العنوان القسم الثاني والأخير من وثيقة المارون للمبعوث الفرنسي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1976
مشاهدات 128
نشر في العدد 283
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-يناير-1976
- لبنان الموحد« خطأ.. وكان يجب أن يكون لبنانًا مسيحيًا خالصًا!!
- تكاثر المسلمين يؤدي إلى قيام «دولة إسلامية» في لبنان!
- فرنسا أعطت المسلمين من الحقوق.. أكثر مما يحق لهم!!
- هناك إصرار عنيد على إلصاق صفة «عربي« بلبنان!!
- لماذا يصبح «اللاجئون الفلسطينيون الغرباء« أخوة للبنانيين؟
- المطالب السنية «ضاغطة ووقحة وتعرقل مسيرة الدولة!!
- المخرج الوحيد هو: العودة إلى صيغة لبنان القديم المستغل «التقسيم«!!
برامج التعليم الابتدائية والتكميلية، ولا نتكلم عن الثانوية لأنها لم تعد موجودة! أصبحت نتاج التجاذب المستمر بين المسيحيين والمسلمين، وأصبحنا مضطرين لأن نتجنب، في كل المواد، كل ما يمكنه أن يثير حساسية أي من الفريقين، حتى بالنسبة للأدب يجب على مشاعر وأفكار ومفاهيم الكاتب، المرشح لأن يوضع على البرنامج، أن تمر في الغربال، ألم نر منذ عدة أشهر كيف أن عضوا مسلمًا في لجنة البكالوريا، وهو ذو لقب جامعي، رفض إدخال الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة في برنامج البكالوريا ولماذا؟ لأن له مفاهيم مسيحية! ويا للإثم! مما يصدم على ما يبدو المسلم الطيب ولو كان دكتور في الأدب العربي، وما لا يصدمه إطلاقًا هو الموافقة على إدخال الشاعر العباسي الشهير أبو نواس إلى البرنامج مع أنه رائد الشعر الجنسي ولواطي معروف، وهكذا نرى في أي مدرسة يتربى أطفالنا! وهكذا نرى إلى أي أمية يسير لبنان وهو مكتشف الأبجدية، فيا لسخرية القدر!
كيف تريدون منا، إذا كانت هذه تربيتنا، أن نستمر في لعب دورنا في العالم المتمدن؟ كيف تريدون منا أن نستمر في خدمة العرب في نهضتهم الفكرية عندما تكون شهاداتنا الجامعة المفرغة من كل مضمون إنساني بفضل هذه البرامج التافهة، مهددة بالسقوط إلى مستوى شهاداتهم؟
إنها نتيجة مؤذية جدا، بين نتائج أخرى، لصفة «عربي« «مسلم« التي الصقت باسم لبنان.
هذا التوازن الطائفي الغني في نتائجه وإمكاناته تحطم فجأة عام ۱۹۱٥ عندما خرقت تركيا استقلال لبنان لتقزمه وتدفعه نحو المجاعة: فقضى جوعًا أكثر من ثلث السكان، حوالي ١٥٠ ألف لبناني «بينهم ۱۰۰ألف ماروني« كانوا ضحايا الكراهية والانتقام.
6- في خطأ قيام «لبنان الكبير»
هلل اللبنانيون لسقوط الإمبراطورية العثمانية وأبدى المهاجرون اللبنانيون في مصر وفرنسا والأمريكيتين والذين كانوا شكلوا روابط وأحزابًا سياسية حماسًا في إعلان استقلالهم وتنظيم دولتهم أكثر من المقيمين، وطالب كثير من المسيحيين والدروز والشيعة في وادي التيم، وجبل عامل وعكار والبقاع بالانضمام إلى سكان لبنان ذلك الوقت وربط مناطقهم بلبنان الكبير للتمتع بما كان يسمى «الامتيازات» أي الحرية والكرامة وانعدام التفرقة الدينية والمساواة بين جميع المواطنين، ولم يكن بوسع اللبنانيين في الجبل أو المهاجرين منهم في أوروبا وأمريكا بعد أن اعتادوا هذه المفاهيم، التفكير بإمكانية العودة إلى دولة ثيوقراطية، ترتكز إلى سيادة الإسلام، مع كل ما يجره ذلك من نتائج معلومة، حتى ولو أصبح المسلمون ذات يوم هم الأكثرية في لبنان الجديد.
