العنوان عصابات تمارس الجريمة المنظمة والقتل منذ الثلاثينيات: الوجه الآخر لليهود في الولايات المتحدة
الكاتب إبراهيم درويش
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
مشاهدات 57
نشر في العدد 1326
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-نوفمبر-1998
«*» خدمة وكالة قدس برس
المؤسسة الصهيونية تشجع اليهود المجرمين على الهجرة من إسرائيل لتصدير الجريمة إلى العالم
في الثلاثينيات من هذا القرن انتشرت داخل الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة عصابات للجريمة المنظمة، كانت تقوم بعمليات قتل مقابل أجر، أو الانغماس في نشاطات الجريمة المتنوعة مثل القمار، وإدارة المواخير، أو محاولة فرض الإتاوات على الأثرياء وأصحاب المحلات التجارية، وممارسة تأثير على النقابات والاتحادات العمالية، ووصل نفوذ بعض هذه العصابات المنظمة إلى هوليوود، حيث موطن صناعة السينما الأمريكية، وارتبطت بعض هذه العصابات بالحركة الصهيونية، حيث قامت بجمع الأموال والتبرعات لها، فيما مارس بعض أفرادها تأثيرًا على بعض حكام دول أمريكا اللاتينية من أجل تصدير السلاح إلى الحركة الصهيونية التي كانت تنشط في سبيل إنشاء وطن لليهود في فلسطين.
وقد تعرض الباحث والمؤرخ العربي عبد الوهاب المسيري- المختص بالدراسات الصهيونية ومؤلف موسوعة «اليهودية والصهيونية- للجريمة اليهودية المنظمة في الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل» وقدم تحليلًا معرفيًا لارتباط اليهود بالجريمة في كتابه الصادر حديثًا، والذي يحمل عنوان «اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية والهدامة والسرية»، حيث قدم من خلاله مفاهيم نظريات المؤامرة وارتباطها في الفكر الغربي والعربي وعلاقة اليهود بها.
ويقول الباحث المسيري في معرض تحليله للجرائم اليهودية إنه لا يوجد خط بياني واضح لمعدلات الجريمة وعلاقتها بمجتمعات الأغلبية التي كانت الجماعات اليهودية تعيش بينها، فمعدلات الجريمة مثلًا بين الجماعات اليهودية في أوروبا كانت منخفضة قبل منتصف القرن التاسع عشر، ثم أخذت بالتزايد بعده إلى أن وصلت إلى معدلات ضخمة أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولتفسير هذه التغييرات يقترح المسيري نموذجًا يقول فيه: إن أعضاء الأقليات غالبًا ما يتمتعون بنسبة كبيرة من التماسك العائلي والأسري، ويتعرضون للرقابة الدائمة من مجتمع الأغلبية، وعليه فإن تزايد انعتاق اليهود واندماجهم في المجتمعات الأخرى، أدى إلى زيادة معدلات الجريمة، حيث لوحظ أن معدلات الجريمة كانت متساوية تقريبًا مع النسبة العامة في المجتمعات التي تعيش فيها الأقلية في الفترة ما بين عامي ۱۸۸۲م- ۱۹۱۰م، وينقل المسيري عن الباحث اليهودي ليتشنسكي قوله: إن معدل الأحكام الصادرة ضد اليهود المتعلمين في النمسا كانت تزيد بواقع ٥٠٪ مقارنة مع معدلات الأحكام الصادرة ضد أعضاء الجماعات اليهودية من العامة والفقراء، أما في هولندا فكان معدل الجريمة عام ۱۹٠٢م بين أعضاء الجماعات اليهودية أقل من المستوى القومي العام، ومع تزايد انعتاقهم أصبحت معدلات الجريمة بين أعضاء الجماعات اليهودية متساوية، وفي البلدان العربية وبعد إعلان دولة إسرائيل قلت نسبة الجريمة، ربما بسبب الرقابة على من تبقى من اليهود كما يلاحظ الباحث.
ويعتقد المسيري أن هناك استثناءات من هذا النمط، ففي الولايات المتحدة وصلت معدلات الجريمة بين الجيل الأول من المهاجرين إلى نصف المعدل القومي للجريمة، وتزايدت مع الجيل الثاني، ولكن الجريمة ومعدلاتها اقتربت مع الجيل الثالث إلى المعدل العام للجريمة في الولايات المتحدة.
