; قصة قصيرة: القات | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة: القات

الكاتب د. حمدي حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1996

مشاهدات 87

نشر في العدد 1219

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 01-أكتوبر-1996

لم يكن شيء أشق عليه من مصافحة الناس.. الخشونة والتشقق اللذان خلفهما المرض كانا يضطرانه لاعتزال الناس ما استطاع.. كان كل سلام على الناس جمرة تحرق قلبه وكل يد تمس يده باستنكار تحرك جرحًا مزمنًا في قلبه لا يندمل، ويضطر لأن يحكي لصديقه قصة هذه الخشونة الكريهة وقصة الداء الأرعن الذي تسلط عليه بلا رحمة.

ذلك «ثابت» يمني من ربى صنعاء يحمل قساوة الطبيعة وعنوانها في وجهه كما يحمل كرمها وشموخها خرج مع الألوف من اليمنيين سواه يكافحون من أجل لقمة العيش وإن كانت دوافع خروجه تختلف عنهم قليلًا، فسقط في براثن مرض جلدي مقزز، حتى صار المرض هاجسه الذي لا يفارقه صار يحدث الناس عن نعمة خافية لا يعرفها إلا من فقدها نعمة اليد الناعمة ونعمة الجلد السليم، وكم كرر الأصدقاء قولته، ليته كان مرضًا داخليًا أنعم به بعيدًا عن أعين الناس ونظراتهم وأسئلتهم التي لا ترحم، إن الأمراض الباطنية من نعم الله!!.. وكان «ثابت» يحب البحر كثيرًا وكم ذهب إلى «الحديدة، خصيصًا لينعم بأمسية ساحلية يعانق شواطئ اليمن الزاخرة ويلم قطع المرجان والأصداف ولكن منذ أن سمّى الطبيب داؤه صدفًا صار يكره البحر والسمك والأصداف.. لقد تناثرت الآفات الجلدية فعلًا كالأصداف الحمراء المرتفعة على جسده!!.

لم يكن يأبه كثيرًا للبقع الداخلية المستترة عن أعين الناس رغم أنها تجمعت على بطنه مشكلة درعًا صدفيًا يتشقق وينزف دمًا كلما انحنى أو تمطط، لكنه كان يشعر بالحرج والخجل الشديدين من تلك التشققات التي شوهت يديه وبدأت تطل من وجهه الشيطان حتى جعلت يده كقطعة خشبية قدت من شجرة صفصاف.

علاجات الأطباء كانت تسفح على جلده كالماء على الصخر الصلد لا تكاد تؤثر به... ولم يكن يكره من الصدف إلا علاجه القطران لقد جعل منه بين إخوانه بعيرًا معبدًا رائحته تزكم الأنوف كما أن منظره يزكم العيون، فصار يعاني من الحشف ومن سوء الكيلة واستحالت حياته إلى نكد وعذاب لا يطاق.. ويسأله أحد أطبائه الكثيرين الذين استعرضهم قل لي يا ثابت كم لك غارق في بحر الأصداف الجلدية هذه؟ لقد مللت أنا منك.. ألم تمل أنت من مرضك؟! العلاج قاصر والداء كاسر وحركات المد والجزر بين الداء والدواء غير متكافئة.. يزحف الداء ميلًا ويزحف الدواء فتيلًا وأين الفتيل من الميل وأنّى للدواء أن يدرك الداء.

قل يا ثابت شيئًا واكشف عن سر دفين تخبئه في بطن الأصداف لعله يقدم شيئًا في علاجك، ويزفر ثابت زفرة مكلوم حبيس تحت الأنقاض الداء قديم يا طبيب قديم قدم صنعتي وعملي في الخليج.. إن هنالك رحى تطحن قلبي أعتى من هذه التي تطحن جلدي وتصنع منه أصدافًا فارغة بلآلئ أصداف مليئة بالدم والأسى، لقد دهمني الداء في غربتي غربتي المليئة بالقهر والمرارة، اليمنيون هنا يعملون لشراء البيوت والبساتين وزيادة الأرصدة وأنا أقطع الصخر ليل نهار لا لأعيل أسرتي بل لأعين والدي حفظه الله على تخزين القات.. والدي مخزن يمني عريق للقات.

والقات في بلدي نبتة وطنية صالحة يا طبيب تفوق القمح والحبوب في صلاحها ووطنيتها.. إنها نبتة حلال لكنها غالية المهر كالحسناء... ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر، لقد صارت تراث الشعب اليمني وشريك أهاته وأناته.. ليست ضاربة الجذور في تاريخنا، لكننا نصنع لها جذورًا ونضربها فيها بل نحن نضرب جذورنا فيها ونكاد نزرع غصن القات في علمنا ونقودنا وأوراقنا الرسمية كما زرعناه في قلوبنا وعيوننا- وزينا به سهراتنا ومجالسنا نكاد نحنك مواليدنا منذ ولادتهم بالقات ونبث لهم عصير القات في زجاجة الحليب.. صرنا نقلع غصن القمح لنزرع غصن القات.. نجوع لنخزن وتضوي أجسادنا لتنتفخ خدودنا.. صرنا نغتال رغيف الخبز لنحلم بكعكة خيالية في ظلال القات ونحطم سيقان اقتصادنا لتنقلنا سيقان عيدان القات إلى أمال اقتصادية عريضة زائفة ومستقبل سرابي زاهر، منذ قرن ونحن نخرب مزارعنا بأيدينا لنكبر جنّة القات.. منذ قرن والقات يغني مساحات التفكير في عقولنا الصغيرة فإذا انقشعت غيمة القات سقطنا صرعى التنبه الفكري والجسدي ووقعنا في واد سحيق من نوم القات... فلم تحقق من الثراء الفكري القاتي إلا الفقر، ولم نعد من مشاريع القات العريضة إلا بالشخير والإنهاك.

 أيها الطبيب إن والدي شيخ أقعده الدهر عن السعي للقمة عيشه لكنه ما زال يسعى خلف القات لأن القات يصنع له شبابًا من سراب وهمة من ضباب، وقد صرت بالضرورة معيله وخازن قاته كخازن جهنم إلى القات قال له الطبيب وكأنه وضع يده على موطن الداء: أعرف أن على الولد أن يطيع أباه بالمعروف وأن يعيله بالمعروف أما أن يطيعه في معصية فلا... فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. قال ثابت ولكن زراعة القات في ربوعنا ليست معصية وقد أكلت أجسادنا وأعصابنا ودمرت مزارعنا وأحالت يمننا السعيد إلى يمن شقي بئيس.. القات من المعروف يا طبيب ولا أملك إلا أن أسدي ذلك المعروف لوالدي وضيوفه.

فاعمل معروفًا وأعطني القار الجلدي، حتى أتوقف عن الحك وأتابع عملي الشاق وأخزن منه بعض المال ليخزن أبي بعض القات.

تركه الطبيب وهو يتذكر حديث رسول الله: إن من الناس من يُنادى جبارًا يوم القيامة وهو لا يملك إلا زوجه وأولاده..

 نعم كم في بيوتنا من طواغيت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

183

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

130

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم