; القرن الإفريقي يشتعل | مجلة المجتمع

العنوان القرن الإفريقي يشتعل

الكاتب محمد امين العباس

تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1989

مشاهدات 64

نشر في العدد 947

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 26-ديسمبر-1989

- القرن الإفريقي يختزن أشكال الأقليات وقابليته للانفجار مهدت الطريق أمام التدخلات الأجنبية.

- أخطار التمزق التي تطوق إثيوبيا جعلتها تسعى جاهدة لخلخلة أمن دول الجوار واحتضان الحركات الانفصالية

انفضت في نيروبي في الأسبوع الأول من هذا الشهر المفاوضات التي عقدت بين حكومة ثورة الإنقاذ الوطني في السودان ووفد من حركة التمرد الجنوبية، والتي تمت تحت رعاية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والذي كان قد عقد جولة من المفاوضات بين ثوار إريتريا -الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا- ووفد الحكومة الإثيوبية. وتنعقد حاليًا في روما جولة مفاوضات بين وفد النظام الإثيوبي والحركة الشعبية لتحرير التيغراي تدلل تلك الجولات المختلفة على حجم الانفجار الصراعي الذي يشهده القرن الإفريقي، وإذا ما وصلنا ذلك بالأحداث التي تشهدها الساحة الصومالية يتضح أن القرن الإفريقي يعيش أوضاعًا ساخنة تتطلب بعض الإسراع في المعالجة.

يشهد القرن الإفريقي خلال الآونة الأخيرة صراعًا داخليًا واسعًا يتصل في مجمله بوشائج وأطماع خارجية مختلفة، وبالرغم من أن بدايات الصراع ضاربة في عمق السنوات التي أعقبت حصول تلك الدول على الاستقلال، إلا أن بعض ذلك الصراع ظل كامنًا ينتظر اللحظة المناسبة، كما أن الصراع المنبعث من الاستغلال والظلم يتلاحم الانفجار فيه بتحقيق أهداف مطلوبة لبعض دول الإستراتيجيات الدولية، وهذا النموذج ينطبق على حركة التمرد في جنوب السودان وحركات التحرير في أرومو وحركة الأوغادين الوطنية والفصائل الأريترية المختلفة وحركة التيغراي. وبالإضافة لصورة النظام القائم ومعارضيه في الصومال ويبدو أن الصراع يتصل في نهاياته بالدولة الإثيوبية والتشكيل الإثني «العرقي» لها ومن خلال استقراء الخريطة السياسية للقرن الإفريقي نجد أن إثيوبيا تمثل البؤرة المركزية للصراع، فهي إما المستهدفة أو إنها وسيط داعم لأحد أطراف الصراع. وبصفة عامة فإن الصراع يبدو متداخلًا بين الإثنية «العرقية» والصراع الأيديولوجي «العقائدي»، ولهذا فإن دوافع التدخل من قِبَل الدول الكبرى والمؤسسات الدينية «مجلس الكنائس الإفريقي» و«مجلس الكنائس العالمي» تجد مبرراتها في التشكيك المتميز للأطراف المتصارعة، فالدول الكبرى بصفة عامة تتطلع إلى بقاء نفوذها على دول المنطقة ويتعلق هذا في مجمله ببقاء الوضع القائم بتقسيماته الحالية على ما هو عليه، وهذا يتصل بإثيوبيا مركز الصراع كما أسلفنا كما يتعلق بجنوب السودان الذي يفضل أكثر الغرب بقاءه ضمن الدولة حتى يحجم التطلع السوداني في استقلالية القرار الوطني. ويمكن أن نوجز تفصيلًا موجزًا عن كل طرف من أطراف الصراع.

الصراع الإريتري

الصراع بين الشعب الإريتري والدولة الإثيوبية صراع قديم يمتد في جذوره إلى بداية الخمسينيات عندما وافقت الأمم المتحدة على وضع إريتريا تحت الحماية الإثيوبية وفي عام ١٩٦١ اندلع الصراع بحركة تحت قيادة حامد عواتي -رئيس البرلمان الإريتري- وظل الصراع يشتعل حينًا ويخمد أحيانا أخرى. فالإريتريون يريدون الاستقلال التام وإجراء استفتاء إن كان لابد لإثيوبيا من معرفة حقوقها في إريتريا، وبذلك يتم تقرير المصير لإريتريا والصراع هنا قومي، ولأن إثيوبيا هي جزيرة وسط البحر الإسلامي، وما إن إريتريا تمتلك كل الساحل على البحر الأحمر وهو المنفذ الوحيد لإثيوبيا فإن استقلال إريتريا يظل قرارًا مرفوضًا للدول الكبرى كما هو مرفوض لإثيوبيا، وبالرغم من أن المسيحيين في إريتريا يمثلون 30% تقريبًا غير أنهم في الفعالية السياسية والعسكرية يمثلون 60% وهو نهج أراده الغرب حتى لا تفلت أزِمّة الأمور من أيديهم وهذا يفسر قوة الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا -أفروقواسياس- وبالرغم من التوجه العلماني للفصائل الإريترية الأخرى إلا أن الغرب يدعم النظام الإثيوبي أيًا كان لونه السياسي «إمبراطوري أو جمهوري شيوعي» اعتمادا على أن إثيوبيا لابد لها من استكمال وجودها الإستراتيجي بهيمنتها على (١٦٥) كيلومترًا هي طول الساحل الإريتري على البحر الأحمر.

