; الفنون الجميلة وحجاب المذيعات تلهب الساحة الثقافية المصرية | مجلة المجتمع

العنوان الفنون الجميلة وحجاب المذيعات تلهب الساحة الثقافية المصرية

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 10-يونيو-2006

مشاهدات 47

نشر في العدد 1705

نشر في الصفحة 30

السبت 10-يونيو-2006

انتشر الحجاب في مصر والعالم العربي والإسلامي حتى بات مظهرًا مألوفًا في الشوارع والجامعات والمصالح الحكومية وفي كل مكان، وازداد كره القوى العلمانية والمعادية للإسلام «للحجاب ومظاهره»، فأخذت تحذر من زحف الحجاب، خاصة إلى داخل أجهزة الإعلام الرسمية المصرية التي ما زال قادتها يرفضون ظهور المذيعات على شاشة التلفزيونات الرسمية بالحجاب!

  • الحجاب بات أمرًا طبيعيًّا.. وردًّا على موجة الانحلال السائدة.

  • تحريم بعض الطلاب للنحت والتماثيل أغضب بعض أساتذة كلية الفنون الجميلة، ورأوا فيه انهيارًا في ثقافة الطلاب الفنية!

  • نسبة المحجبات في الجامعة الأمريكية عام ٩٢ نحو ١٠% وارتفع في العام الماضي إلى ٤٠%.

امتد التحريض ضد الحجاب إلى طالبات كليات الفنون الجميلة بزعم أن الحجاب وأفكار الفتيات بشأن «تحريم» فنون مثل نحت التماثيل أمور تعوق التقدم والتنمية!

وساهم في إثارة هذا الجدل ارتفاع نسبة المحجبات في دفعات كليات الإعلام بالجامعات المصرية خصوصًا قسم الإذاعة والتلفزيون الذي يعد المفرخة الطبيعية للمذيعات بنسب تقترب من ٩٥% بشكل يفرض مستقبلًا المذيعة المحجبة على جهاز التلفزيون، أو الاستعانة بطالبات سافرات غير متخصصات في الإعلام، فضلًا عن تنامي أعداد الطلاب والطالبات في كليات الفنون الجميلة الذين يرفضون دراسة فنون النحت باعتبار أنها حرام!

تلفيق إعلامي للالتزام الديني

وتبدو قضية حجاب المذيعات أكثر قبولًا: خصوصًا بعدما ظهرت المحجبات في العديد من الفضائيات, رغم استمرار الرفض الرسمي المصري للمذيعات المحجبات ومنع ٤٥ منهن من الظهور على الشاشة، فقد جاء الجدل ساخنًا هذه المرة حول ما أسمته بعض الصحف العلمانية «انتشار التطرف في كلية الفنون الجميلة» وأن هناك «طلاب يؤمنون بأن ما يدرسونه حرام» ، وعلى الرغم من أنه لا توجد إحصاءات رسمية موثقة عن أعداد المحجبات في الجامعات المصرية وخصوصًا كليات الإعلام وأقسام الإذاعة والتلفزيون، فإن الظاهرة لا تحتاج لرصد، ويكفي ما تقوله خريجة كلية الإعلام جامعة القاهرة «منار محمد» من أن بعض الدفعات لا يمكن حصر عدد المحجبات بها؛ لأن الصحيح هو العكس حيث يمكن بسهولة إحصاء عدد السافرات، وأنه من بين ۲۰۰ طالبة مثلًا في إحدى الدروس يمكن حصر 5 سافرات والباقيات محجبات.

ولم تقتصر الظاهرة على الكليات الرسمية المصرية بل تخطتها إلى الجامعات الخاصة والجامعة الأمريكية بالقاهرة التي تعتبر رمز الانفتاح بالنسبة للفتيات، حتى إن الطالبة السابقة بالجامعة «شيرين فهمي» والطالب «طارق محمود» يؤكدان لــ «المجتمع» أن نسبة محجبات الجامعة الأمريكية عام ١٩٩٢ كانت حوالي 10%، ثم بدأت في التزايد حتى بلغت حاليًا قرابة 40%, إضافية إلى ثماني منقبات.