وهكذا قرر المجلس التمثيلي للبنان في أيار ۱۹۱۹ أن يطلب من مؤتمر السلم المنعقد في فرساي «استقلال لبنان في حدوده الطبيعية« وطالب غبطة البطريرك حويك بأن يرأس الوفد اللبناني إلى المؤتمر.
وتجدر الإشارة إلى أن الجمهور الأكبر من السنة، وقسمًا مهما من الشيعة، وبعض الدروز والمسيحيين حاربوا فكرة لبنان الكبير وطالبوا الانضمام إلى سوريا.
وفي باريس حاول سياسي ماروني كبير خبير بسياسة الإمبراطورية الإسلامية العثمانية، وخبير جدًا بالتلطمات الأبدية للعرب المسلمين في الشرق الأوسط، لفت انتباه غبطة البطريرك إلى خطورة توسيع الحدود اللبنانية أبعد من المناطق المسيحية وضم شعوب أخرى إلى لبنان تهدد بإخلال التوازن فيه، وقال له إن مسلمي لبنان الجديد ما أن يظنوا أنفسهم أكثرية حتى يحاولوا تحويل لبنان، بمساعدة إخوتهم في الدول المجاورة، إلى دولة إسلامية، ثيوقراطية حكمًا، يضعونها تحت حماية دولة إسلامية كبرى، غير أن غبطته وقف ضد هذا الكلام، واضعًا ثقته، مثل كل اللبنانيين الطيبين في ذلك الوقت، في خلود صداقة فرنسا وحمايتها، ولم يكن باستطاعة أحد أن يتخيل، في الواقع، أن يومًا سيأتي يقف فيه واحد مثل ميشال جوبير، يحمل خرقة مغموسة بالوقود، ليحاول أن يمحي من تاريخ العلاقات الفرنسية - اللبنانية أسماء سان لويس، وفرنسوا الأول، ولويس الرابع عشر، ونابليون الثالث، وكليمنصو، والجنرال ديغول.
- «استندم يا غبطة البطريرك، على هذه المبادرة في أقل من خمسين سنة!».
ولكن لا البطريرك ولا الشخصية السياسية الشهيرة بقيا على قيد الحياة ويا للأسف، الرؤية هذه النبوءة تتحقق.
وهذا من حسن حظيهما ومن سوء طالعنا!
وهكذا ففي الأول من أيلول ۱۹۲۰ أعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير ضد إرادة جميع المتذمرين.
وكان هذا انتصارًا للمسيحيين في نظر المسلمين أما بالنسبة للمسيحيين فلم يلبثوا أن لاحظوا بمرارة سخافة هذا الانتصار، أن فرنسا «القوة الإسلامية» «لنتذكر أفريقيا الشمالية» كانت دائما تعطي المسلمين وقد أعطتهم داخل الدولة، الجديدة أكثر بكثير مما يحق لهم لكي تستميلهم إلى جانب القوة المنتدبة، ألم تذهب إلى حد تحويل موظف بسيط لدى المحاكم المختصة «المفتي» إلى رأس للهرم أكليركي في الإسلام اللبناني، والزعيم الروحي للطائفة الإسلامية؟ وهذه هرطقة ضد روح الإسلام ونصه، فهل سمعنا سابقًا عن مفتي الجمهورية السورية؟ أو عن الزعيم الروحي المسلمي هذه البلاد؟ في مصر؟ أو العراق؟ أن للسياسة أسبابًا لا يملكها العقل والمنطق، أكان يعقل إعطاء الإسلام اللبناني هذا الامتياز العظيم والمفاجئ لو لم يكن في لبنان بطريرك، هو رأس الهرم الأكليركي الماروني، يعتبر، عن حق، كزعيم للمسيحيين؟
وهكذا جرى تكريس انقسام لبنان رسميًا إلى طائفتين متنافستين، وعوض استلهام المثال السويسري (اتحاد الكانتونات- الطوائف) الذي يعكس تماما الطبيعة المركبة للمجتمع اللبناني كاتحاد بين الطوائف، اختارت فرنسا لكي تحتل موقعها في لعبة التوازنات السياسية، أن تؤسس، في الواقع، دولة ثنائية الرأس، لقد كان ذلك تكرارا غير دستوري لمشروع تعيس ذي نتائج بائسة هو مشروع القائمقاميتين.