صراع التيغراي

يعتبر صراع التيغراي مع إثيوبيا الجمهورية صراعًا حديثًا نسبيًا، وهو ينطلق من الطموح القومي لشعب التيغراي وشعوره بهضم حقوقه في السيادة الإقليمية والقومية، وهو صراع ضد سيطرة الشعب الأمهري والذي ظل يحكم منذ منتصف القرن السابق، والتيغراي شعب مسيحي أو وثني في مجمله، وبالرغم من ذلك يقف الغرب المسيحي والمؤسسات الكنسية ضد ذلك الطموح بناء على أن إثيوبيا موحدة تحت سيطرة المسيحيين بغض النظر عن أعراقهم أفضل إستراتيجيًا من دويلات مسيحية هشة في بحر إسلامي حي ومتفاعل.

الصراع الأرومي والأوغادين

يتصل صراع شعب الأرومو بالظلم الواقع على الأقليات -تجوزًا- ضمن الإمبراطورية الجيشية - والأرومو شعب مسلم في أغلبيته 75% مسلمون، غير أنهم متخلفون ومهضومون سياسيًا طيلة العهود الماضية، ويحتل الوجود الجغرافي لشعب الأرومو تقريبًا 75% من الإمبراطورية الحبشية، وقد ابتدأت حركة الصراع ضد السيطرة الأمهرية منذ منتصف السبعينيات عام 1975 عندما اشتعلت الحرب ضد إثيوبيا ومعاونة الجيش الصومالي، وكادت دولة الأرومو أن تمثل للواقع لولا التدخلات الأجنبية وسعي الدولة الصومالية لضمها تحت شعار الصومال الغربي، وبالطبع فإن الدول الغربية تقف ضد ظهور دولة من ذلك النوع كما أن الحركة تواجه مقاومة شرسة من قِبَل إثيوبيا دون أن يلتفت أحد من دعاة حقوق الإنسان إلى واقعهم الأليم.

الصراع في الجنوب السوداني

وهي قضية متداخلة نسجتها «العبقرية» الإنجليزية منذ بداية القرن، وساعد الوضع الجغرافي والإثني «العرقي» على اكتمال حقيقتها فجنوب السودان يشغل بما يقارب من 6 مليون نسمة ينتمون إلى العِرق النيلي الزنجي يبلغ تعداد المسلمين فيهم 20% تقريبًا، كما أن المسيحيين لا يشكلون أكثر من 12% وقد أجاد الاستعمار في صبغ الجنوب بالسنحة المسيحية عندما أمعن في حجب التعليم خارج الكنيسة، وبذلك أخرج قادة للجنوب مسيحيين متعصبين وغذى فيهم كراهية العرب المسلمين في الشمال باستقلال القضايا التاريخية، وبذلك أصبح هناك حاجز نفسي بين الجنوب والشمال في السودان مما جعل الصراع يحتدم من وقت لآخر، وتدخلت الدول الغربية والإفريقية والمؤسسات الكنسية من أجل نصرة إخوة الدين وتقليص الانطلاق الإسلامي المنبعث من دولة العرب المسلمين، وهذا يبدو للعيان على مر عهود التمرد، فالتمرد القائم حاليًا كسابقه يرفض التبشير بالدعوة الإسلامية في الشمال والجنوب وينادي بدولة علمانية مبتورة الصِلة بالإسلام. ويجد في ذلك تأييد الدول الغربية والدول الإفريقية المجاورة والتي تسيطر الدول الغربية على توجهات القرار فيها وتدخل إسرائيل ضمن أطماع الإستراتيجيات الدولية لتمد المتمرد قرنق وقواته بمتطلباتهم وتدعم إثيوبيا لبذل مزيد من التسهيلات العسكرية والسياسية لهم.

وهنا يلاحظ أن إسرائيل بَنَت جدارًا خلفيًا حول جنوب السودان، فأقامت علاقاتها المتميزة مع كل من إثيوبيا وكينيا وزائير وإفريقيا الوسطى وهي تطمع في قيام دولة جنوبية تسيطر على منابع النيل بصفة رئيسة، مما يجعل الإرادة السودانية والمصرية قليلة بحكم السيطرة على منابع النيل والدخول من ثم في صراع من نوع اقتصادي وإستراتيجي حاد.

والجدير بالذكر أن بعض الدول الإفريقية «كينيا-أوغندا» تطمع في وجود دولة جنوبية ضعيفة تضمها لأراضيها مما يضمن مستقبلًا باهرًا لها اعتبارا لما يمتلكه جنوب السودان من ثروات دفينة كما يراود كينيا بصفة أساسية، كما أن إثيوبيا تتطلع إلى تبادل المشكلة الإريترية بمشكلة جنوب السودان مما يجعل احتضانها لقضية التمرد لها أكثر من مبرر.

وعلى العموم فإن الصراع في القرن الإفريقي صراع عقائدي في الدرجة الأولى تغذيه المشاعر القومية للشعوب والأقليات وقد ساعد ذلك التدخلات الأجنبية لتحقيق مطامعها ضمن الأجواء المساعدة لاحتدام الصراعات.

الرابط المختصر :