 ورغم تأكيد نسبة كبيرة من فتيات كليات الإعلام أنهن يلبسن الحجاب لأنه أمر شرعي واجب، فهن يخشين البطالة عقب التخرج لرفض التلفزيونات الرسمية السماح لهن بالعمل محجبات، ولذلك تأمل الكثيرات منهن أن يحظين بفرصة عمل في الفضائيات الدينية، أو أن ينتهي هذا التعسف الحكومي في منع ظهور المحجبات في التلفزيونات الحكومية مستقبلًا، لأن مذيعات المستقبل؛ كما يقلن -سيكن محجبات بالأمر الواقع- في ظل ارتفاع نسبة الحجاب في مصر والعالم العربي عمومًا, ويتفق العديد من أساتذة كليات الإعلام مع الطالبات في هذا الرأي، ويرون أن الحجاب بات أمرًا طبيعيًّا في العصر الحالي وأنه رد على موجة الانحلال السائدة في عالم اليوم، كما أنه لا يعوق المذيعة عن أداء عملها بل إن بعض أفلام السينما والمسلسلات بدأت تظهر فيها الشخصية المحجبة -آخر الفنانات المحجبات حنان ترك (٣١ عامًا) - ويسمح بأدوار مهمة للممثلات المحجبات بعد التخلي عنهن لفترة، وأن المعيار في كل ذلك هو الكفاءة لا الشكل، بدليل أن هناك عشرات المذيعات السافرات تنقصهن الكفاءة والثقافة.

المهارة هي المقياس

ويؤيد هذا الطرح الذي تقوله الفتيات عدد من أساتذة كليات الإعلام مثل د. هويدا مصطفى أستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة -التي تقول إن الحكم الأساسي في اختيار الشخصية الإعلامية هو مهاراتها في التعامل مع آليات العمل الإعلامي، بينما ترى د. حنان يوسف -أستاذ الإعلام بجامعة عير شمس- أن الحجاب حرية شخصية بحتة من حق كل فتاة أن ترتديه، خاصة أنه أصبح ظاهرة ملحوظة بشكل كبير في المجتمع المصري، وأن مسألة عمل المرأة المحجبة في المجالات الإعلامية لا ينتقص من قدرتها ما دامت ملتزمة بأجندة القناة التي تعمل بها.

 ويؤكد د. أيمن منصور، الأستاذ بقسم الإذاعة بكلية الإعلام- جامعة القاهرة كثرة المحجبات داخل قسم الإذاعة والتلفزيون بالكلية بالفعل، ولكنه يقول: ليس كل من يتخرج في قسم الإذاعة يعمل مذيعًا أو مقدم برامج فقط، فهناك مجالات كثيرة ومنهـا الإعداد والتصوير والمونتاج والإخراج، كما أن التلفزيون المصري ليس هو النافذة الوحيدة للعمل، وإنما هناك العديد من القنوات الفضائية التي قد تقبل المحجبات.

 أما د. سامي الشريف- وكيل كلية الإعلام وشؤون التعليم والطلاب -فيرى أن انتشار الحجاب في المجتمع المصري خلال الفترة الأخيرة هو انعكاس لواقع اجتماعي وليس مقصورًا على كلية الإعلام فقط، وإنما في المجتمع ككل باعتبار أن كلية الإعلام جزء من المجتمع الذي نعيش فيه، وهو أمر شخصي لا ينبغي النظر إليه بواقع النقد والريبة أو الشك, وكل إنسان من حقه أن يسلك الطريق الذي يعى أنه يتفق مع قيمه وعاداته وتقاليده وقناعاته الخاصة.

ومثلما أثار لبس الحجاب بين المذيعات جدالًا حول مستقبل العمل الإذاعي التلفزيوني، أثار انتشار الحجاب والنقاب الأفكار الدينية بين طلاب كليات الفنون الجميلة -خصوصًا أقسام النحت والرسم والتصوير -جدالًا أشد حول مستقبل الفن, حتى إن صحفًا ومجلات مصرية دأبت على مهاجمة الحجاب والأفكار الدينية، خرجت عناوين مثيرة من نوعية «فنانون يكرهون الفن!» كتعقيب على انتشار هذه الظاهرة بين الطالبات.

وزاد الجدل بعدما صدرت فتوى للشيخ الدكتور علي جمعة مفتي مصر تحرم اقتناء التماثيل المنحوتة، وتم رصد ردود أفعال صريحة لطلاب وطالبات متدينين يعتبرون أن ما يدرسونه حرام، وأن الفن -بمعنى النحت كرسم حرام، وانتقد وزير الثقافة المصري رأى المفتي، وأجرى التلفزيون المصري لقاء مع المفتي أثيرت فيه أسئلة من نوعية هل تطلب زوجة النحات الطلاق من زوجها؟ الأمر الذي دعا المفتي لمناشدة هؤلاء الزوجات رغم أن القضية ليست مثارة فعليًا- طلب الطلاق!

وعلى حين يؤكد مثقفون مصريون وعلماء أزهريون أنه لا توجد مشكلة مع «الفنون الجميلة»- باستثناء التماثيل المجسمة المنحوتة المتخذة زينة في المنازل-، بدليل أنه منذ مائة عام أصدر الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية فتوى يؤيد فيها إنشاء مدرسة للفنون الجميلة، يرى آخرون أن التيار العلماني يسعى لتشويه صورة التيار الإسلامي وطرح قضايا جدلية معروف حكمها في هذا الوقت تحديدًا الذي يشهد صعودًا للتيار الإسلامي.

تحريم التماثيل

أيضًا يؤكد طلاب وطالبات كلية الفنون الجميلة بالقاهرة أن الفن الجميل ليس مجرد تماثيل مجسمة، وكذلك التصوير، وأن هناك نحتًا وتصويرًا ورسمًا لمناظر طبيعية وفنونًا جميلة أخرى بعيدًا عن بعض أنواع النحت التي تثار حولها الشبهات، ويرى آخرون أنه حتى النحت -كمادة تعليمية- ينتهي بهدمهم الأشكال أو التماثيل التي ينحتونها في نهاية الدرس، ولكن هذا يغضب العديد من أساتذة الكلية الذين تربوا في مراحل تاريخية مختلفة اختلفت فيها حالة التدين عن الوقت الراهن.

ورغم هذا فقد أوردت مجلة «روز اليوسف» الحكومية المصرية مؤخرًا ضمن الحملة على فتوى مفتي مصر بشأن التماثيل ما اعتبرته دليلًا على تطرف طلاب كلية الفنون الجميلة في صورة تصريحات لطلاب الكلية تعتبر أن ما يدرسونه حرام.

ولأن تحريم هؤلاء الطلاب والطالبات للنحت والتماثيل أغضب بعض أساتذة كلية الفنون الجميلة، ورأوا فيه انهيارًا في ثقافة الطلاب الفنية، فقد أرجعوا ذلك -مثل الدكتور محمد السيد العلاوي وكيل كلية الفنون الجميلة وأستاذ النحت -لتأثر الطلاب بالفتاوى التي تصدر بشأن تحريم التماثيل أو رسم مظاهر أخرى عارية، رغم أن النحت -كما يقول- «ليس محاكاة أو مضاهاة وإنما تشبيه مثل تحويل نص عربي لترجمته للغة أخرى».

وزاد من حدة هذا الجدل رغم أنها قضية محسومة فقهيًا منذ زمن ما ذهب إليه الدكتور عبد المعطي بيومي، عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر سابقًا وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة بالقول إن أصنام العبادة حرام، وتماثيل الزينة حلال في مقالة نشرها بالعنوان نفسه في صحيفة المصري اليوم، واعتبار مثقفين أنها قضية استهلاكية، لا معنى لها في دولة بها ١٠ كليات حكومية تدرس فن النحت وأكثر من ٢٠ كلية تدرس تاريخ الفن!

وصب عليها آخرون زيتًا مشتعلًا بطرح قضايا فرعية أخرى وأفكار حول إمكانية قيام مصريين بهدم التماثيل الفرعونية مثل رئيس تحرير أسبوعية «أخبار الأدب» جمال الغيطاني الذي وصف الفتوى بأنها «كارثة» ولم يستبعد أن يدخل شخص إلى معبد الكرنك في الأقصر أو أي معبد فرعوني آخر لينسفه «اعتمادا على فتوى جمعة» التي قال إنها «طالبانية» ، نسبة إلى نظام طالبان الذي حكم أفغانستان وهدم تمثال بوذا الشهير!

الرابط المختصر :