العنوان أدب (العدد 718)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1985
مشاهدات 70
نشر في العدد 718
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 21-مايو-1985
محطة
أنادي:
«بلادي»
فيرجع صوتي إلى كسيرًا
وأرسل في الأفق طرفي الحسيرا
فأبصر سائمة لا ترد المغيرا
وقافلة من عبيد وأسرى.
ترى العيش لهوًا وخمرًا
وأوشك أن أكسر القلم المستنيرا
ولكن صوتًا يشق العصورا
ويطرد عني الظلام المبيرا:
«رد الطرق حتى نوافي النميرا
قرب عسير أتاح اليسيرا
وطر حيث أنت قوي الجناح
لأعذر عندك أن لا تطيرا»
فأحمل سيفي
وأرفع كفي
وأعلن في الناس:
أني بدأت المسيرا
بعزم يهد الصخورا
أشق الطريق العسيرا
الأمراني
قصة قصيرة
أين اختفى أبو ريَاح؟
في منطقة الشيخ محيي الدين حيث تكون قد صرت بالفعل في دمشق القديمة، يحسن بك أن تعيش أيامًا عدة، تصحو مع أذانات الفجر الندية، وترقب الشباب والكهول يهرعون إلى المساجد للصلاة، وربما لحظت عددًا من النساء أيضًا يتجهن إلى صلاة الفجر خاصة. ثم ما تلبث أن ترى عشرات الرجال والشباب وبعض الأطفال ينحدرون بسرعة عبر الأزقة الضيقة، يحملون بعض أدوات العمل أو بعض الزاد؛ ليلحقوا سيارات الأجرة التي تكون بانتظارهم، فيتقاسم كل خمسة أجرتها، سواء أكان يعرف بعضهم بعضًا، أم دون سابق معرفة.. ثم ما تلبث الحياة أن تدب في الأحياء، فيكثر الضجيج والصخب، وتعلو زقزقات أولاد المدارس صبيانًا وبنات، وترتفع أصوات الباعة المتجولين، ويبدأ يوم جديد من العمل والنشاط والهموم.
هنا كان يسكن أبو رياح. بل هنا كان يعمل أبو رياح. فأنا لا أعرف البيت الذي كان يسكنه، وربما كان معظم أبناء الحي لا يعرفون كذلك. غير أننا جميعًا نعرفه بشكله ولباسه وعمله وحضوره في كل حين.
أبو رياح يا صاحبي في الخمسين من عمره لا ريب، محدودب الظهر، قصير القامة- ربما كان ذلك من أثر ظهره المحني- كث الشاربين، يلبس ذلك «الشروال» البلدي المعروف، بلونه الأسود وشكله الفضفاض من الأعلى، الضيق من الأسفل، ويضع على رأسه «طاقية» بيضاء صيفًا، و«سلكا» أو «شماخًا» أبيض وأسود شتاء. وهو لا يطيل لحيته، ولا تبدو أبدًا أنها محلوقة تمامًا كذلك.
وأبو رياح يبيع «الكاز» أحيانًا في مواسم الشتاء، ويبيع الخضار والفواكه أحيانًا أخرى، غير أن عمله شبه الدائم هو في الفرن، حيث يقف وراء الميزان، ويلبي طلبات الناس من الخبز
والخبز- يا زائري- مشكلة المشكلات الكثيرة. فالساعة الذهبية للحصول عليه دون ازدحام، هي مع أذان الفجر، أو بعده مباشرة، أما إذا عاد المصلون من مساجدهم، وعرجوا على الأفران، وبدأ الناس في الذهاب إلى أعمالهم، فهنالك تبدأ المشكلة.. حيث يكثر الزحام وتتدافع المناكب، ويعلو الصراخ ويعلو عليه صوت مهدئي الخواطر ومطيبي النفوس، داعية إلى التروي والهدوء والاصطفاف بالدور والمحافظة على النظام.
لكن أبا رياح الذي يقف وراء الميزان اعتاد على الصراخ والازدحام، وألف وجوه المتريثين بقدر ما حفظ سحنات المتسرعين الذين يحاولون تجاوز النظام ليلحقوا ازدحامًا أشد وطأة وأكثر إيلامًا، هو ازدحام الباصات التي ستقلهم إلى أعمالهم. بل ربما كان عليهم أن يعيشوا وطأة الزحام في أكثر من باص، إذا كانت أمكنة العمل بعيدة.
