العنوان اللوبي اليهودي يعلن حالة الاستنفار للسيطرة على الكونجرس
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1994
مشاهدات 107
نشر في العدد 1131
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 27-ديسمبر-1994
- الجمهوريون لن يكونوا أقل من الديمقراطيين في دعم ومساندة «إسرائيل» لأن ذلك من أهم ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة
- بعد فوز الجمهوريين في الانتخابات الأمريكية
بدأت اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشئون العامة «إيباك» التي تمثل اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة إعادة تنظيم صفوفها وبناء هيكليتها للتعامل مع الوضع الجديد الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الأمريكية التي جرت يوم الثامن من شهر نوفمبر الماضي، حيث يسيطر الجمهوريون لأول مرة منذ أربعين عامًا على الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ في دورته الـ 104.
وكان أول عمل تقوم به «إيباك» في ذلك المجال هو زيادة عدد العاملين المتفرغين للعمل في أوساط أعضاء الكونجرس، وإضافة ملاحق جديدة لنشرتها الدورية الأسبوعية المسماة تقرير الشرق الأدنى التي اتخذت قرارًا بإصدارها مرتين في الأسبوع بدلًا من مرة واحدة كما كانت العادة، وزيادة عدد الرحلات التي تنظمها لوفود من الكونجرس الأمريكي لزيارة الكيان الإسرائيلي، حيث ستبدأ أولى هذه الرحلات في شهر يناير المقبل بعد بدء إشغال الدورة الـ104 للكونجرس الجديد، والتي ستضم مستشارين كبار من الحزب الجمهوري، وفي الوقت نفسه ونظرًا للأزمة المالية التي تعانيها بسبب انخفاض عوائدها من أموال التبرعات اليهودية في أعقاب اتفاقات الصلح التي وقعتها قيادة منظمة التحرير والأردن مع «إسرائيل»، فقد قامت «إيباك» بتخفيض عدد موظفيها بنسبة عشرة بالمائة.
ويقول المدير التنفيذي للجمعية الوطنية للعرب الأمريكيين خليل جهشان إن إيباك كانت تعاني منذ ما قبل عملية التسوية العربية - الإسرائيلية مشاكل داخلية وتنظيمية وسياسية، مشيرًا إلى أن الصراع على القيادة داخل إيباك أثر سلبيًا على نشاطها، وأضعف من موقعها، وقدرتها على العمل، كما أن عملية التسوية - حسب رأيه - «تسببت فجأة في فرط برنامج إيباك السياسي القائم على أساس ضرورة مساعدة «إسرائيل» ووقوف أمريكا إلى جانبها في مواجهة ما تزعم أنه حلف عربي معادٍ من 22 دولة عربية، ورفض العرب الصلح مع إسرائيل»، كما أن الخلاف مع «إسرائيل» بسبب وجود حكومة عمالية وبين اتجاه ليكودي مسيطر في إيباك، قد ساهم في إضعاف نشاطات إيباك، ورغم أن جهشان يؤكد أن اللوبي الإسرائيلي قوي إلا أنه يقول إن سر نجاح إيباك يعتمد بنسبة 30% على نشاط حقيقي، ولكن الاعتماد الأساسي هو على الأسطورة التي غرستها ونشرتها «عن قوتها الطاغية»، والتي تشكل نسبة 70% من سر نجاحها.
ويرى مراقبون أن إيباك سوف تبذل جهودًا أكبر مع الكونجرس الجديد لتبرير مساعيها بشأن جمع المزيد من الأموال وتبرير وجودها بالأصل، خاصة وأن الكونجرس في دورته الجديدة يشهد تراجعًا في عدد الأعضاء اليهود الأمريكيين، إذ بينما كان عدد النواب اليهود في الدورة 103 للكونجرس 32 عضوًا يمثلون 7.5% أصبح عددهم الآن 24 بنسبة 5,5%، فيما يبلغ عدد اليهود الأمريكيين الأعضاء في مجلس الشيوخ في الدورة الجديدة تسعة أعضاء مقارنة بعشرة أعضاء في الدورة السابقة وكانت نسبتهم عشرة بالمائة، وهي نسبة تفوق كثيرًا جدًا نسبة وجودهم في المجتمع الأمريكي، حيث لا تتجاوز تلك النسبة 2,5% من مجموع سكان الولايات المتحدة.
الصورة والأصل
كما أن السبب الآخر الذي يدفع «إيباك» لزيادة نشاطها في الكونجرس أنها شهدت مع قدوم حزب العمل الإسرائيلي للحكم في الكيان الإسرائيلي الذي ترافق مع وصول رئيس ديمقراطي للحكم في البيت الأبيض، تغيرات على صعيد قيادة اللوبي الإسرائيلي حيث تم الإطاحة بعدد بارز من قيادتها التي كانت موالية لتكتل الليكود الذي يعتبر الأقرب سياسيًا وعقائديًا إلى الجمهوريين المحافظين الذين يسيطرون الآن على الكونجرس الجديد، ولكن هذا لا يعني أبدا أن الجمهوريين سيكونون أقل من الديمقراطيين في دعم وتأييد «إسرائيل»، باعتبارها من أهم ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة منذ أواخر الأربعينات، ولكن ما يسعى إليه اللوبي الإسرائيلي حاليًا هو أن لا يؤدي النزاع بين الكونجرس الجمهوري وإدارة كلينتون الديمقراطية إلى حدوث تأثيرات سلبية مهما كانت طفيفة على الموقف الأمريكي تجاه «إسرائيل» في فترة التحول الجارية في المنطقة التي تشهد تراجعًا عربيًا وهيمنة شبه مطلقة للكيان الإسرائيلي، إذ إن جدول أعمال اللوبي الإسرائيلي في الكونجرس يهدف دائمًا إلى خدمة المصالح الإسرائيلية بغض النظر عن نوع الحكومة الإسرائيلية، ويسعى دائمًا إلى تمتين العلاقة الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية، بحيث «تظل إسرائيل تمثل «البقرة المقدسة» التي تدور حولها العطاءات والمناقصات والمصالح الأمريكية في المنطقة»، ومن الجدير بالذكر أن المساعدة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية السنوية التي تحصل «إسرائيل» عليها رسميًا بقيمة ثلاث مليارات دولار منذ ما يزيد على 14 عامًا لا تجد معارضة تذكر داخل الكونجرس لدى المصادقة عليها.
وتقول الصحيفة اليهودية واسعة الانتشار في الولايات المتحدة «فوروورد» «إلى الأمام» 18 نوفمبر 1994م، إن التغييرات في الكونجرس قد تسببت في ارتعاشات داخل المؤسسة الأمريكية اليهودية، مشيرة إلى أن «زعماء منظمات مثل «إيباك» ربما ينبغي عليهم دفع الثمن لعلاقاتهم الحميمة التي استمتعوا بها مع القيادة الديمقراطية «المطاح بها».
وكان رئيس «إيباك» ستيف غروسمان، وهو ديمقراطي بارز ربط نفسه كثيرًا بإدارة الرئيس كلينتون الديمقراطية، قد يجد نفسه الآن في موضع الدفاع، ولكنه في الوقت نفسه يتلهف لإظهار قدرته على ممارسة النفوذ على القيادة الجمهورية والإبقاء على فعالية اللوبي الإسرائيلي داخل الكونجرس.
غير أن «فوروورد» تقول في الوقت نفسه إن مسئولي المعهد اليهودي للأمن القومي «جينزا» والمنظمة الصهيونية لأمريكا - اللتان عوملتا معاملة المنبوذ من قبل إيباك والمنظمات اليهودية الرئيسية الأمريكية - تستعدان لقطف ثمار الجهود التي بذلتاها في السنوات الماضية منفقة الأموال الطائلة في دعم الجمهوريين المحافظين الذين هم الآن في موقع السلطة في الكونجرس، ومن بينهم عضوا مجلس الشيوخ جيسي هيلمز، وأرلين سبيكتر، والنائب بينيامين غليمان الذي سيصبح رئيسًا للجنة العلاقات الدولية «الشئون الخارجية سابقًا» في مجلس النواب الأمريكي.
برنامج تثقيفي.. وجمع أموال
وبالرغم من الخسارة الكبيرة للديمقراطيين واليهود في انتخابات 1994م، إلا أن «إيباك» ولجان العمل السياسي الموالية لإسرائيل، ولجان ومنظمات أخرى تتطلع الآن نحو الانتخابات القادمة لعام 1996م، وتقول «إيباك» إنها سوف تكثف جهودها لتثقيف أعضاء الكونجرس الذين لم يخسروا انتخابات نوفمبر الماضي، بينما تواصل برنامج منظماتها القاعدية التثقيفي الناجح لتثقيف مرشحين محتملين للكونجرس، إضافة للعمل على تثقيف موظفي ومستشاري أعضاء الكونجرس الجدد وموظفي ومستشاري لجان الكونجرس المختلفة التي سيطرأ عليها تغيرات جذرية بتسلم الجمهوريين رئاستها، حيث سيتم التخلص من عدد كبير من الموظفين فيها ذوي الولاءات الديمقراطية.
غير أن المشكلة الأولى التي تواجه لجان العمل السياسي اليهودية «وهي اللجان التي تتولى تقديم التبرعات المالية لدعم الحملات الانتخابية للمرشحين»، تتمثل في محاولة تشخيص الخطأ الذي تسبب في تقلص حجم التبرعات المالية التي جمعتها في العامين الأخيرين، وتقول وكالة الأنباء اليهودية إن تلك اللجان عانت من انخفاض حاد في المساهمات المالية من يناير 1993م، وحتى سبتمبر 1994م، حيث جمعت 39 من لجان العمل السياسي اليهودية الرئيسية خلال الفترة الرئيسية للحملات الانتخابية 1.2 مليون دولار فقط بانخفاض قدره 50% للفترة السابقة المماثلة، وقد ذهب أكثر من 80% من تلك المساهمات إلى المرشحين الديمقراطيين.
ويقول المدير التنفيذي للجان العمل السياسي القومية اليهودية شك بروكس إن «عملية السلام من المؤكد أنها أضرت بجمع التبرعات من قبل المنظمات اليهودية»، وأضاف أن «الأنباء الطيبة عن زيادة فرص السلام في الشرق الأوسط قد أدت إلى نقصان النشاط اليهودي».
وتقول مصادر «إيباك» إنه بالرغم من هالة القوة الطاغية التي تحيط باللوبي الإسرائيلي باعتباره الأكثر قوة من بين مجموعات الضغط المختلفة في واشنطن، فإن هذا لا يعني أن مواردها المالية غير محدودة، ونتيجة لذلك فإن المدير التنفيذي لإيباك نيل شير اتجه للتنظيم في مناطق أخرى من أجل زيادة حضوره في الكونجرس، وقد تم في الشهور الماضية ضغط النفقات في المقرات الرئيسية لإيباك، وجرى تجميع موظفي وكوادر المنظمة في مكاتبها الصغيرة، كما أنها كانت أغلقت مكتبين ميدانيين لها في فلادلفيا وسان دييغو بولاية كاليفورنيا، وقد تم مؤخرًا فصل 18 من العاملين في مكاتب إيباك في إطار إعادة تنظيم بنائها الهيكلي ولكن عدد العاملين لن يقل عن 110، وسيكون الاعتماد بشكل رئيسي على المتفرغين منهم، وكان الجهاز الإداري لإيباك قد تضاعف ثلاث مرات في السنوات الـ 12 التي كان توماس داين يشغل فيها منصب المدير التنفيذي للمنظمة، كما أنها تحولت في عهده من منظمة ضغط صغيرة الحجم نسبيًا ولكنها مجموعة ضغط مهمة في السياسة الخارجية بميزانية تصل إلى 15 مليون دولار من أموال المساهمات والتبرعات المالية.
وينفي مسئولو «إيباك» أن يكون الاتجاه الجديد سيؤدي إلى أي تقليص في نشاط المنظمة داخل الكونجرس، حيث يقولون إن تلك الخطوة كانت أحد متطلبات الوضع الجديد الناجم عن دخول أعضاء جدد للكونجرس، وكانت نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة سجلت فوز 87 عضوًا جديدًا لمجلس النواب و11 عضوًا جديدا لمجلس الشيوخ، ويقول الناطق باسم «إيباك» توبي دير شويتز إن العمل مع الكونجرس هو «مهمتنا وخبزنا، وزبدتنا»، وتشير مصادر مطلعة إلى أن إيباك تماشيًا مع التطورات التي حدثت في واشنطن قد تفتح مكاتب جديدة لنشاطاتها التي ينتظر أن تزيد في أوساط الكونجرس، ومن المعروف أن لدى إيباك تسعة مكاتب إقليمية في الولايات المتحدة.
ويقول المدير التنفيذي لإيباك تعليقًا على التغيرات الجديدة إنه «لو أن الانتخابات لم تؤدِ إلى تبديل بالطريقة التي تمت الآن لكنا واصلنا العمل مثلما تقوم به حاليًا»، وتتضمن التغيرات التي تجريها إيباك خفض قوة العمل من 133 موظفًا إلى 115، تقليم الميزانية البالغة 13 مليون دولار بنسبة تتراوح من 6 إلى 10% وإغلاق ثلاثة مكاتب متابعة في ثلاثة ولايات أمريكية، ونقل مكاتب العمل الميداني إلى خارج العاصمة واشنطن توفيرًا للمال، ولتسهيل الاتصال بأعضاء الكونجرس في مقاطعاتهم الانتخابية، ولكن أهم الأمور الدالة على حقيقة تأثير الوضع المالي على نشاطات إيباك هو القرار الذي اتخذ بتعيين متمول يهودي أمريكي كبير هو رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ورئيس مجلس إدارة شركة «سيغرام»، إدغار برونغمان، ليترأس حملة إيباك لجمع الأموال والتبرعات، ومن المعروف أن برونغمان من أكبر المتبرعين لإيباك.