ويرى الباحث في تفسيره لهذا النمط الاستثنائي لمعدلات الجريمة بين يهود الولايات المتحدة أن هذا الوضع يرتبط بحركة الجماعات الاستيطانية، التي لم تكن بعد قد كونت ولاء للمكان الذي تعيش فيه، ولم تلتزم بالقيم العامة في المجتمع الجديد، كما أن المستوطنين الجدد عادة ما يكونون شخصيات حركية قادرة على إدراك الثغرات في المجتمع والتسلل فيها، ونجد هذا واضحًا في الجماعات اليهودية الأمريكية التي كونت في الثلاثينيات عصابات جريمة منظمة «مافيا» في نيويورك، تمارس نشاطات المافيا المختلفة من ابتزاز وتهريب مخدرات، واغتيال نظير أجر، وبغاء.
ولاحظ المسيري أن اشتراك اليهود في جرائم أخرى ذات أثر عام مثل الغش التجاري والتزييف أثرت على تغذية الأنماط الإدراكية السلبية التي استندت إليها أدبيات معاداة اليهود، ويضيف المسيري إطارًا آخر لهذا النمط الإدراكي، قائمًا على المفهوم الصهيوني للشخصية اليهودية، حيث تعتقد الصهيونية أن الشخصية اليهودية تصبح إجرامية ومدمرة في المنفى، لأنها شخصية مقتلعة لا انتماء لها، ومن هنا حذر المفكرون الصهاينة دول العالم من وجود اليهود لديهم.
المؤسسة الصهيونية
ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فبعد الإعلان عن قيام إسرائيل، أخذت المؤسسة الصهيونية تشجع اليهود المجرمين على الهجرة منها، أو صارت تقوم بتصدير الجريمة للخارج، حيث يتم تشجيع المجرمين للخروج من إسرائيل للتخلص منهم ودفعهم للاستقرار في كل أنحاء العالم، وبخاصة في كل من ألمانيا وهولندا، ويقول المسيري إن تأثير هؤلاء المجرمين يظهر بشكل واضح في سيطرتهم على كل النشاطات الإجرامية التي أهمها البغاء، ودخلت كلمات عبرية كثيرة على لغة المجرمين السرية، ويقال إن لغة القوادين في أمستردام صارت عبرية، أو اختلطت بالكلمات الهولندية.
وتقوم إسرائيل اليوم بتصدير المرتزقة لتدريب تجار المخدرات في كولومبيا، أو العمل كحراس شخصيين لبعض رؤساء دول أمريكا اللاتينية، ويضيف المسيري قائلًا إن هناك مافيا إسرائيلية في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية بدأت أعمالها في فرض إتاوات على فقراء اليهود، ثم انغمست في عالم المخدرات، وجرائم الغش التجاري، ويبلغ عدد أعضاء المافيا الإسرائيلية اليوم في لوس أنجلوس ۱۰۰ عضو، وتعقد سلطات الأمن الأمريكية سنويًا مؤتمرًا قوميًا لمناقشة نشاط المافيا الإسرائيلية.
وقد اشتهرت أسماء يهودية عديدة في عالم الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة في الثلاثينيات مثل أرنولد روششتاین (۱۸۸۲م- ۱۹۲۸م)، الذي يعتبر من رواد الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، وعمل في مجال القمار والمراهنات وامتد نشاطه إلى تهريب المخدرات والابتزاز، ونجح في حماية نشاطاته من خلال عمليات الرشوة، التي كان يقوم بها أعضاء رجال الأمن، وتمتع نتيجة لذلك روششتاين بنفوذ واسع في عالم الجريمة حتى أصبح يعرف «بقيصر عالم الجريمة» أو «موسى العالم السفلي»، وتتلمذت على يديه مجموعة من الأسماء التي اشتهرت في عالم الجريمة في الولايات المتحدة في الثلاثينيات مثل مائير لانسكي والذين تعلموا منه طرائق التحالف في عالم الجريمة بغض النظر عن الأصل الإثني والديني للمجرم.