وأبو رياح، بهدوئه الواضح وسعة صدره، وكرم خلقه، يصبر على هذا كله. غير أنه حين يرى الأمور قد زادت عن حدها، وعلا الصراخ عن «السقف» المحدد له، وتجاوز أحدهم فعلًا دوره، بتجن ودونما سبب.. عندئذ يتدخل بطريقته الخاصة، فهو قد يوقف البيع دقائق حتى يهدأ الصراخ ويعود المتجاوز إلى مكانه الصحيح، وقد يستعمل «صراخه» الأدبي المعقول، فينصاع له أبناء الحي ويعترفون «لعمهم» أبي رياح بمسؤوليته في تحديد من يأخذ أولًا وثانيًا وثالثًا.. وتنتهي الأمور دائمًا إلى خير.
لكن دور أبي رياح يتجاوز هذا الدور، وهذا التأثير في الحي. فإليه يلجأ الأطفال حين يحول الكبار بينهم وبين حقهم في الخبز، أو حين تحدث المشاجرات، فهم يعرفون أن أبا رياح الذي يمسح على رؤوسهم ويطيب خاطرهم بكلمته «يا عمي» التي ينصاع لها الجميع.. يمكنه أن يعيد لهم حقوقهم ويرضيهم، ويخرجهم جميعًا من مشكلتهم قانعين.
وإلى أبي رياح أيضًا تفزع النساء الضعيفات اللائي حرمن من رجل البيت ومعيله، أو أصابتهن مشكلات اجتماعية وأزمات. فعند أبي رياح يجدن العقل الراجح، والصدر الجنون، والقدرة على التأثير في الرجال والخصوم.
ومع أن أبا رياح ليس كثير المال أو الجاه، فهو- وقليل من الناس من يعرف ذلك يقينًا- ملاذ لبعض من ضاقت به الأحوال، أو فاجأته المصيبات، أو ألمت به الفاجعات، فهو يأخذ من الموسرين والأغنياء، ليعطي المعوزين والفقراء، والكل واثق به مرتاح إليه.
في أحد الأيام- يا زائري- اختفى أبو رياح! وحين يختفي أبو رياح، فإن حدثًا غير عادي أبدًا قد جرى في الحي، وسيشغل الناس علنًا وهمسًا لفترات طويلة بالحديث عنه.
قال بعضهم: ربما كان مريضًا، ولكن من يعرف بيته ليتفقده؟ وقال بعضهم: ربما ترك عمله إلى عمل آخر. ولكن صاحب الفرن والعاملين معه لا يؤكدون ولا ينفون، بل يتحاشون الإجابة بكل وسيلة ممكنة. وقال بعضهم: ربما سافر لأمر ضروري، وهو لا يريد أن يخبر أحدًا. غير أن «أبا شهاب» المقرب منه كثيرًا يحلف الأيمان على أن أبا رياح يستحيل أن يسافر إلى أي مكان دون أن يخبره، ولقد قيل هذا وأغرب منه، غير أن كل الروايات التي قيلت، لم تقنع أحدًا أو تشبع فضوله، فلا بد للجميع أن يعرفوا بالضبط، أين، ولماذا اختفى أبو رياح؟!
صديقك- يا صاحبي- يعرف أن لأبي رياح همومه، ويعرف أن لأبي رياح معاناة داخلية رهيبة، يخفيها حتى عن أقرب المقربين إليه، فأبو رياح الذي يفردني من بين الجميع بكلمة «أستاذ»، اعتاد أن يسر لي بين فترة وأخرى بتبرمه من الأوضاع العامة، والقهر النفسي الذي يعيش تحت وطأته الناس، بعد أن استنفدت أو كادت كل ألوان القهر المادي. وكان لا يخفي إحساسه بأن الأمور لابد أن تسفر عن هزات عنيفة، ربما طالت البعيد والقريب. غير أن غيابه المفاجئ هذا أدهشني بصورة غير عادية، فما كنت أتوقع أن يخفي عني بالذات موعد غيابه وأسبابه، وهو الذي كان يعتبرني موضع أسراره والصدر الذي يودعه همومه.
كنت أعلم أن مفتاح السر عند الخباز أبي جلال. فهو، وإن كان يتمنع عن إجابة الجميع، ويتحاشى أسئلتهم باستمرار، فلابد أن يفضي بهذا السر لشخص ما، ليزيح عن صدره هذا العبء الكبير. ولذلك فقد كان علي أن أنتظر قليلًا حتى تهدأ الأمور من حولنا، وتزداد حاجة أبي جلال ليفضي بسره المكنون، فأعرف سبب اختفاء أبي رياح، وتطمئن نفسي لذلك.
بعد أسابيع، جاءني أبو جلال بنفسه، كانت علاقتي به وطيدة وكان- لا أكتمك- يترك لي وأنا العزب الذي أسكن منفردًا، بضعة أرغفة ناضجة تمامًا، بل محمرة قليلًا، فأنا أحب هذا النوع من الخبز. وكان يعرف أيضًا تلك العلاقة الخاصة بيني وبين أبي رياح، وإن كان لا يحاول معرفة كنهها أو موضوعها، وكما هي العادة، فقد استحلفني أبو جلال ألا أبوح بالسر فهو لا يريد مشكلات له ولأهل الحي! ولما طمأنته ووعدته، استراحت نفسه وقال:
كان الوقت ظهرًا يا أستاذ. ولم يكن بالباب أكثر من أربعة زبائن، منهم من هو من أهل الحي، ومنهم من هو عابر سبيل، وكان أبو رياح كعادته وراء الميزان، ينتظر الخبز أن يبرد قليلًا ليزنه ويبيعه للمنتظرين. ثم ما لبثت سيارة «لاندكروز» كبيرة أن وقفت قرب الفرن، ونزل منها سائقها الشاب، وقد تمنطق بمسدسه، وأكثر العناية بثيابه العسكرية، دون ذوق أو جمال، بل بشكل قبيح، يوحي بأنه متعود عليها منذ فترة وجيزة.
اقترب السائق من نافذة الفرن، وتجاوز الواقفين وقال بلهجة آمرة:
- أعطني كيلو خبز.
- أهلًا وسهلًا.. سأعطيك بعد أن يبرد قليلًا.
- قلت لك أعطني (ولًكْ)!
- يا بني.. هدئ أعصابك وانتظر حتى يبرد الخبز.. ثم إن الخبز بالدور كما تعلم.
في هذه اللحظات الغاضبة، ولكي تزداد المشكلة إثارة، انضم أحد الواقفين من الزبائن إلى أبي رياح معترضًا على تجاوز هذا العسكري لدوره، وما كاد ينهي وأبو شهاب كلامهما، حتى قفز العسكري إلى الباب، واندفع داخل الفرن بقوة، وفي لحظة توقع رهيبة رفع العسكري يده وصفع أبا رياح على وجهه، ثم لكمه بيساره، وأخذ عددًا من الأرغفة- دون أن يدفع ثمنها- ومضى إلى سيارته فركبها.
وباندفاعة مفاجئة انطلق بالسيارة دونما وعي، ولولا لطف الله تعالى لضرب أحد الأولاد بسيارته وقتله.
لم يحتج الأمر كله لأكثر من دقيقة. وجم الواقفون جميعًا، وأصبت- مع العاملين معي في الفرن بالذهول. أما أبو رياح فقد نكس رأسه، ووضع يديه على عينيه للحظات، ثم ترك الفرن ومضى.
لا تلمني يا أستاذ إذ لم ألحقه وأرجعه، كانت لحظات قاسية لا عقل فيها ولا تفكير.. ثم ما الذي يدريني أن أبا رياح سيغادر الفرن والحي دونما إخبار أحد.
لم ينتبه أبو جلال عندما أنهى قصته، إلى أن دموعًا كثيرة قد ترقرقت من عينيه، كان يتكلم بألم شديد، ويكاد ينتزع الكلمات من صدره انتزاعًا. فقد كانت الحادثة أكثر مما يحتمل بكثير.
لم يطلب أبو جلال الاستئذان عندما ذهب، ولم أطلب منه أن يبقى، وما أذكر إذا كان قد رمى السلام قبل خروجه أم لا. إنما الذي أذكره أنني أمضيت وقتًا طويلًا مطرقًا دون حراك، ولولا ضجيج جيراننا المفاجئ، لما كنت صحوت من إطراقتي أبدًا.
محمد وليد سليمان
شعر
اللهم اغفر لي
أرجوك يا ربي الهداية *** فاهدني سبل الرشاد
وقني من الشيطان واغفر *** كبوتي يوم التناد
أرجوك لا أرجو سواك *** فإن همي في ازدياد
أرجوك أن تحمي ضعيفًا *** خاف من دنس الفؤاد
إبليس والنفس الخبيثة *** أشعلا نار الفساد
وجنوا علي وقد برئت *** إليك من هذا العناد
فاغفر لي اللهم ذنبي *** وادخر أجر اجتهادي
عبد الله سعيد الصفار
غربة مسلم
قصتي يا إخوتي..
إني غريب في ديار المسلمين..
أشترى وجداني المسلوب ظلمًا
في متاهات السنين!!
دمعتي في العين حرى..
والقوافي والشجون
هل تراني قابضًا جمرًا ونارًا
في ضياع وظلام.. يا زماني!
وأنا المسئول عن ديني
وعن قومي الأماجد..
وتراب الخالدين..
قم صلاح الدينا فينا..
جرد السيف صقيلًا..
مزق الصمت الرهيب..
واجعل الدين سبيلًا
خلف قضبان السجون..
وأمام الجائرين..
واقتل اليأس اللعين..
واستعن بالله وأسدل صفحة الخوف المشين.
عز الدين شقير
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل