; اللسان العربي والحرف العربي: الفاتح المطارَد | مجلة المجتمع

العنوان اللسان العربي والحرف العربي: الفاتح المطارَد

الكاتب عبدالوارث سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1993

مشاهدات 35

نشر في العدد 1051

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 25-مايو-1993

رحلة الخط العربي وتطوره

للحرف العربي الجميل الرائع رحلة طويلة خصبة، بدأت مسيرتها الحضارية مع إشراقة الإسلام، لقد عرف العرب الكتابة قبل الإسلام بشكل محدود جدًا بحيث حقّ عليهم لفظ الأميين وكان خطهم مشتقًا من الخط النبطي، وفي عام 2هـ بدأت أول خطة لـ محو الأمية، بعد انتصار «بدر» وأخذت الكتابة تنتشر بين المسلمين وأتيح لهذا الخط مزيد من الرسوخ حين استخدم في تدوين القرآن الكريم وشيء من السنة النبوية، وكتابة المعاهدات ورسائل "رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلى الملوك، وازداد الأمر توسعًا في عهد الراشدين، ومع الفتوح وانتشار الإسلام خارج شبه الجزيرة انفتحت ميادين جديدة أمام الخط العربي إذ تعلمه المسلمون ليتمكنوا من قراءة كتاب الله وسنة رسوله، كما تعلمه غير المسلمين لأن العربية أصبحت لغة الدواوين ولغة العلم والتعلم، ومع هذا الانتشار وتعلق الشعوب الإسلامية به تناولته يد التحسين والافتنان طورًا بعد طور، وابتكرت منه أشكال عديدة ينافس بعضها بعضًا في روعة الفن والجمال، فغدا في جماله آية لم يشهد التاريخ لها مثالاً.

دور الحرف في تسجيل الأنظمة الصوتية

ثمة جانب آخر أهم من ذلك هو دوره في تسجيل النظام الصوتي للعربية، وهو من أنضج الأنظمة الصوتية في لغات العالم وأوسعها: لقد أظهر ذلك الخط كفاءة نادرة في ذلك، الأمر الذي رشحه ليكون الأداة القديرة لكتابة مختلف الأنظمة الصوتية للغات الأخرى رغم التباين بين أصواتها فـعبر مجموعة من الرموز والتعديلات الإضافية سمحت بها مرونة الخط العربي، أمكن شعوب العالم الإسلامي أن تدون به لغاتها ولهجاتها الكثيرة المتباينة: منها مجموعات اللغات التركية والهندية والفارسية والأفريقية والتي يصل أفرادها إلى نحو ثلاثين لغة، من أقصى شرق العالم الإسلامي إلى أقصى غربه، وحين بدأت اللغة العربية - في عصور الضعف - تنحسر عن كثير من تلك الأقاليم لتحل محلها اللغات واللهجات القومية، ظل الحرف العربي مستخدمًا في تدوين أدبياتها، كما ظل - وهذا هو الأهم - حلقة الوصل بين تلك الشعوب والقرآن الكريم فكنتَ تجدهم - ولا يزالون كذلك في مناطق عديدة يحسنون قراءة القرآن الكريم صغارًا وكبارًا وإن كانوا لا يفهمون من لغته ومعانيه شيئًا لضياع العربية من لسانهم.

الحرب الصليبية على الحرف العربي

وجاءت الموجة الصليبية الأوروبية الثانية في القرن التاسع عشر وسيطرت على كل بلاد العالم الإسلامي تقريبًا وكان الحرف العربي الذي فتح كل تلك البلاد واللغات أحد الأهداف التي سددوا إليها سهامهم فطاردوه أنى حلوا واستبدلوا به حرفهم اللاتيني زاعمين - وهم كاذبون - أن الحرف العربي معيب وعاجز عن تصوير أصوات تلك اللغات رغم قيامه قرونًا بهذه المهمة بكفاءة ولم توجه نحوه خلالها تهمة أو شكوى عشرات اللغات الإسلامية صارت اليوم تكتب بالحرف اللاتيني من الإندونيسية والماليزية في شرق آسيا إلى اليوروبا والهوسا في غرب أفريقيا مرورًا بالتركية والسواحيلية، ولم يبق يكتب بالحرف العربي سوى قلة أشهرها الفارسية والأوردية، ولقد سخروا عملاءهم وبعض المخدوعين بزيفهم للترويج للخط اللاتيني والهجوم على الخط العربي وكان الذي تولى كبر هذا الجرم مصطفى كمال صنيعة الماسونية اليهودية، واحتذى حذوه أمثاله في العالم العربي فدعوا – بلا حياء - إلى كتابة العربية ذاتها (!!) بالحروف اللاتينية: عبد العزيز باشا فهمي في مصر (من فوق منبر مجمع اللغة العربية، مايو 1943) وأنيس فريحة وسعيد عقل في لبنان: كل ذلك الحقد على هذا الخط لم يكن في الحقيقة لعيب فيه ولا لمزية في غيره وإنما بسبب ارتباطه بكتاب الله العزيز وتراث الإسلام المجيد ووصله المسلمين في كل مكان بهما فأرادوا قطعهم عنهما ووصلهم بلغات الغرب وتراثه، وقد كان ولا يزال الكيد للخط العربي مستمرًا ولازلنا - نحن العرب - لاهين لا نبالي بل ربما أعانهم بعضنا جهلاً وسفهًا، وإن دس ما يسمى تضليلاً بالأرقام العربية (1.2.3) ليس سوى ضرب من هذه الحرب.

اقرأ أيضا:

من أين جاء نُطق الحروف العربية؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 62

115

الثلاثاء 01-يونيو-1971

تركيا..  زلازل طبيعية وصناعية!

نشر في العدد 38

137

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

يوميات المجتمع (38)