العنوان الفكر التربوي في الإسلام
الكاتب الدكتور علي رسلان
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1982
مشاهدات 75
نشر في العدد 572
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 25-مايو-1982
استند الفكر التربوي في الإسلام إلى نصوص القرآن الكريم وفي ظل تعاليمه مستلهمًا النهج النبوي قرآن و سُنة، ثم اتصل هذا الفكر بتيارات ونظريات ثقافية متنوعة الأصول متباينة الأهداف والغايات وتمكن من استيعابها وهضمها، وأخذ من وسائلها ما يتفق مع مبادئه، وأصبحت جزءًا من مناهجه التربوية.. إلى أن كبا جواد المسلمين و أبطأت حركة نشاطهم الفكري واتجهت إلى اجترار نتاج الأسلاف، ومدارسته بالتجميع والتأليف والاختصار الذي حفظ الأصول دون أن يضيف جديدًا يُعتد به في مسار العملية التربوية التي ظلت قاصرة عن التعبير عن حاجات المجتمع المتنامية، إلى أن دهم الاستعمار بلاد المسلمين بفكر يتمثل في نظام تربي يفصل بين الحاجات الروحية والمطالب المادية، ويسعى إلى إبعاد المجتمع الإسلامي عن مصادر توجيهه وقطع صلاته بها، وإضعاف القيم والعقائد التي بقيت محصورة في إقامة الشعائر، والاحتفال بالمناسبات وبعض المعاملات الاجتماعية والدينية؛ الأمر الذي أدرك المسلمون خطره وأحسوا بوطأته فارتفعت أصواتهم مُنادية بالإصلاح وتأكيد الذات وتأصيل المسار؛ فقامت نخبة من الربين بمحاولات جادة في البحث والتأليف في أصول التربية الإسلامية وأسسها ومناهجها وأساليبها وغاياتها، وإن جاء كثير منها مقصورًا على جزئيات مُتفرقة؛ وتمشيًا مع هذه اليقظة وتجاوبها عقدت ندوة خبراء حول موضوع أسس التربية الإسلامية في مكة المكرمة في مايو من هذا العام باشتراك خمس عشرة دولة عربية وذلك في إطار الجهود الرامية إلى تأصيل الفكر التربوي الإسلامي وتأكيد ذاتيته، و في هذه الندوة طُرح موضوع أسس التربية الإسلامية وذلك بهدف أساسي هو توضيح معالم التربية الإسلامية وتحديد أسسها و بحث مناهجها و وسائل تطبيقها في المناشط التربوية والتعليمية والإعلامية، وإعداد الكفاءات العلمية والتربوية والثقافية وتنمية قدراتها على تحقيق شمولها وتكاملها وتأثيرها في بناء المجمع وتوجيه حياتها.
وفي هذه الندوة تم مناقشة ثلاثة مجالات هي النظرة التربية الإسلامية.
والمجال الثاني هو واقع التعليم في البلاد الإسلامية من منظور إسلامي للجوانب العلمية والأدبية والدينية.
والمجال الثالث هو التخطيط للتربية في المجتمع الإسلامي.
وقد عملت الندوة على توضيح معالم التربية الإسلامية وتحديد أسسها وأصولها واشتقاقها من مبادئ كتاب الله- القرآن الكريم- وتعاليم السنة النبوية الشريفة و توجيهاتها ونتاج الفكر التربوي الإسلامي النشط عبر التاريخ والذي يتمثل في التراث الفكري والثقافي التابع من العقيدة الإسلامية والمرتبط بها وتوجيهه إلى متطلبات العصر الفكرية والروحية والمادية بصورة لا تتنافى ولا تتناقض مع الأصول و الأسس الدينية التي لا تقل التعديل أو التبديل ولا تتعارض مع الإفادة من نشاطات الفِكر الإنساني ومهاراته بصورة تزيل من نفس الإنسان المسلم والشخص المؤمن أي تناقض، وأن تزيل من نفسه أي تضارب بين ما يعتقده وما يفرضه الواقع الذي يعيشه، وقد تمكنت الندوة من الاتفاق على تحديد أسس التربية الإسلامية وخصائصها.
لقد تحدد الاتجاه العام في الندوة في أن الإسلام فيه بناء اجتماعي تربوي مُتكامل يقوم على مفاهيم ومبادئ ومضامين و وسائل وأهداف تشكل أسس التربية الإسلامية والتي يمكن إجمالها على النحو التالي:
مفاهيم عامة و مُسلمات كلية، وهي تتضمن إجابات شافية للقضايا الكبرى في حياة الإنسان والجماعة، وهي في مجملها تكون العقيدة الإسلامية، وتنطلق من شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله وما تفضي إليه من إيمان.
مجموعة من المبادئ والقيم تتضمن إجابات أساسية لمطالب الفِطرة في الإنسان عقليًا و وجدانيًا واجتماعيًا واقتصاديًا لكي تنتظم بها حياته في الجماعة الإنسانية في كافة مجالات الحياة، ومن أبرزها الإخوة والحرية والعدل والمساواة.
محتوى من المفاهيم والمسلمات والقيم والاتجاهات التطبيقية وهي التي تبني عليها مناهجه في الحياة الاجتماعية وفي الحياة المدرسية على حد سواء. إلى جانب طرائق وأساليب ووسائل وتشريعات لتطبيق وتحقيق هذا البناء في الواقع الاجتماعي والتربوي وهي الأساليب العامة التجريبية والعقلية والتاريخية والروحية التي تبني المجتمع الإسلامي.
بالإضافة لما سبق عناصر كاملة للتقويم والعلاج المستمرين والتي منها الثواب والعقاب والحوافز والأجزية والمكافآت لكل عمل وسلوك يصدرعن المسلم وهناك أيضًا أهداف يتوخي الإسلام تحقيقها لبناء الإنسان المسلم والمجتمع المسلم.
ونحن نرى أن نظام التربية لباس يجب أن يفصل على قامة البلد أو الأمة التي يراد تربية أبنائها وشبابها وعلى ملامحها الخاصة وعقائدها العزيزة وأدابها المفضلة وأهدافها التي تعيش لها وتموت في سبيلها، إنه لباس يجب أن ينسجم مع أجوائها ومع بيئتها التي تعيش فيها والأداب والعادات التي تحتضنها والتاريخ الذي تغار عليه والقيم والمثل العليا التي تؤمن بها. وإن سياسة التعليم أو المناهج التربوية ليست بضاعة لتستورد من بلد إلى بلد ومن أمة إلى أمة أو شجرة تقتلع من أرض وتغرس في أرض أخرى وأنه عمل ليس غير طبيعي فحسب بل هو أشبه بقتل شخصية الأمة وإبادة معنوية لها. إن عملية التربية ليست تعاطيًا ولا عملية بيع وشراء وليست بضاعة تصدر إلى الخارج أو تستورد إلى الداخل، إننا في فترات من التاريخ خسرنا أكثر مما ربحنا باستيراد نظرية التعليم الإنجليزية أو الأوروبية.
إن أفضل تفسير لنظام التربية هي أنها السعي الحثيث المتواصل ليقوم به الأباء والمربون لإنشاء أبنائهم على الإيمان بالعقيدة التي يؤمنون بها والنظرة التي ينظرون بها إلى الحياة والكون وتربيتهم تربية تُمكنهم من أن يكونوا ورثة صالحين للتراث الذي ورثه هؤلاء الأباء عن أجدادهم مع الصلاحية الكافية للتقدم والتوسع في هذه الثروة، وبذلك يكون هدف التربية عبادة الله حق عبادته، طاعة أوامره واجتناب نواهيه واتباع سنة رسوله في القول والعمل والتفكير والسلوك والاختيار.
الإسلام قواعد وبناء
إن من أخطر العِلل التي تجتاحنا، وتجعلنا ندور في فراغ قاتل، هي جهلنا لبديهيات ديننا، إن هناك قضايا بديهية كثيرة، هذه القضايا لا يجوز أن تكون غائبة عن أي مسلم، اتخذ هذا الدين طريقًا إلى حياة كريمة في الدارين، الأول والآخرة؛ لأنه متى غابت هذه البديهيات فلا بد أن يكون هناك تأثير على سلوك الناس سلبًا أو إيجابًا، تشددًا أو تفريطًا، هذه البديهيات يُطلق عليها علماؤنا- المعلومات من الدين بالضرورة- من هذه القضايا قضية أحب أن تكون واضحة في ذهن كل مسلم، لأنها إشارة البدء، وصفارة الانطلاق.
أنه عندما يتمثل المسلم هذه البديهية، فسيجد نفسه، يتابع الطريق بشوق إلى الله، مخلفًا وراءه جاهلية مازالت تخيم على قلوب الكثيرين، وتطمس معالم هذه الأمة وشخصيتها، وقد تستغرب أخي المسلم إذا قلت أن علماءنا قد نفوا أن من أولى البديهيات أن نعرف ماهية الإسلام، وإن نحسن وصفه، بحيث لو سألنا السائل ما هو الإسلام، كان جوابنا صحيحًا ومفهومًا.
يجب أن تكون حقيقة الإسلام معروفة لدى كل منا، حتى أنهم قالوا في المرأة إذا تزوجت وهي صغيرة، ثم كبرت وبلغت، وهي صغيرة، ثم كبرت وبلغت، وسئلت عن الإسلام ولم تحسن وصفه، فإن عقد الزواج من أساسه يكون فاسدًا، لأنها لا يمكن أن تكون مسلمة في هذه الحالة، وهي لم تعرف ما الإسلام.
من هذا ندرك أن الوصف لحقيقة الإسلام، ينبغي أن يكون معروفًا لدى كل مسلم، هذه القضية يجب أن تكون واضحة في أذهاننا لأنها إن لم تكن كذلك فإن انحرافًا خطيرًا على السلوك سيكون.
