; القوة في صياغة المبادئ ورد الهجمة | مجلة المجتمع

العنوان القوة في صياغة المبادئ ورد الهجمة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003

مشاهدات 62

نشر في العدد 1563

نشر في الصفحة 47

السبت 09-أغسطس-2003

يقول جوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب، معقبًا على الحروب الصليبية الجائرة وعلى سماحة المسلمين: حقًّا إن مبادئ الحقوق النظرية المدونة في الكتب لم تكن دليل أمة في نهضتها في أي زمان، فقد أثبت التاريخ أن المبادئ التي كانت موضع احترام الأمم وصيانتها هي التي أيدتها قوة السلاح، فقد سار البابوات على ذلك حينما حرضوا النصارى على الحروب الصليبية الطاحنة المنافية لأبسط قواعد الإنصاف من الناحية النظرية، ولم ينفع المسلمين حقهم وعدالتهم، وقد كان ينفع ذلك المسلمين إذا كانت معهم القوة وكانوا قادرين على ردع المعتدي والباغي. 

ثم يروي لوبون عن الراهب روبرت فيقول: خرج الصليبيون من أوروبا نحو مليون وأكثر فقتلوا وسلبوا كل من قابلهم من البشر، وكان من أحب ضروب اللهو لديهم قتل من يلاقونهم من الأطفال وتقطيعهم إربًا وشيهم، وقتل الأهالي العزل من نساء وشيوخ وسلب كل شيء حتى كانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدائن التي يمرون بها وتغطى بالجثث، حقًّا لقد أصاب القوم نوبة حادة من الجنون وأصبحوا لا يصح أن يطلق عليهم أنهم بشر. 

وقال كاهن مدينة لوبوي «ريموند داجيل»: عندما أستولى قومنا على القدس أعملوا القتل في الناس فقطعوا الرؤوس وأحرقوهم بالنار، ثم روى هذا الكاهن كيف قتل عشرة آلاف مسلم في مسجد عمر حتى كانت القتلى تسبح في بحر الدماء وتطفو، ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأنقياء بذلك بل عقدوا مؤتمرًا أجمعوا فيه على إبادة كل سكان القدس من المسلمين الذين كان عددهم ستين ألفًا فأفنوهم عن بكرة أبيهم في ثمانية أيام ولم يستثنوا منهم امرأة ولا ولدًا ولا شيخًا، وكلما أرادوا أن يستريحوا بعد قتل فوج من الأفواج انهمكوا في السكر والعربدة، وكان هذا خلق رؤسائهم قبل عامتهم، ولقد كان ريكاردوس، قلب الأسد سفاحًا قاسيًا لا خلق له ولا عهد، قتل صبرًا أمام معسكر المسلمين ثلاثة آلاف سلّموا أنفسهم إليه بعد أن قطع لهم عهدًا بحقن دمائهم، ثم أطلق لنفسه العنان في اقتراف أعمال القتل والسلب.

ولم يشأ صلاح الدين بعد فتح القدس أن يفعل بالصليبيين مثل ما فعلوه بل سالمهم وأحسن إليهم، وحافظ عليهم، وليس من الصعب أن يتمثل المرء درجة تأثير ما فعلته وحوش الفرنجة في صلاح الدين النبيل الذي رحم النصارى رغم فعلهم، ومد إليهم يد العون كما أمد قلب الأسد، بالأزواد والمرطبات في أثناء مرضه. إن الإنسان ليبصر الهوة العميقة بين تفكير الرجل صاحب المبادئ المتمدن وعواطفه وتفكير الرجل المتوحش ونزواته، فيدرك أنه لا يجوز أن يعامل أولك الحمقى بغير ما تعامل به الوحوش.

استطاعت وحوش الأوروبيين الصليبيين أن تنقض على الأمة الإسلامية الآمنة صاحبة المبادئ وتفعل بها الأفاعيل، فلما استعد صلاح الدين ووقف كالطود الراسخ ببطولته أمام الباطل الطاغي استطاع أن يفرض مبادئه، ويبطل الباطل ويحق الحق -بإذن الله- ولو كره المجرمون.

واليوم تعاد الكرة قبل أن يظهر صلاح الدين، وتحيط المؤامرات بلاد المسلمين وتنتصب لذلك معاهد ودراسات كلها تحرض على المسلمين، من هذه المعاهد المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي في الولايات المتحدة الذي جعل أبرز اهتماماته موضوع الصحوة الإسلامية والتحريض عليها والتخويف منها وتدبيج الدراسات حول خطورتها على الولايات المتحدة وعلى الأنظمة الموالية لها، ويرى المعهد أن خطر الأصولية الإسلامية سيمتد إلى دول إفريقيا وآسيا.

ولم يقتصر المعهد على التخويف من الجماعات الإسلامية التي يصفونها بالإرهاب بل تعدى ذلك إلى الإسلام ذاته، فظهرت الدراسات لتؤكد أن «الإسلام الراديكالي» يصلح أن يكون أحد التهديدات الإستراتيجية التي تواجه الولايات المتحدة، وهذا المعهد اليهودي وما على شاكلته يؤسس لعداوات يظهر أثرها كل يوم ويحيي أحقادًا عفا عليها الزمن حتى بلغ السيل الزبى، كما يقولون.

والغريب أنهم يصرحون بذلك ويعلنونه، ولا نكاد نحس بذلك، بل نساعدهم عليه بعبط وعمى، يقول أيوجين روستو، رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومستشار الرئيس الأمريكي جونسون لشؤون الشرق الأوسط حتى عام 1967م: يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، لقد كان الصراع بين المسيحية والإسلام محتدمًا منذ القرون الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة. وأمريكا جزء من العالم الغربي المسيحي لا تستطيع إلا أن تقف في الصف المعادي للإسلام إلى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية!.

وهذا ما دعا الكاتب الإنجليزي المشهور، سدني لو -سنة 1912م - إلى وصف الإستعمار لبلاد المسلمين بقوله: «ما أشبه غالب الدول الأوروبية في سلوكها الذي ما برحت تسلكه إزاء الأمم الشرقية بعصابة من اللصوص يهبطون على المحال الآمنة فيقتلون أصحابها ثم ينقبلون بالغنائم والأسلاب، وما زالت هذه الدول الغربية بعملها هذا تؤيد الدعوى الباطلة بأن القوي الشاكي السلاح يحق له الانقضاض على الضعيف الأعزل، وأن مكارم الأخلاق والآداب الاجتماعية لا شأن لها ألبتة حيال القوة المسلحة، ولقد هبت عواصف حضارة المادة والقوة الهوجاء فقوضت الآداب والحقوق الدولية تقويضًا».

بعد هذا البيان الناصع والقول الفصل.. هل نظل بعيدين عن إدراك الأمور وتقديرها حق قدرها؟ لا قوة، ولا هوية ولا استعداد، ولا فهم للواقع، ونحن في وادي الوحوش!

فما هي إذن رؤى المستقبل إذا ظل هذا الحال واقعًا؟ نسأل الله السلامة.. آمين.

الرابط المختصر :