة الأجساد، إذ ما أتعس الإنسان حين يكون بكفره ميتًا وسط الأحياء!

وكأني بالغلام المؤمن وهو ينظر إلى الملك الظالم الذي حاول هو وجنوده أن يقتلوه عدة مرات. وفي كل مرة يكفيه الله شرورهم بما شاء سبحانه، وتبوء محاولاتهم بالفشل، وهنا كان لا بد لهذا الداعية من خطة واعية تناسب الحال وتلائم الموقف، مما دفعه إلى تغيير مسار دعوته إلى حيز آخر ومساحة أوسع، فقرر أن ينقلها إلى عامة الناس!

 ربما وجدت فيهم آذانًا مُصغية وعقولًا واعية لم تتوافر في الملك الغافل المغتر بملكه وسلطانه، ولا في جنوده وأتباعه «الإمعة» الذين يسيرون على منواله، وإذا كانت آية إنقاذ الله له من القتل ليست بكافية أو مجدية معهم، ولم تدفعهم للنظر والتفكير ولو لحظات قليلة حتى يروا الحقيقة التي نسوها، ويعودوا للفطرة التي طمسوها، أو يطيبوا النفوس التي أمرضوها، فهنا لا بد من موقف يهزهم هزا، ويوقظهم بشدة، ليخرج مكنون القلوب من الفطرة التي تظهر معها تلك الحقيقة.. حقيقة ألا إله إلا الله.. ولو كان ثمن ذلك رقبته.

موقف الفداء:

انظر إليه بعين قلبك، إنه هناك يقف بإيمانه شامخًا كالجبل، واثقًا كل الثقة بوعد الله موقنًا بنصره، ها هو قد دخل على الملك الظالم دون خوف أو وجل يقول له متحديًا: « إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به، فإن فعلت ما أمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي» قال: وما هو؟ قال: «تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهمًا من كنانتي، ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني».

ففعل ووضع السهم في كبد قوسه، ثم رماه وقال: باسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم، ومات فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك، قد أمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: «اصبري يا أماه فإنك على الحق» (أخرجه أحمد).

من الفائز؟

وصعدت الأرواح المؤمنة إلى بارئها. وأضحى الكون يبكيهم بعد أن شهد مقتلهم، وكأني بالبقعة الطيبة من الأرض التي شهدت إيمانهم تحن وتشتاق إليهم. لكن لا بأس.. فسيأتي عليها يوم تحدث فيه بما عمل العاملون على ظهرها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة:4). وكما قال رسول الله ﷺ: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها» (أخرجه أحمد).

أما رؤوس الكفر وأذياله فيقال: إن النار قد خرجت من مكانها، فأحاطت بهم، فأحرقهم الله بها، فكان الجزاء من جنس العمل، كما أورثهم الذكر السيئ إلى يوم الدين، ودعا عليهم بالهلاك فقال سبحانه: ﴿ قُتِلَ أصحاب الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج:4-8). وخرجوا من دنياهم كما دخلوها فلم يضيفوا إليها شيئًا، ولم يتزودوا منها بشيء! ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ (الدخان:29). هذا بخلاف المؤمنين.. قال مجاهد: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا.. وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟

الرابط المختصر :