وأول من فوجئ بهذه البدعة هو المفتي نفسه، الذي استمر يقبض معاشه المتواضع من خزينة الدولة كما كان الحال أيام العثمانيين باعتباره موظفًا مساعدًا للقضاء وذلك رغم الارتقاء غير المنتظر والاختصاص غير الطبيعي في الإسلام اللذين يدعيان جعله، في أعين السلطة المدنية، ندا للبطريرك الماروني، فوجد نفسه ناطقًا رسميًا باسم الطائفة الإسلامية، يطالب بصوت عال بما يهمس به الزعماء السياسيون في أذنه ولو من دون أن يعتبرونه زعيما لهم.
7- في المأساة الهزلية لعام ١٩٤٣
على رغم ذلك استمر الإسلام في مقاطعة لبنان والاعتراض على الدستور اللبناني الصادر عام ١٩٢٦، واستمر الحال على هذا الشكل حتى ١٩٤٣،
وشهد عام ١٩٤٣ منازعات سياسية وصراعات نفوذ بين القوتين الصحيفتين فرنسا وبريطانيا، وشهدت الانتخابات التشريعية في العام نفسه، المنظمة تنظيمًا حسنًا، انتصار زبائن بريطانيا صديقة العرب الكبرى، أم العروبة ومربيتها وعرابة «جامعة الدول العربية».
وكان هذا العهد الجديد بمثابة النهاية للنفوذ الفرنسي وأعاد إلى بريطانيا هيمنتها على لبنان بعد ٨۰ سنة من الانتظار،(...) على الصعيد الداخلي، كان عام ١٩٤٣ المدعو، بأبهة، عهد الاستقلال مرسومًا باتفاق جديد مدعو، بأبهة مماثلة، الميثاق الوطني، وعملًا بهذا الميثاق يمتنع المسيحيون عن طلب العون والمساعدة من الأجانب- أي الفرنسيين- باعتبار أن الإنكليز كانوا موجودين وممسكين بكل شيء باستثناء بعض مناصب الدولة المحفوظة للمنتفعين من الاستقلال والمسؤولين عن الميثاق الوطني، ويمتنع المسلمون بالمقابل عن العمل لإغراق لبنان في المحيط العربي، ومثل الاتفاقات الفاقدة الإخلاص والشرف كان هذا الميثاق حرفًا ميتًا، وإذا كان المسيحيون منعوا من طلب مساعدة القوى الأجنبية بفضل الحاجب البريطاني، فإن المسلمين استمروا في التحضير القيام الوطن العربي «المسلم» الكبير.. ويمكن القول إن عهد الاستقلال كان عهد الثأر الإسلامي.
«سنلحق بكم بعد أن سبقونا لمدة ٢٥ سنة» هذا ما أعلنه أحد الزعماء المسلمين في بيروت «أصبح فيما بعد رئيسا للحكومة» لأصدقائه المسيحيين، أما أحد رؤساء المجلس، الأكثر واقعية والأقل حصانة فأسر لأبناء دينه «تسللوا إلى المراكز المهمة في الدولة مثل البراغيث في ثنايا
الجسم الإنساني«.
وكان يمكن للبنان ألا يجد غضاضة في كل ذلك لولا هذا الاتجاه إلى السيطرة ولولا هذه الإرادة والعناد في جعل الدولة إسلامية تحت ذريعة تعريبها.
ويكفي التذكير بالإصرار العنيد من قبل الزعماء المسلمين على إلصاق صفة «عربي «رسميًا باسم لبنان للتأكد من نوايا التوسع الإسلامية لهؤلاء الزعماء ورغبتهم في تحويل لبنان إلى مثيل «لأشقائه العرب « ومحو كل علاقة مميزة تعطيه مركزًا متميزًا على الصعيد الاجتماعي والسياسي والأدبي والفني.
في البدء كانت الحملة الخجولة والسطحية في ظاهرها التي نجح رياض الصلح في تمريرها في البيان الوزاري الأول للعهد المسمى العهد الاستقلالي وفي ظل الطبل والزمر للمأساة الهزلية الاستقلالية من شعار «لبنان ذو وجه عربي» دون أن يشعر به أحد، لكن هذا الكلام السخيف تحول فيما بعد إلى بقعة زيت أخذت بالانتشار على امتداد الجسم كله، حتى إنه بعد ١٥ عاما، وبعد التمرد المسلح ضد الشرعية وبهدف دمج لبنان في الوحدة السورية- المصرية، جاء البيان الوزاري الأول لرشيد كرامي ليتكلم بكل جرأة عن «لبنان العربي «.
