العنوان هندسة التأثير.. الفطاحل الأفذاذ
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 03-فبراير-2007
مشاهدات 64
نشر في العدد 1737
نشر في الصفحة 60
السبت 03-فبراير-2007
إن إتقان علم من العلوم والتخصص الدقيق فيه كان سمت علمائنا وأسلافنا الفطاحل الأفذاذ، بل إن بعضهم كان يتقن العديد من الفنون والعلوم، بل كان يبدع فيها وله فيها العديد من المؤلفات والتصانيف.
فها هو العلامة المفسر أبو عبد الرحمن إسماعيل النيسابوري الذي اشتهر بعلم التفسير والقراءات القرآنية، ثم غاص في علم الحديث والوعظ وألف فيهما العديد من المصنفات.
وكذا الإمام الشاطبي الذي اشتهر بباعه الطويل في علم القراءات القرآنية، ونال شهرة كبيرة بعمله نظم القراءات القرآنية المشهور بـ «متن الشاطبية»، ورغم أنه اشتهر في هذا العلم إلا أنه كان له باع طويل في النحو والفقه والحديث وله العديد من المصنفات فيها.
وهذا الإمام أبو محمد علي بن أحمد المشهور بابن حزم الأندلسي يقول فيه أبو القاسم صاعد بن أحمد: كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام، وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان، ووفور حظه من البلاغة والشعر، والمعرفة بالسير والأخبار.
وقال أبو عبد الله الحميدي: كان ابن حزم حافظاً للحديث، وفقيها مستنبطاً للأحكام من الكتاب والسنة، متفننًا في علوم جمة، وكان له في الأدب والشعر نفس واسع وباع طويل، وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه.
وقد ذكر ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه من تواليفه أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة.
وها هو شيخ الإسلام الإمام تقي الدين أحمد ابن تيمية، الذي برع في الفقه وأصوله، وفي العربية وعلومها، وفي التفسير وعلومه، وفي العديد من علوم الحديث، وبلغت مؤلفاته أكثر من ثلاثمائة كتاب، والغريب أنه كتب هذا الكم الكبير من المؤلفات رغم أنه كان منشغلا في الجهاد ضد جيوش التتار، وقد مكث أكثر من سبع سنوات في سجن الناصر بن قلاوون في مصر.
ولننظر كذلك إلى تلميذه الإمام ابن قيم الجوزية، فعلومه التي تلقاها وبرع فيها تكاد تعم علوم الشريعة، فقد درس التوحيد، وعلم الكلام، والتفسير، والحديث، والفقه وأصوله، والفرائض واللغة، والنحو، وغيرها، على علماء عصر المتفننين في علوم الإسلام، وبرع هو فيها، وعلى كعبه، وفاق الأقران، ويكفي في الدلالة على علو منزلته أن يكون هو وشيخه «شيخ الإسلام ابن تيمية» كفرسي رهان.
يقول ابن رجب واصفا شيخه ابن القيم «تفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفاً في التفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيها المنتهى، والحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط منه لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله، وبالعربية وله فيها اليد الطولى، والنحو وكان عالماً بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى».
ويقول عنه تلميذه ابن كثير:«سمع الحديث واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة، لا سيما علم التفسير والحديث، ولما عاد شيخ الإسلام ابن تيمية من الديار المصرية في سنة «۷۱۲هـ» لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علما جما مع من سلف له من الاشتغال، فصار فريدا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلا ونهارا وكثر الابتهال».
وقد ألف الإمام ابن القيم عدداً من كتبه المشهورة وهو في أسفاره، ولا يحمل شيئا من كتب مكتبته، ومنها: مفتاح دار السعادة، وروضة المحبين، وزاد المعاد، وبدائع الفوائد، وتهذيب سنن أبي داود.
وإذا نظرت إلى العلامة جلال الدين السيوطي فحدث عنه ولا حرج، إذ كتب وألف في كثير من العلوم والفنون حتى ذكر نفر من علماء المسلمين أنه أكثر من ألف كتبا في الإسلام، حيث بلغت مؤلفاته خمسمائة مؤلف، رغم أنه برز في علم الحديث والجرح والتعديل وفي علم التفسير، إلا أنه توسع في كثير من العلوم حتى بلغت همته حدًا لا يتصوره عقل إنسان.
من هنا فإن على من يرغب في أن يؤثر في هذه الحياة ويكون رقمًا صعبًا فيها أن ينبري إلى فن من الفنون أو علم من العلوم أو مهارة من المهارات فيسبح في أغوارها، ويغوص في أعماقها، ليكون ربانها ، يقود الناس إلى خيرهم وإلى ما ينفعهم، وهناك يستطيع أن يجر أعناق الناس إلى ما عنده من خير وفير ونفع كبير .