لويس الصغير
كذلك اشتهر لويس «ليبكي» بوكالتر (۱۸۹۷م- ١٩٤٤م) الذي بدأ حياته في عالم الجريمة في سن مبكرة، وكان يلقب باسم «ليبكي» الكلمة التي تعني باللغة اليديشية لويس الصغير، وأمضى ثلاثة أعوام في السجن بتهمة السرقة، ثم خرج بعدها ليتزعم عصابة مكونة من ۱۰۰ شخص، واستخدم بوكالتر العصابة لممارسة كل أنواع الإرهاب والسيطرة على النقابات العمالية، وشارك في تأسيس «الاتحاد القومي للجريمة في الولايات المتحدة» حيث عمل على تأصيل عمليات الإجرام في الساحة الأمريكية، ودعا إلى ترشيد العمل الإجرامي، وأدار بوكالتر جملة من النشاطات الإجرامية، مثل: محلات القمار، والدعارة، والمخدرات، والابتزاز، والرشوة، والفساد السياسي، وقاد «شركة القتل المساهمة»، التي كانت تعتبر الجناح التنفيذي للمؤتمر، وتم إلقاء القبض على بوكالتر عام ١٩٣٣م بتهمة مخالفة القانون، حيث حكم عليه بالسجن مع الغرامة إلا إن الحكم نقض وتم الإفراج عنه، وأعيد اعتقاله عام ۱۹۳۹م في جريمة مخدرات وحكم عليه بالسجن مدة أربعة عشر عامًا، وفي أثناء ذلك قدم للمحكمة بتهمة جريمة قتل، حيث حكم عليه بالإعدام على الكرسي الكهربائي عام ١٩٤٤م، ويعتبر بوكالتر الشخص الوحيد ضمن عصابة القتل المساهمة الذي أعدم في الولايات المتحدة.
ويعتبر مايير لانسكي (۱۹۰۲- ۱۹۸۳م) من أهم الشخصيات الإجرامية في عالم الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، حيث بدأ حياته بسرقة السيارات، ثم قام بتهريب الخمور في فترة المنع في الولايات المتحدة في العشرينيات من القرن الحالي، ومارس جرائم القتل مقابل أجر، وعمل في مجال القمار وأصبح من كبار زعماء الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، وأسس مع المجرم الآخر بنجامين سيجيل المعروف بـ«باجسي»، عصابة لحماية الملاهي الليلية «بجزي ومائير»، وفي عام ١٩٤٣م، كان لانسكي من المؤسسين للاتحاد القومي للجريمة، حيث قام بإدارته، وحينما حاولت السلطات القبض عليه بتهمة التهرب من دفع الضرائب عام ١٩٧٠م تعلل بأصله اليهودي وسافر إلى إسرائيل، حيث حاول الحصول على الجنسية الإسرائيلية ضمن قانون العودة «الذي يتيح لكل يهودي الانتقال إلى فلسطين»، إلا إن طلبه رفض، وكان مائير من المؤيدين والمساهمين في عدد من المنظمات اليهودية الأمريكية، مثل «منظمة النداء الموحد اليهودي».
نجوم هوليود
وأقام بنجامين سيجل (١٩٠٦م- ١٩٤٧م) علاقات جيدة مع عدد من نجوم هوليوود، مثل كلارك جيبل، كاري جرانت، وعاش حياة مترفة وأنشأ فندق فلامنجو الضخم في لاس فيجاس، وشارك لانسكي في تأسيس العصابة المذكورة أعلاه، وقتل في عام ١٩٤٧م.
وقد لقيت عصابات الجريمة المنظمة اليهودية اهتمامًا بحثيًا في عدد من الدراسات التي صدرت على فترات متفاوتة من مثل كتاب روبرت لاسي، الذي كرسه لتحليل شخصية مائير لانسكي «الرجل الصغير: ماثير لانسكي وحياة العصابات»، حيث قدم فيه صورة عن دور لانسكي في الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، ودوره في تأسيس كونفدرالية للجريمة «الاتحاد القومي للجريمة»، الذي جمع في طياته عددًا من الأعراق والعاملين في مجال الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة.
وصدر عام ١٩٥١م كتاب «شركة القتل المساهمة» الذي تناول فيه مؤلفه بيرتون تیرکوس بالتحليل حكاية «شركة القتل المساهمة»، والذي اعتبر تحليلًا عميقًا وجيدًا لعصابات الجريمة المنظمة، التي كانت المافيا تستأجرها للقيام بعمليات القتل في الثلاثينيات من هذا القرن، وقدم الكاتب رؤية داخلية لعمل العصابة وبخاصة أنه كان مساعدًا للنائب العام لمنظمة كينج كآونتي في بروكلين في نيويورك خلال عمليات التحقيق في جرائم «شركة القتل المساهمة» وكان قادرًا على تقديم نسخة واقعية عن تاريخ الجريمة في الولايات المتحدة في تلك الفترة، والتي قامت بقتل أكثر من ۱۰۰۰ شخص، وكان تيركوس هو الشخص المسؤول عن إرسال عدد من أعضاء العصابة الذي كان منهم لويس «ليبكي» بوكالتر إلى كرسي الإعدام وحلل الكاتب تاريخ ظهور وتطور الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة التي أسسها أرنولد روششتاین مع هيرتشيل «بيتسبيرج فيل» شتراوس، موتيل «باجسي» جولدستاین، شولیم بیرنستاین، ألبرت «تيك توك» تانيباوم، بنجامين «باجسي» سيجيل مائير لانسكي، جاكوب «جورا» شابيرو، إبراهام «کید تویست» ریلیس، والذي كان من أسوا المجرمين، ولكن اعترافاته ساعدت جماعات تطبيق القانون في القضاء على العصابة في الأربعينيات.
وبناء على هذه المحاولات الأولى لتحليل تاريخ الجريمة المنظمة ذات الطابع اليهودي في الولايات المتحدة، يقدم كوهين ريتش رؤية شخصية عن الفترة في كتابه الصادر حديثًا عن دار جوناثان والذي يحمل عنوان «يهود قساة» «۱۷۲ صفحة»، فقد كان والد ريتش يملك مطعمًا في نيويورك كان رجال العصابات من أعضاء شركة القتل المساهمة يؤمونه، من أمثال «باجسي» سيجيل، لويس «ليبكي» بوكالتر، هاري جرينبيرج، وجاكوب شابيرو.
الحرب العالمية الثانية
ويعتقد كوهين أن الأعوام التي تلت منع الخمور «عام المنع»، حتى حادث بيل هاربر، حينما قام اليابانيون بضرب قاعدة بحرية للولايات المتحدة عام ١٩٤١م، وأدى الحادث إلى دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، كانت العصر الذهبي للجريمة المنظمة اليهودية في الولايات المتحدة ويقدم كوهين صورة عن انجذابه وسحره بهذه العصابات، ويتعاطف كثيرًا مع رجالها لأنها تقدم صورة مخالفة عن اليهودي الضعيف المسالم، ويرى كوهين أن هذه العصابات عملت على تغيير مفهوم الصورة الاقتصارية أو الاستثنائية عن اليهود من أجل إخراجهم وتحريرهم.
ولأن الكتاب قائم على رحلة شخصية ومقابلات مع الذين عايشوا تلك الفترة ومراسلات للكاتب الذي ولد عام ١٩٤٥م فإن الكاتب في أحيان كثيرة يخلط بين رؤيته الشخصية والحقيقة التاريخية عن هؤلاء اليهود الذين يسميهم بـ«القساة»، ويعتقد كوهين أن رجال العصابات اليهودية بعيدًا عن انغماسهم في عالم القتل واللصوصية قاموا بتأكيد الزي المعروف عن عالم اللصوصية والجريمة، والتي ظهرت في عدد من الأفلام السينمائية، والتي يرى كوهين أنها أثرت على أجيال قادمة في عالم الجريمة.
وفي تناوله لتاريخ الجريمة اليهودية المنظمة في الولايات المتحدة يعتقد كوهين أن هذه العصابات اندثرت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ يقدم تفسيرًا مفاده أن هذه الأجيال رغم انغماسها في عالم الجريمة عملت على إرسال أبنائها إلى أحسن المدارس وبخاصة كليات الطب والقانون، وقد أدى اندماج الأجيال اليهودية الجديدة في حيثيات المجتمع الأمريكي وازدهارها فيه إلى غياب هذه العصابات في غيوم الزمن.