اعتقادا منها بأنها ربحت، أو تظاهرًا بالاعتقاد، توقفت الشهية العربية عند هذا الحد، ولم تطلب تحويل الاسم الرسمي للبنان إلى «الجمهورية العربية اللبنانية»، والله وحده يعلم ما يخبئ لنا المستقبل، لكن هذه الصفة العربية المطلقة في نص رسمي تحمل النتائج الثقيلة الكافية، فلنتناول واحدة من تلك النتائج، تلك التي تخص اللاجئين الفلسطينيين والتي هي في اعتقادنا أساس مصائبنا.
ينظر العالم إلى الفلسطينيين على أنهم فقراء لاجئون سرقت منهم منازلهم وأملاكهم، ومحرومون من الأرض والوطن.
في مواجهة اللبنانيين، على العكس، هؤلاء «اللاجئون الفقراء» يصبحون عربًا مثلهم، اضطرهم الظلم العالمي إلى الجلاء عن فلسطين مؤقتًا لكنهم انتقلوا لحسن الحظ إلى الجوار، إلى لبنان، إلى بلد عربي آخر، فهم إذن في بلادهم، في الوطن العربي الكبير، ليسوا لاجئين ولا غرباء، هل يعقل أن يعتبر الفرنسي من «ستراسبورغ » أو «ليل» ابن مرسيليا الهارب من الزحف الألماني لاجئًا أو غريبًا؟ الأمر نفسه ينطبق على العربي الفلسطيني الذي اضطره الزحف الصهيوني إلى الإقامة مؤقتًا في لبنان العربي، وهم يقولون: لا أهمية تذكر إذا كان جزء من الوطن العربي الكبير قد سلب حاليا طالما يبقى لنا لحسن الحظ، بلد آخر، هو لبنان. ونستطيع أن نبقى فيه حتى نسترجع بلدنا الآخر، فلماذا كل هذه الضجة؟ وكيف يجرؤ البعض على الكلام عن الغرباء في لبنان؟ أي غرباء؟ وأین هم؟ ومن يراهم؟ كيف يجرؤ الكهنة اللبنانيون المكفرة وكل اللبنانيين الأصليين المنتفعين على التقدم والعاملين لعرقلة المسيرة العربية، كيف يجرؤ هؤلاء على الكلام عن سيادة لبنان؟ أو اقتراح تدويل الأزمة الداخلية الواقعة بين «الأشقاء العرب»؟
نحن متمسكون بلبنان، هكذا يقولون، وبوجوده وسنحميه ضد الجميع ولا نقبل أن يمسه أحد، وإذا كانت حكومته عاجزة عن حفظ الأمن والنظام فنحن على استعداد لمساعدتها شرط ألا ينزل الجيش إلى الشارع فهذه مسألة لا تهمه. وها نحن استقدمنا لهذا الغرض، فرقتين من الجيش السوري، تحت تغطية منظمة الصاعقة الفلسطينية.
فأي ضرر في هذا؟ ألسنا كلنا عربًا؟ وأبناء بلدان عربية؟ فأين هي إذن المشكلة اللبنانية؟
هذا هو الجوهر، وربما حتى في النص، ما يعلنه القادة الفلسطينيون.... وعاش لبنان العربي.
نتيجة أخرى من نتائج تعريب لبنان:
إلى جانب مملكة الحرية غير المحدودة التي لا تمس تضاف مملكة جديدة من نتائج «العروبة»، وها هي أبواب لبنان مشرعة، على مصراعيها لكل الأيديولوجيات الممنوعة في البلدان العربية، ولكل النشاطات المحظورة، طوعًا أو قسرًا، في هذه البلدان ذات النظام الاستبدادي وحكم الحزب الواحد، ومن الكنيسة للحرية، يتحول لبنان إلى سوق عكاظ حيث يجري تحريك المفارقات بمثل سهولة تحريك الأسلحة النارية، ويصبح لبنان معسكرا مقفلًا يأتي إليه العرب من كل صقع وزاوية لتصفية حساباتهم وخلافاتهم الشخصية والقبلية والعشائرية والمتلبسة بالأيديولوجيات الحديثة: هذا الشكل المعاصر للقتال بين الإخوة الذي يميز العرق العربي منذ أن وجد العرب.
في ظل هذا الاضطراب العجيب بين الأيديولوجيات المستوردة والمطبوخة بالأفاوية العربية، في هذه الحلبة من السجال الحقود والساعي وراء الانتصار الشكلي أكثر منه وراء المنطق السليم، وفي ظل هذا المعرض الصحافي الذي لا إيمان له ولا قانون، حيث تباع أفضل المواهب لمن يدفع أكثر في تعهير محزن للكلمة والقلم، لم يعد يوجد صحيفة لبنانية واحدة، فوراء كل صفحة تصدر في بيروت بطل الشريك القابع في هذه العاصمة العربية أو تلك، كما نجد وراء كل زعيم سياسي، أو برلماني، ووراء كل سفاح صغير، شبح أحد مالكي البترول، وهكذا لم يعد للأمانة وللشرف الثقافية، أو للأمانة عمومًا، أي وجود إلا في الروايات القديمة.
وماذا عن الشرف والاستقامة في الوظائف العامة؟
الابتزاز، الانحراف، السرقة، الرشوة، النفوذ، هي قواعد التعامل، كل شيء يباع وكل شيء يسرق، والخير العام يصبح خيرًا مستباحا للأكثر شطارة، ويلعب التناقض الإسلامي- المسيحي دورًا مهما في إفراغ الدولة من الموظفين الجديرين والشرفاء، وبحجة التوازن الطائفي تمنح أهم الوظائف لعناصر عديمة الكفاءة وتسود مملكة التفاهة في كل مكان، وتسيطر عملية المساواة بتخفيض المستويات على الإدارة بأسرها...
وفي هذا الوقت تهاجر النخبة: المثقفون، التقنيون، عناصر الخدمات، العمال الاختصاصيون، فكيف يمكن العيش في بلد يقوده تطبيق الميثاق الوطني إلى الانهيار والإفلاس على كل الأصعدة.
وأكثر فأكثر تتحول المطالبات الطائفية، خاصة السنية منها، الضاغطة والوقحة، عاملًا يعرقل مسيرة الدولة، ويصبح كل هم الحكام قسمة المغانم.
ألم نر أحد رؤساء الوزارات، وكان في الوقت نفسه وزيرًا للمالية، يرفض دفع تعويضات شرعية لورثة أحد الموظفين المسيحيين بانتظار أن يموت، وفي ظروف مماثلة موظف مسلم؟ عندما يكون حصانان بالقوة نفسها ومشدودان إلى عربة واحدة باتجاهين مختلفين فإن العربة تراوح مكانها حتى التفكك الكامل.
لقد دفع المسلمون، المدعمين بحوالي ٤٠٠ ألف فلسطيني وهو رقم أعلى من عدد السنة في لبنان- وبعد جذب الدروز، دفعوا التناقض الإسلامي- المسيحي إلى الذروة. وها هي المطالبات تتالى وتتحدد أكثر فأكثر متصاعدة نحو الهدف الحقيقي «أسلمة« لبنان، وهذه المطالبات مدعومة بعدد كبير من التنظيمات اليسارية المدعوة زورا «وطنية» و «شعبية» و «تقدمية» وحتى «لبنانية»، والمسلحة جميعها حتى الأسنان بالشعارات الملهية والأسلحة الفتاكة. وإذا كانت هذه التنظيمات تتقاتل فيما بينها فإنها تنفق جميعها ضد لبنان التقليدي ذي الحضارة الإنسانية والوجه المسيحي التي لا تزال ملامحه ظاهرة حتى الآن رغم كل التشويهات والأخاديد.
ماذا يفعل زعماؤنا المسؤولون أمام انفلات الشهيات المتوحشة؟ أمام هذا الهجوم الحقود؟ ماذا يفعل قادتنا الدينيون والمدنيون ضد هذه الحملة الصليبية المضادة، هذه الحرب المقدسة «الجهاد» العائدة إلى القرون الوسطى؟
وماذا بوسعهم أن يفعلوا بعد أن قبلوا بعروبة لبنان وعاشوا ٣٢ سنة من الخبث والتكاذب المتبادلين بهدف الحصول على انتصارات سياسية فئوية ومنافع تافهة وأرباح فانية؟ (١)
وها هي السلسلة المتواصلة من التنازلات والتراجعات، والتخليات، الرامية إلى محو أو على الأقل إخفاء، كل أثر مسيحي في هذا البلد المسكين عبر استكمال عملية تعريبه الكاملة أي «أسلمته«.
