العنوان اللسان العربي (جمعية أصدقاء الفصحى)
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1993
مشاهدات 820
نشر في العدد 1058
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 20-يوليو-1993
اللسان العربي (جمعية أصدقاء
الفصحى)
الكاتب: عبد الوارث سعيد
ارتباط اللغة بالهوية الإسلامية
لقد ارتبط اللسان العربي بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، ثم من
خلالهما– بكل علوم الإسلام وتراث حضارته عبر القرون. وبقدر تمكن المسلم من اللسان الفصيح وأدواته يكون توفيقه في حسن
الاتصال بالمصدرين وعلومهما. ولن يتأتى هذا التمكن لجموع الأمة إلا إذا أصبحت
العربية أداة تواصل حي في شتى مجالات الحياة الجادة، وبين الأغلبية الساحقة من
أبناء الأمة. فأين هذا مما نحن فيه اليوم حيث الساحة ملأى بالعاميات والرطانات..
والأغلبية تتباهى باللغات الأجنبية وتعجز عن العربية أو تخجل من التحدث بها. حتى
الدروس والمحاضرات، ولو كان موضوعها اللغة العربية، غزتها هذه الأوبئة اللغوية.
مواجهة مخططات التغريب
ضج المخلصون والغيورون على الإسلام ولغته، وأهابوا بأولي الأمر أن
يقوموا بواجبهم ويدركوا الأمر قبل استفحاله، ولكن الاستجابة كانت ولا تزال ضعيفة
جدًا؛ في حين أن مخططات إضعاف الفصحى كانت جارية بنشاط في كل ميدان وصعيد تنفيذا
للسياسة التي وضعها «مستر دنلوب» الإنجليزي «المستشار– بل الموجه الأعلى– لوزارة
المعارف المصرية» وهي السياسة التي صارت– إلى حد كبير– نموذجًا يطبق في كل البلاد
العربية والتي أتت أكلها المر فيما نراه واقعًا من ضعف لغوي مؤسف في مقابل انتشار
للغات الأجنبية على الألسنة وفي مؤسسات التعليم، ومن رفض لدعوات التعريب وتعثر
وانتكاس لتجاربه في كل البلاد العربية تقريبًا.
دروس من تجارب الأمم
والحل؟ إنه ليس لنا خيار إلا أن نصون لغتنا بكل وسيلة ولا نشارك
المضيعين لها في جرمهم. إن اليهود –شذاذ الآفاق– قد أحيوا لغتهم «العبرية» من شبه
موت امتد ألفي عام وتمكنوا– خلال أقل من نصف قرن قبل قيام دولتهم وتجمعهم فيها– من
جعلها جاهزة لتبدأ دورها أداة تواصل في كل المجالات وهي الآن كذلك ولا تزاحمها أي
لغة أجنبية. أليس عارًا وفضيحة أن نترك لغتنا– الحية المحفوظة بوعد الله لكتابه،
تنكمش وتنزوي كما يريد لها أعداؤها؟ وإذا كنا قد ابتلينا بمن يخون الأمانة فأين
دورنا نحن؟
دور المبادرات الشعبية والمنزلية
إن الجهد الشعبي يستطيع– بالصدق والالتزام والبذل– أن يحقق «رغم
العقبات» ما عجزت عنه الحكومات بل أن يصلح ما خربته. إن سلفنا الصالح الذي أنشأ
للعربية صرحا مجيدا لم تحظ به لغة أخرى، لم يكونوا حكامًا ولا وزراء للتربية،
وإنما كانوا قومًا استشعروا واجبهم نحو دينهم، ولغتهم وأمتهم فاستنفروا أنفسهم
لهذه المسؤولية وقاموا بها على خير وجه. صحيح أن حكام زمانهم كانوا صالحين يباركون
كل جهد بناء ويدعمونه لكن متى كان المسلم الحق يستهدف بعمله غير وجه ربه الكريم،
أو يرجو ثوابه من المخلوقين؟ ما الذي يمنع كل مسلم ووطني من أن يحب لغته ويغار
عليها ويعتز بها أو من أن يغرس في أولاده ذلك الشعور النبيل؟ بل ما الذي يمنع كل
أسرة أن تتحول إلى نواة لـ «جمعية أصدقاء الفصحى» تعني بهذه اللغة ويتعاون أفرادها
على التمكن منها ويتعودون على التحدث والكتابة بها وحين تتعارف هذه النويات
وتتبادل الخبرات يسري ويتنامى في جسد الأمة وعي لغوي جديد فتنشأ في كل بيت أو
بناية جمعية، وفي كل شارع أو حي أو مدينة عشرات الجمعيات ما بين صغيرة وكبيرة
جمعيات للشباب والشابات للرجال والنساء تتنافس كلها في هذا الخير.
الفصحى في التعليم والمؤسسات
ما الذي يمنع أن تتكون في كل فصل في المدارس والمعاهد والجامعات،
جمعية من أصدقاء الفصحى؟ وكذلك في الوزارات والمصالح والشركات، يتميز أعضاء هذه
الجمعيات بسمت واضح حب الفصحى والحرص على استخدامها في كل مقام، ودعوة غيرهم إلى
ذلك لا يبالون بانتقاد أو حتى سخرية ممن هم على غير طريقهم من المتغربين. ما الذي
يمنع أساتذة العربية– وكذلك المواد الأخرى في المدارس والجامعات أن يكونوا كسائر
الأساتذة في بلاد الدنيا يدرسون ويتواصلون مع طلابهم باللغة الفصحى لا بالعاميات،
وهم بين الطلاب في موضع القدوة والأسوة؟ ما الذي يدفع مؤلفي المسرحيات والتمثيليات
والأغاني إلى اصطناع العاميات أداة للتعبير مع أنهم يعلمون قطعًا أن في ذلك جناية
على لغة الأمة؟ أليس الأجدر بهم أن يسهموا بإنتاجهم الفني في ترقية الذوق والمستوى
اللغويين لا في الهبوط به؟ والعاميات– بلا جدال– هبوط بالنسبة للفصحى.
أهمية العمل النقابي والممارسة
كل تلك التجمعات والنشاطات يمكن أن تقوم وتنتشر دون خوف من تدخل أي
سلطة، ولست أظن أن أي سلطة وطنية يعنيها شأن الأمة وشأن لغتها تقف حجر عثرة أمام
قيام جمعيات رسمية ونواد وهيئات مفتوحة للراغبين من أبناء الأمة تكون غايتها نشر
الوعي بأهمية اللغة والعمل بكل وسيلة– على ترقيتها والدفاع عنها، وأن تصدر عنها في
ذلك النشرات والدوريات. أليس أمر اللغة– من بين اهتمامات الأمة والسلطة المتولية
أمرها– يأتي في الأهمية قبل الرياضة بأنواعها وشتى الهوايات المباحة من رسم وتصوير
ونحوها؟ دع منك ما هو منكر ومذموم. أين دور جمعيات ونقابات المعلمين والخريجين
والأدباء وسائر جمعيات النفع العام، خاصة ذات التوجه الإسلامي منها في التوعية
بهذا الأمر المهم وتشجيعه ودعمه؟ متى تسمع عن «الديوانية» الأولى التي يتواصى
روادها من المثقفين بالتزام الفصحى أداة للنقاش في جلساتها؟ هل نظن الأمر غير ممكن
أو نخاف من الأخطاء اللغوية؟ إننا حين نكتب طلبًا أو مقالًا نستخدم الفصحى لا
العامية، فالأمر ممكن إذن والأخطاء أمر طبيعي تتخلص منها الممارسة التي تنضج
الملكة وتقوي السليقة وتكسر حاجز الخوف، وما هي إلا جلسات حتى يصبح الحديث بالفصحى
أمرا طبيعيًا ممتعًا في الوقت نفسه. فهل نبدأ؟ عسى ألا نتردد كثيرًا.
اقرأ أيضا
قطر الخيرية تطلق مشروع العربية الفصحى بالفطرة والممارسة