ويخالف فيليب كير، الذي قدم مراجعة للكتاب في صحيفة «صاندي تايمز» «عدد: 19/7/1998م» هذا الرأي قائلًا: إن القراءة الواعية للوثائق تشير إلى أن رجال عصابات وأعضاء في عصابات الجريمة المنظمة ظهروا بعد هذه الفترة التي يتحدث عنها كوهين، ويقدم كير قائمة تضم عددًا من الأسماء تتحدى منظور كوهين، حيث يشير كير إلى أسماء مثل: موي دالتيز، جوي «دوك» ساتشتر، يدي بلوم، سيدني كورشاك، داني فيل كاستيل، نيج روسين، هاري تايتلباوم، بنجامين سيجيلبوم سام كوهين، موريس لانسيبرج، ألين جليج، ألفين مالنيك، وموريس شينكر، وقد حصل كير على هذه الأسماء من دائرة دراسات الشرطة في جامعة كينتاكي الشرقية، والتي تشير إلى أنها كانت ناشطة في الفترة ما بين أعوام الخمسينيات والستينيات.
ويعتقد كير أن عصابات الجريمة اليهودية المنظمة في الولايات المتحد - وتحت تأثير مايير لانسكي- تعرضت لعدد من التغييرات على صعيد الشخصية، وعلى صعيد الطرائق والوسائل، وكان باستطاعة هذه العصابات مواصلة عملياتها والتحرك للقفز فوق القيود والعمل في مجالات جديدة، مثل: الترفيه، المصارف، غسيل الأموال، حيث بدت هذه الشخصيات العاملة في مجال الجريمة المنظمة- وضمن هذا التغيير- وكأنها تعمل بطريقة شرعية، إلا إنها واصلت عملياتها تحت السطح بالطريقة التي ظهرت في عمليات الأجيال الأولى من أعضاء عصابات الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة.
ويقدم كير منظورًا آخر عن الربط الذي ظهر دائمًا في الأفلام السينمائية يفيد أن الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة ارتبطت بشكل أساسي بالأقلية الإيطالية التي كانت تعيش فيما يعرف بـ«إيطاليا الصغيرة» في نيويورك، وظهرت في فيلم فرانسيس فورد كوبولا «العراب»، ويقول كير إن هذا المفهوم ما هو إلا أسطورة قامت بتعزيزها جماعات تطبيق القانون في الولايات المتحدة وعلى وجه التحديد أدغار هوفر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية «إف. بي. أي»، ويقول كير أيضًا إن التعريف العام «للمافيا» كان تعريفًا مضللًا، لأن وكالات تطبيق القانون في الولايات المتحدة والكونجرس الأمريكي تم التأثير عليهما من خلال مفهوم أن الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة هي من صنع الإيطاليين كمعارض للجريمة التي كانت تقوم بها الأقليات الأخرى، والتي كان على رأسها مايير لانسكي اليهودي.
وبناء على هذا يرى كير أن الجريمة كمفهوم منظم لم تختف كما يشير كوهين بل مارست عملها بطرق مختلفة غيرت فيها الأساليب والطرق.
الجيتو اليهودي
ففي غياب الجيتوهات اليهودية أو الجيتوهات الإيطالية التي لا تتعدى الآن ثلاث عمارات محاطة بجيتوهات صينية جديدة، فإن الجريمة المنظمة توزعت الآن على بقية الأقليات الأخرى التي تحاول اقتسام الكعكة- كما يقول كير- وتضم هذه الأقليات عصابات من الأقليات اللاتينية وبخاصة من كولومبيا، وجامايكا، وكوبا، وبدأ العديد من العصابات الروسية تمارس عملها قرب شاطئ برايتون في نيويورك، والتي يعتقد كير أنها تمثل أجيالًا جديدة من رجال العصابات اليهودية التي ظهرت في الثلاثينيات، ولكن باسم آخر وصورة أخرى.
ویرى كير أن كتاب كوهين مع صورته التمجيدية لأشخاص لم يكونوا إلا قتلة قد يساعد على إعادة قراءة التوازن العرقي وانتشار الجريمة في طياتها، ويعيد تغيير المفهوم الذي تسيد في دوائر مكتب التحقيقات الفيدرالية والذي صور الجريمة المنظمة كمشكلة ارتبطت أساسًا بالإيطاليين، والتي قام صناع السينما بأخذها وتطويرها في أفلام قدمت صورة عن «إيطاليا الصغيرة»، وعالم الجريمة السفلي، دون الإشارة إلى الجهات الأساسية فيها في الجالية اليهودية.