الأمثلة في الميدان السياسي سلسلة لا تنتهي، فالناس تردد آلاف الأمثلة وتناقشها، ولنذكر فقط العلاقات اليومية الحاصلة مع المسؤولين، كبارًا أو صغار، حول تسرب الغرباء عبر الحدود السورية ومرور الشاحنات المحملة بالأسلحة من كل نوع، ردة الفعل؟ بضع ابتسامات وهزات رأس... عجز؟ تواطؤ؟ خيانة؟ على كل حال وكنتيجة طبيعية لهذا الموقف المشبوه والخطير، ها هو لبنان يغرق في بحر الدم والله وحده يعرف متى ينتهي.
وثمة أمثلة أخرى ذات دلالة، مأساوية ودموية، حول تراجع السلطة أمام التصاعد الإسلامي، في الترجمة العربية في التلفزيون اللبناني، لرواية «البؤساء« لفيكتور هوغو جرى إلغاء دور الراهب الشريف المونسينيور ميربيل، الشخص الرئيسي في الرواية بعد جان فالجان ليحل محله رجل خير، ولماذا إساءة الأمانة الأدبية؟ لأن ظهور رجل دين مسيحي، على شاشة التلفزيون، في دور طيب قد يثير ردة فعل عند المسلمين.. أو هكذا قرر بعض موظفي وزارة الإعلام، هذه النفسية المريضة والانهزامية ليست من هذه الأيام، ولا هذا الكره الفطري لكل تفوق مسيحي ولكل تقدم على المسلمين ولو كان تاريخيًا: إنها العقليات التي نعاني منها والتي تسمم تعايشنا البائس منذ بدء مأساة الاستقلال.
في العام ١٩٤٨، واحتفالًا بالحدث الثقافي الكبير الذي مثله انعقاد مؤتمر الأونيسكو في بيروت، قررت اللجنة المعنية بالأمر إصدار أربعة طوابع تذكارية، بالمناسبة، وكان طبيعيًا أن تحمل الطوابع صور أربعة لبنانيين من رواد النهضة الأدبية العربية، ووفقًا للقاعدة في التوازن الطائفي، كان ينبغي اختيار شخصيتين مسيحيتين مقابل شخصيتين مسلمتين فيما يتعلق بالمسيحيين كان الاختيار سهلًا وقد تم بسرعة: بطرس البستاني وإبراهيم اليازجي يفرضان نفسيهما بدون منازع، غير أن اختيار المقابل الإسلامي كان صعبا، فليس من خطأ المسيحيين، إذا كان «إخوانهم« المسلمون في القرن التاسع عشر يقاطعون المدارس الحديثة. الأمر الذي أبقاهم، على الأقل لفترة من الزمن، على هامش حركة النهضة، باختصار، جرى التوصل أخيرا إلى اختيار أحمد فارس الشدياق، ويوسف الأسير، لكن الاقتراح قوبل بالرفض. ولماذا؟ لأن أحمد فارس الشدياق يحمل عطلًا أصليًا، أنه من أصل ماروني! وكان مستحيلًا استبداله بآخر، نظرًا لانعدام وجود شخصية أدبية مميزة في الوسيط الإسلامي، إذن تبًا للأونيسكو! فسوف يحرم من طوابع تذكارية!
أما المعرض الزراعي والفن البيطري، فقد كان أوفر حظًا من مؤتمر الأونيسكو، وكانت حيواناتنا الأليفة أكثر سعادة من رواد النهضة الأدبية، إذ انتشرت صور الحمار والحصان والبغل والبقرة والشاة على الطوابع التي تحملها رسائلنا إلى العالم أجمع! هنا، يصبح الاختيار أكثر سهولة، فالتوازن الطائفي ليس مهددا!
وحديثًا ايضًا، وخلال الحوادث المؤسفة التي غطت كل ما يمكن أن يتصوره عقلا جهنمي يحلم بالخراب، مشبع بالحقد والثأر السادي، قدم التلفزيون اللبناني برنامجًا يجرؤ على الإشارة إلى وجود عدد كبير جدًا من الغرباء على أرضنا، استقبلناهم كضيوف وإخوة، ليتحولوا إلى مخربين بعد زمن يسير.. «إشارة إلى أحد برامج أبي ملحم «.
وهذا البرنامج الذي تابعه برضى وإعجاب اللبنانيين الحقيقيين، جرى توقيفه فجأة بأمر من حكومة غبية وعاجزة ومنخورة من الداخل بتناحر يشلها الأمر الذي نعمله كلنا.
وهكذا يظهر إلى أين قادتنا سياسة مائعة، جشعة، قصيرة النظر، مارسها جميع الساسة الذين تعاقبوا على الحكم منذ ١٩٤٣ وحتى اليوم وبدون استثناء، إنهم مجرمون.
وإذا كانوا قد نجحوا في التهرب من غضبة الشعب، فإنهم لن يفروا من عدالة الله، من حكم التاريخ، ومن لعنه آلاف القتلى، ضحايا خيانتهم، والذي سيتردد صداهم، كجرس كئيب، في المؤلفات التي ستؤرخ للبنان
8- في طريق الخلاص
قبل أن يكون القارئ رأيا، عند قراءة هذه المذكرة، من الضروري أن يعرف أن المسيحيين، الأسياد في بلادهم منذ بداية المسيحية، والذين ردوا جميع الغزوات:
1- لا يطلبون لا شفقة ولا رحمة، فكم بالأحرى إذنا بالعيش!
2- يرفضون كل فكرة تقول بالتعايش السلمي ضمن دولة إسلامية، على غرار أهل الذمة في الدول العربية «الأقباط في مصر، الآشوريون في العراق، إلخ... «
3- المسيحيون يريدون المحافظة، بمختلف الوسائل، على خصائص ومميزات لبنان التقليدي، الفريد في هذا الشرق الثيوقراطي، والعنصري، والتي تجلى في كونه فيدرالية طوائف، كلها متساوية وحرة وممتعة بالكرامة البشرية، وكلها متساوية في الفخر، تحترم الواحدة منها الجميع ويحترمها!
4- يريدون، بمختلف الوسائل والتضحيات ومن ضمنها الاستشهاد، حماية هذا اللبنان المستقل والسيد، وطنًا، أبديًا أزلیًا سرمديًا يشكل كلًا قائمًا بذاته وبغير حاجة إلى بعث من خارجه، وطنًا هو موئل للروحانيات، للحضارة والثقافة الإنسانية، ينقتح على العالم بأسره في تلاقح متبادل للأفكار والمفاهيم، وتبادل في المنتجات المادية والمعنوية وفقًا لشرط واحد: الاحترام المتبادل.
وحتى يكون الأمر كذلك، فإن لبنان يطلب إلى العالم تفهم قضيته تفهمًا صحيحًا، صادقًا وحاليًا من الأفكار المسبقة، وتقديم الدعم في سبيل حلها، بصورة فعالة ومتحررة من كل شرط مسبق، ومنزهة عن كل مصلحة شخصية، إن لبنان يناشد قوى الروحية والمعنوية في العالم وعلى رأسها الكرسي الرسولي، والقوى الضامنة للحق والحرية، ومثقفي العالم، وفلاسفته، وشعرائه، وعلمائه وفنانيه، أن لا يسمحوا بانطفاء الشعلة الأصلية التي أنارت مهد الحضارة البشرية على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، بواسطة اللهب الحارق الآتي من الصحراء، أن لا يسمحوا بأن تفرق في بحر البترول، تلك جزرة الفردوسية التي هي الملجأ الوحيد في الشرق بأسره، حيث يعيش الإنسان ويتنفس ويتحرك، ويتاجر ويفكر ويتعبد ويغني ويصلي، في حرية تامة.
إن اللبنانيين ليسوا إذن ضحايا بائسين يبحثون عن طعام أو كساء، إنهم رجال أحرار، وفخورون بأنفسهم، محبون للسلام بطبعهم وثقافتهم الدينية والإنسانية، لكنهم مضطرون لحمل السلاح دفاعًا عن استقلالهم في وجه الغازي الذي يهدد حريتهم كمسيحيين، وكرامتهم كبشر، «اليوم كما في القرن الخامس والثامن والرابع عشر«.
فيا أقوياء هذه الأرض، إزاء هذه الزوبعة الهمجية المسيطرة على لبنان بأكمله، وحيث يذبح المسيحيون بالآلاف ويجري اجتياح المدارس والأديرة، ويخفق الرهبان في صوامعهم، وتستباح الكنائس بالعشرات، وتدنس المقدسات ويرمي بالبرشامات ارضًا، وحيث تنظم الغارات على القرى المارونية والكاثوليكية والأرثوذكسية، وبيروت تحترق..
-قفوا أمام هذه الإبادة الجماعية لأمة بأكملها الموقف الذي وقفتموه بالأمس أمام نبأ صدور حكم بالإعدام من محكمة إسبانية على أربعة من المحرضين «الباسك« المتهمين بالقتل.
فهل نكون وقحين أكثر من اللازم إذا طالبناكم- دون أي إخلال يسلم القيم الذي به تتمسكون! إبداء الاستنكار نفسه الذي أبديتموه إزاء تلك الحادثة، من روما إلى إسكندينافيا ومن أميركا الشمالية إلى إفريقيا، واتخاذ موقف الإدانة نفسه الذي اتخذتموه، وعبر عن نفسه ديبلوماسيا «باستدعاء- ولو مؤقت!- للسفراء« -هل يكون وقحين إذا طالبناكم بأن تتخذون الموقف نفسه، وربما بفاعلية اشد، إزاء المحنة العاصفة بلبنان؟
نرجو أن تعفوننا من الشفقة الرومانطيقية، والنصائح الأبوية، والمناشدات الأفلاطونية، واعملوا- إذا استطعتم وإذا كانت لديكم الشجاعة الكافية- دونما أي تفريط بمصالحكم الأساسية في العالم العربي من أجل حقنا في حرية ابن الله وفي كرامتنا كبشر أحرار، ساعدونا بدعمكم المعنوي وقوتكم المادية للتوصل إلى المخرج الوحيد الممكن لازمتنا، عند الضرورة.
المخرج الوحيد؟
لقد أكدناه أعلاه:
عندما يستشرى وباء الربية المتبادلة بين أعضاء جماعة معينة، يجب حل هذه الجماعة، وعندما تفتك «الغرغرينا« بعضو من الأعضاء فالعلاج الوحيد الذي ينقذ حياة المريض هو البتر.
وعندما يستحيل التعايش بين زوجين، ولو كانا کاثوليكيين، فالحل الوحيد هو انفصال الأجساد.
إن المخرج الوحيد الممكن هو العودة إلى صيغة لبنان القديم، المستقل، الحيادي، بضمانة الدول الكبرى، عندما يخسر صورا وصيدا وطرابلس وجزءا من البقاع وعكار، وكلها مناطق تحملها الآن زمر الغزاة المسلحة، انحسرت عنها فعليا السيادة اللبنانية، فإن لبنان الإنساني سيربح كثيرًا من حيث الكرامة والاستقلال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، ولكن ربحه الأكبر هو الحرية في تحركاته الدولية.
الأمم المتمدنة، والدول الميسورة، والشعوب التي تمتلكها المشاعر الإنسانية، لا توفر جهدًا أو دعاية لكي تشمل رعايتها العالم الحيواني، إضافة لعالم الإنسان، لذلك تجدها تنشئ الحظائر وحدائق الحيوانات كملاجئ، حيث يمكن لبعض نماذج الحيوانات النادرة والغربية والمهددة بالانقراض، أن تعيش في سلام، بمنأی عن هجمات الصيادين المتوحشين.
فهل نتجاوز الحد إذا طالبنا أقوياء هذا العالم، وجميع الذين ما زالوا يؤمنون بقيمة الإنسان، أن يرفعوا من مستوى مثلهم العليا، بإسم الأمم المتحدة، على ضمان لبنان كـ «ملجأ دولي« حيث يمكن لبعض النماذج النادرة والغربية من بقايا الكنائس الشرقية التي هربت من الأدغال الآسيوية أن تعيش بسلام وحرية وكرامة بمنأى عن الصيادين الأشد همجية؟!
(1) مسؤولية قادتنا، مؤلفو المأساة- الهزلية الاستقلالية والمستفيدين من الميثاق الوطني، مسؤوليتهم في الحقل الاجتماعي كبره، فقد تركوا الهوة تتسع بأسرار بين الأغنياء، الأغنياء جدا، والفقراء، فقراء جدًا، وأدت الحرية الاقتصادية التي مارسها رجال أعمال لا يسمعون بأي حسن أخلاقي إلى نتائج مشابهة لتلك التي أدت إليه على الصعيدين السياسي والإداري. ممارسة الحرية من في الناس محرومین لا ضمير مهنيأ لهم ولا رقابة عليهم.
إننا لا ننسي هذه المشكلة بالطبع بين أسباب الأزمة اللبنانية، لكننا نذهب إلى الأكثر إلحاحًا، إلى حرب النزاع إلى السبب الأصلي، ونسعى جانبًا، مؤقتًا، المشكلة الاجتماعية باعتبارها أقل أهمية من وجود لبنان ذاته عندما يحترق لا يفكر صاحبه توزيع العدل للحصة الموجودة في الثلاجة!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل