; المافيا الدولية.. نشأتها وخطرها علي أمن العالم واقتصاده (2 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان المافيا الدولية.. نشأتها وخطرها علي أمن العالم واقتصاده (2 من 2)

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997

مشاهدات 67

نشر في العدد 1241

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 11-مارس-1997

 

تضم مافيا الياكوزا اليابانية 22 ألف فرد ..ويبلغ رأسمالها السنوي 460 مليون دولار من أعمال القمار والاحتيال على البنوك

تعتبر المافيا في الولايات المتحدة من أخطر عصابات الجريمة المنظمة في العالم. وإذا كانت صقلية وإيطاليا بشكل عام قد صدرت للولايات المتحدة خلال القرن الماضي. وأوائل هذا القرن أخطر عائلات المافيا كآل كابوني في شيكاغو وشارلز لوسيانو في نيويورك، إلا أن الاتحاد السوفييتي السابق صدر لها خلال العشرين سنة الماضية أخطر عصاباته التي يسيطر عليها يهود مهاجرون خرجوا من بلادهم باسم الهجرة إلى إسرائيل، ثم استقروا في المدن الأمريكية، وإلى جانب العصابات الإيطالية اليهودية برزت في الولايات المتحدة أيضا عائلات مافيا أيرلندية الأصل.

كان ألفونسو كابوني يسمى «قيصر» الجريمة في شيكاغو الذي جمع ثروات كبيرة لم يعرف كيف ينفقها ، وقد ولد كابوني في بروكلين بنيويورك عام ۱۸۹۹م من والدين إيطاليين هاجرا إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن الماضي، وانضم إلى أول عصابة له «بي إم بومز»، وهو في الحادية عشرة من عمره، ثم تخرج منها لينضم إلى عصابة فايف برونترز حيث تدرب على ابتزاز الأموال على يد معلمه جوني توريو، ثم انتقل مع معلمه جوني إلى شيكاغو، وعندما أصيب توريو برصاصات أقعدته عن العمل في عام ١٩٢٥م، قرر نقل زعامة عصابته «الضوء الأحمر»، إلى آل كابوني، وواصل كابوني عمله في الابتزاز وإدارة مواخير الدعارة والحانات غير المرخصة التي سلمها له معلمه توريو وسرعان ما أصبح مليونيرًاً، وبعد أن تعرض لعدة محاولات استهدفت حياته من قبل عصابة منافسة في شيكاغو، قرر أن يرد الصاع صاعين حين ارتكب مذبحة بحق عدد من أعدائه في عيد القديس فالانتين يوم ١٤ فبراير ۱۹۲۹م، وكان من نتيجة ذلك أن دانت له كل العصابات الأخرى في المدينة، وخضعت لإمبراطورتيه، ثم اعتقل بتهمة التهرب من دفع الضرائب، وحكم عليه بالحبس ١١ عامًا. وقضى الجزء الأعظم منها في سجن الكاترز الشهير في خليج سان فرانسيسكو، وفي عام۱۹۳۸م اكتشفت إدارة السجن أنه مصاب بمرض السفلس «الزهري»، إصابة متقدمة، وخارت قواه العقلية نتيجة المرض، فأطلق سراحه عام. ١٩39م، ثم انتقل للعيش في فلوريدا قبل أن يموت في عام ١٩٤٧م.

وبموت آل كابوني تلاشت عصابته وإمبراطورتيه، ولعل كابوني وعصابات المافيا التي نشطت في شيكاغو في الأربعين سنة الأولى من هذا القرن هي التي جلبت تلك السمعة السيئة لمدينة شيكاغو باعتبارها مدينة الجريمة، أما اليوم فإن شيكاغو تعتبر مدينة هادئة نسبة إلى مدن أمريكية أخرى كنيويورك ولوس أنجلوس ودالاس وميامي.

 أما شارلز لوسيانو المولود في صقلية عام1897 والذي هاجر مع عائلته إلى نيويورك عام١٩٠٦م فقد انضم هو الآخر لعصابات المافيا، وهو في سن العاشرة، وأصبح عضوًا في عصابة الفايف بوينتس بزعامة جون توريو عندما كان الثامنة عشرة من عمره، وهناك أصبح صديق آل كابوني، وبدأ عمله في الدعارة في حي مانهاتن بنيويورك عام 1920م، وبحلول عام ١٩٢٥م أصبح المسيطر على سوق الدعارة في مانهاتن، وفي عام۱۹۳۷م أصبح مليونيرًا من وراء تجارة الرذيلة، وفي عام ١٩٢٩م جرت محاولة للاعتداء على حياته، حيث اختطف وضرب وطعن عدة مرات، لكنه نجا بأعجوبة من الموت، وعندما استجوبته الشرطة لمعرفة مهاجميه التزم بقانون الصمت الذي أقسم عليه قبل أن يدخل عضوًا في المافيا، فلم يخبرهم عن مهاجميه.

وفي أوائل الثلاثينيات قام لوسيانو بتأسيس الاتحاد الوطني للجريمة في نيويورك بمساعدة اثنين من اليهود ماير لانسكي وبنيامين سيجيل. واستطاع لوسيانو جمع عصابات المافيا في نيويورك تحت مظلة هذا الاتحاد؛ ليصبح زعيم زعماء المافيا في عام ١٩٣٥م، ولم ينعم لوسيانو عن بذلك المنصب طويل، حيث اعتقل بتهمتي الدعارة والابتزاز وحكم عليه بالسجن ٣٠ عامًا، ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية اتصل به وهو في السجن مندوب عن جيوش الحلفاء لمساعدتهم في غزو صقلية كما تقول بعض الشائعات، وعرضوا عليه إطلاق سراحه وتسفيره إلى روما مقابل الاتصال بأصدقائه زعماء المافيا في صقلية لمساعدة جيوش الحلفاء في دخولها ، ولم يهنأ له العيش في روما فسافر إلى هافانا في كوبا ، ثم أجبر على العودة إلى إيطاليا والتقاعد، ثم فكر في كتابة مذكراته وعمل فيلمًا عن حياته، وفي يناير ١٩٦٢م ذهب إلى مطار الـ نابولي لاستقبال منتج أفلام أمريكي كان مهتمًا بإنتاج فيلم عن حياة لوسيانو، وعندما اقترب منه لمصافحته أحس بألم شديد في صدره، وانهار الملك ميتًا بالذبحة الصدرية قبل أن يصافح ضيفه.

وفاة لوسيانو

 وبموت لوسيانو ضعف نشاط المافيا الإيطالية في الولايات المتحدة، ليحل محلها عصابات من عائلات أيرلندية يهودية معظمها قادم من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وعصابات من أصول إفريقية، وتشير الخبيرة الأمريكية الدكتورة ليديا روزنر في كتابها «الطريقة السوفييتية في الجريمة»، ١٩٨٦م إلى أن معظم المهاجرين الروس في الولايات المتحدة وكان عددهم ٧٥ ألفًا حتى عام ١٩٨٤م قد استوطنوا المنطقة الساحلية من نيويورك، حيث بدؤوا أنشطتهم في كـ تهريب البضائع من نيويورك إلى الاتحاد السوفييتي؛ اعتمادًا على معارف وأقارب لهم في الحزب الشيوعي قبل سقوطه مما درَّ عليهم أموالاً هائلة، ولأن معظم المهاجرين الروس من ذوي العقليات العلمية الذكية، فقد استخدمت عصاباتهم كل وسائل التكنولوجيا الحديثة في تنفيذ جرائم السرقة والسطو ورصد مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي أي، وجود خمس عصابات روسية كبيرة في الولايات المتحدة يتفرع عنها حوالي ۲۲۰ عصابة صغيرة تعمل في ١٧ ولاية أمريكية ( نيوزويك، 2/١٠/١٩٩٥م).

 ومن عائلات المافيا الشهيرة والقوية في نيويورك الآن عائلة جامبينو التي يتزعمها جون غوتي الشهير و،الذي اعتقل عام ١٩٩٢م وحكم عليه بالسجن المؤبد بتهم القتل وابتزاز الأموال، تنافس على زعامة العائلة من بعده ابنه جون الصغير وأخوه بيتر غوتي، وخوفاً على حياتهما وافق غوتي على نقل زعامة العصابة إلى نيكولاس كوروزو.

خشية الإدارة الأمريكية

 وتخشى الإدارة الأمريكية اليوم من تنامي نشاط عصابات المافيا الكولومبية، وعلى وجه الخصوص كارتيل كالي التي تقوم بتهريب المخدرات إلى السوق الأمريكية عن طريق العصابات الموجودة في المدن الأمريكية، وكان السيناتور السابق شارلز جراسلي قد أعرب عن خشيته من تعاون كارتيلات كولومبيا ومافيا عن المثلث الذهبي في جنوب شرق آسيا، وعصابات المافيا الأمريكية مع منظمات الجريمة في روسيا والمكسيك ونيجيريا؛ لتشكل فيما بينها اتحادات تعكس تأثيرها على الجريمة في الولايات المتحدة وعلى الاستقرار الدولي بشكل عام.

وأثار عدد من الكتاب الأمريكيين أمثال فرانك راجانو كتابه «محامي العصابات الإجرامية» .١٩٩٤م وشارلز أشمان كتابه: «العلاقة بين السي أي إيه والمافيا» . ١٩٧٥م، ودان مولدي في كتابه «حروب هوفا» - ۱۹۷۸م، مسألة وجود علاقة للمافيا الأمريكية مع المخابرات المركزية من السي أي إيه بخصوص عدد من عمليات الاغتيال التي استهدفت عددًا من الشخصيات السياسية والفنية الأمريكية كالرئيس جون كينيدي وأخيه مرشح الرئاسة روبرت كينيدي والممثلة مارلين مونرو، على الرغم من الرواية المعروفة عنها بأنها ماتت منتحرة، وأوضح مولدي في كتابه: كيف استخدمت السي آي إيه المافيا من أجل اغتيال الرئيس الكوبي فيدلا كاسترو، وتقديم سيجار مسموم له، وهي محاولات فشلت، وتم تصفية الشهود على تلك العملية بصورة غامضة.

على الرغم من عدم شهرة مافيا الياكوزا اليابانية إلا أن لها تاريخًا من العمل الإجرامي المنظم يرجع إلى حوالي ٣٠٠ عام إلى الوراء. وتنشط الياكوزا اليوم في مدينتي أوساكا وطوكيو، حيث تسيطر على سوق العقارات هناك، وانتشر نشاطها خارج اليابان في هاواي وكاليفورنيا، وتتكون الياكوزا من حوالي ٧٥٠ عصابة يديرها ١٠٥ زعماء، ويعتبر القيصر الصغير يوشينوري واتانابي زعيم زعماء الياكوزا منذ عام ١٩7٨ م. ويعمل في هذه العصابات حوالي ٢٢ ألف «جندي»، وإضافة إلى تجارة العقارات تنشط الياكوزا في أعمال القمار والاحتيال على البنوك، ويبلغ إيراد الياكوزا أكثر من مليون دولار في السنة الواحدة، كما بدأت هذه العصابة في التجارة بالمخدرات وإقراض الأموال والتهريب وأعمال الرهان والتجارة بالصور والأفلام الإباحية الممنوعة حسب القانون الياباني.

في أوائل الثمانينيات نجحت «ياماموتو» وهي منظمة منافسة للياكوزا في ضم ١٣ ألف رجل من للياكوزا إليها وأنشأت اتحادًا . بها يسمى «إيشيوا كاي»، وفي عام ١٩٨٥م قام أعضاء من إيشيوا كاي بذبح تاكيناكا زعيم زعماء الياكوزا، وهو ما أدى إلى حرب عصابات دموية بين الجانبين، وتدخلت الشرطة، واعتقلت حوالي ألف من أعضاء العصابات وصادرت الكثير ، وبعد يأسها من الانتصار على منافسها استطاعت الياكوزا الحصول على تمويل من فروعها في الولايات المتحدة، وحصلوا على أسلحة متطورة، بما في ذلك قاذفات صواريخ وأسلحة رشاشة ، مقابل إمداد العصابات الأمريكية بالمخدرات.

 وفي الأول من مارس ۱۹۹۲م أقرت الحكومة اليابانية قانونًا للوقاية من الأنشطة غير المشروعة التي تقوم بها الياكوزا والعصابات الإجرامية الأخرى، وتحاول الياكوزا اليوم التحايل على القانون الجديد من خلال التستر وراء أعمال تجارية مشروعة، وهناك حوالي ٧٧ عصابة من عصابات الياكوزا مسجلة على أنها مؤسسات تجارية أو دينية، ومن العصابات الدولية الأخرى ما تعرف بعصابات «تراپادز» التي تتمركز في هونغ كونغ، وتعمل في جميع دول جنوب شرق آسيا، وتتوقع بعض التقارير أن تنتقل تلك العصابات إلى بريطانيا بعد انتقال هونغ كونغ إلى السلطة الصينية هذا العام.

ويعتبر العالم كله ساحة لعمليات المافيا العالمية، لكن عددًا من مدن العالم تعد مراكز لأنشطتها في غسيل الأموال وتهريب المخدرات والأسلحة، فإضافة إلى المدن الأمريكية نيويورك ولوس أنجلوس ودالاس وميامي هناك كراتشي وبانكوك وهونغ كونغ وأوساكا وطوكيو في آسيا، وبيروت وأنقرة في الشرق الأوسط ،وموسكو وباليرمو في أوروبا. ولاغوس في إفريقيا، ومدينتا الكوكايين ميديلين وكالي في أمريكا الجنوبية .

*«مدير تحرير مجلة فلسطين تايمز التي تصدر في لندن».

الرابط المختصر :