إن البديهيات بقد ما تكون واضحة في الأذهان، ينعكس ذلك على السلوك، فهناك تصور، وهناك سلوك يعبر عن هذا التصور، وعندما يكون التصور منحرفًا وغريبًا، يكون السلوك كذلك، إن أدراكنا لهذه البديهيات يعتبر فرض الفروض على كل مسلم.
ما هو الإسلام؟ هل الإسلام ما يعبر عنه قول الرسول- عليه الصلاة والسلام- بني الإسلام على خمس.... ثم ذكر عليه السلام الشهادتين والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، إن الرسول- عليه السلام-قد قال، بني الإسلام على خمس، ولم يقل عليه السلام، الإسلام خمس، وفرق شاسع بين اللفظين... كثير من الناس يرون إن الإسلام هو هذه الفرائض الخمس، وأنهم لو طبقوها فإنهم قد طبقوا الإسلام كله، وهذا غلط في الفهم عظيم.
عندما أقول إن هذا البيت بُني على دعائم أربعة، لا يعني هذا أن البيت هو هذه الدعائم الأربعة فقط وإنما هناك بناء يتشكل منه هذا البيت وفي البيت غرف، وصالات.. أي أن هناك أركانا للبيت هي الدعائم أو القواعد، وهنا البناء الذي يؤلف البيت، مجموع الأركان والبناء هو البيت، كذلك الحال في الإسلام هناك الأركان وهناك البناء، ومجموع الأركان والبناء هو الإسلام، من لم يفهم هذا الفهم، فإنه على خطأ، وعلى خطأ عظيم.
ما هو البناء، البناء هو أحكام الله عز وجل في كل قضايا البشر، نفهم ذلك من قوله جل جلاله في وصف كتابه ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89)- وكذلك قوله تعالى﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (يوسف: 111)- فليست هناك قضية من قضايا البشر، في إطار الفرد أو الأسرة أو المجتمع أو العالم، إلا ولله فيها حكم، أحكام الله- عز وجل- هذه هي الإسلام، الإسلام الذي مصدراه الرئيسيان هما الكتاب والسنة، اللذان وجد فيهما الهدى لكل شيء، وهما اللذان قعدا القواعد التي نستطيع من خلالها أن نحكم بحكم الله على الأشياء التي ليست واضحة في الكتاب والسنة، من خلال قياس أو إجماع أو مصالح مُرسلة أو استحسان أو استصحاب أو غير ذلك من اجتهاد أئمة الاجتهات وفي هذه الأمة، فالإسلام له حكم في كل شيء.. كل ما نرى في العالم وما نسمع وما نشاهد، الله فيها حكم وحكم الله هو الأعدل وحكم الله هو الأحسن، وحكم الله هو الأحكم.. هذا الحكم هوعلم لا جهل معه، ويجب على البشرية أن تُدرك هذا، وما ذلك إلا مصداق قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: 124).
والإنسان بين طريقين، أما أن يلتزم مع هذا الدين بكل ما فيه، فيفوز بطهر قلب، وسمو سلوك، وأما انحراف عن هذا الدين يقوده إلى قلق القلب وانحراف السلوك، ثم يجد النار أمامه وما أصعب النار!! ليست نارًا ليوم أو يومين، إنما هي في حق الكافر الأبد والخلود، والحجة قائمة على كل إنسان، فليكن الرجوع لله اليوم قبل الغد، ولتكن توبة قبل موت ويمكن أن يأتي بعد لحظات قليلة.
عود على بدء أقول: إنه إذا أردت أن تكون مسلمًا حقًا، مسلمًا تعد فردًا في حزب الله الذي لم ولن يغلب- إلا أن حزب الله هم الغالبون- فعليك أن تكون على مستوى المسؤولية، مسؤولية فرضها عليك أنك خليفة الله في الأرض، و أول ما تعني هذه المسؤولية، الكفر بالطاغوت والفرار من الشرك والكفر والبعد عن مفاهيم الجاهلية وقيمها وأخلاقها، و والله لن تكون مسلمًا والطاغوت في الأرض يعبث، وأنت ساكت ولن تكون مسلمًا وحكم الله مُهدر وأنت ساكن، ولن تكون مسلمًا، وأنت ولاؤك كل ولائك للطاغوت وأهله.
فأفهم الإسلام كما فهمه صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقل مع الصديق أبو بكر رضي الله عنه، بعزيمة واستعداد- أنقص الدين وأنا حي- ولنكن أخي المسلم بناءً قويًا مانعًأ في وجه أعداء الله ندافع عن هذه الدين، و أول لبنة في هذا البناء، تبنى في نفوسنا، نفهم الإسلام فهمًا حركيًا بغير خوف، فإنه والله عز الدارين، ومنجاة العاقلين.
لعل هذه الكلمات تكون تذكيرًا لك، أو تعليمًا إن كنت تجهلها، ومعلمًا لطريق يجب على كل مسلم أن يسلكه، فتباشير صبح أغر لاحت في الأفق، ولا أظنك متأخرًا عن القافلة.. وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أسعد الشامي
الرياض- ص.ب: 7742
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل