العنوان المال.. واستثماره المشروع
الكاتب غريب الجمال
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1979
مشاهدات 61
نشر في العدد 431
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 06-فبراير-1979
جاء الإسلام بمنهج شامل للحياة إذ تعنى تعاليمه بتنظيم الجانب الروحي في حياة الإنسان بمثل ما تعنى بتنظيم الجانب المادي.
ومن ثم فإن التنظيم الاقتصادي والمالي في الإسلام- كغيره من تنظيمات الإسلام- يخضع للأحكام الواردة في القرآن الكريم والسنة الشريفة وما استخلصه ويستخلصه الفقهاء باجتهادهم من رأي صحيح وفكر سليم لمواجهة تطورات المعاملات في حياة الناس بما لا يتعارض مع الأحكام الكلية في الشريعة الإسلامية.
ومن أبرز المبادئ التي تحكم التنظيم الاقتصادي والمالي في الإسلام مبدأ الكسب الحلال الطيب الخالي من كسل محظورات شرعية ومن «الربا» عملا بقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(آل عمران: 130) «١» وبقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 278-279) «۲».
والواقع أن المسلمين خلال سنوات طويلة- وما زالوا إلى حد ما- يقاسون من نتائج التناقض بين ما تمليه عليه عقيدتهم الإسلامية، والمسلمات التي جاءت بها شريعتهم وبين الواقع الذي يعيشونه فعلا وما يمارسونه من سلوك عملي.
ومن أبرز معالم هذا التناقض اضطرارهم للتعامل عبر المصارف والمؤسسات المالية القائمة في العالم الإسلامي وخارجه على أساس الفائدة أخذًا وعطاء.
غير أنه مهما قيل عن قدم المصارف والمؤسسات المالية المتعاملة بالفوائد القائمة في العالم الإسلامي، ومهما قيل عن رسوخ جذورها، فإن عمرها الحقيقي لا يتجاوز مائة عام، ويقترن بدء وجودها بدخول الاحتلال الأجنبي وسيطرته على مناطق العالم الإسلامي.
«١» سورة آل عمران: ١٤٠
«۲» سورة البقرة: ۲۷۸، ۲۷۹
*التوافق الزمني بين سيطرة الاحتلال الأجنبي وقيام المؤسسات الربوية.
وإن العين الفاحصة لتستبين أن التوافق الزمني بين سيطرة الاحتلال الأجنبي وقيام المؤسسات المالية المتعاملة بالفوائد في مجتمعنا الإسلامي لمما يؤكد أن هذه المؤسسات إنما أقيمت أصلا عن عمد وقصد لتدعم السيطرة الأجنبية ولتمكن لهذه السيطرة من نزف موارد العالم الإسلامي وتوجيهها لصالح المستعمر الأجنبي، ذلك المستعمر الذي- حتى بعد رحيله ونزوحه عن الأقاليم التي يحتلها وبعد تحرر هذه الأقاليم سياسيا- يحرص على أن يستبقي في يده السيطرة الاقتصادية سواء بشكل مباشر أو عن طريق عملاء له وبواسطة الأنظمة التي دعمها ويستمر في مساندتها.
لتلك الأسباب جميعًا كان طبيعيًا أن يتقدم الصفوف الغيورون على تعاليم دينهم ويسعون لإقامة مجموعة من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية تستهدف تعميم التعامل السليم المشروع وتجنب التعامل بالفوائد أخذا وعطاء، وتقيم ركائز نشاطها المالي على أساس الاستثمار المتفق مع ما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية.
وتنطلق تلك المؤسسات من مفهوم واضح سليم مؤداه أن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، ومن ثم فهم مطالبون بمراعاة الأحكام التي شرعها الله - سبحانه وتعالى- للمال والتي تتمثل في تحديد الأسلوب والكيفية التي يمارس بها الإنسان استخدام وتداول هذا المال والانتفاع به وطرق تحقيق الكسب منه ووسائل إنفاقه.
كما تنطلق ذات المؤسسات من تطبيقات إسلامية اقتصادية ترعى تحصيل الكسب لا من استخدام المال منفردًا ولا عن طريق الانتظار.
فالنقود أساسًا لا تلد نقودًا أخرى، ولكن تحصيل الكسب يجب أن يتم عن طريق استخدام المال مقترنًا بعمل، عمل منتج نافع مثمر للمجتمع حتى ولو كان القائم بالعمل شخصًا آخر غير حائز المال بشرط أن تقوم بين الاثنين مشاركة عادلة تجعل من نماء المال كسبًا حلالا طيبًا ترتاح إليه النفس.
ذلك أن العمل هو العنصر الفعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام، والعمل مع الأرض، أو مع المعادن، يختلط برأس المال النقدي والكل مشترك في الإنتاج فتكون الثمرة الطيبة.
ومن أجل ذلك كانت القوى العاملة بالإضافة إلى رأس المال ضرورتين من ضرورات الحياة الإنسانية، وأساسين هامين من أسس الاقتصاد الحديث، بل دعامتين قويتين من دعائم الرقي الحضاري والازدهار والتقدم لكل مجتمع.
وإذا كان العنصر البشري وما يؤديه من عمل له الصدارة بين عناصر الإنتاج، فإن رأس المال أيضًا كعنصر آخر له أهميته في عملية الإنتاج وهو أيضًا محل اهتمام الإسلام حيث يوجب على حائزه ضرورة صيانته من التلاعب والإسراف في إنفاقه بما لا يفيد أو بما يضر بالآخرين، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (سورة النساء: 5)
فرأس المال هو عصب مختلف الأنشطة في الحياة، وهو في حقيقة أمره ملك للمولى -عز وجل- استخلف المؤمنين فيه ليوجهوه لصالح أنفسهم ومجتمعهم وليستثمروه فيما يعود على مجتمعهم وأمتهم بوافر الخيرات وعظيم المنافع، ومن ثم اعتبرت وظيفة المال في المجتمع الإسلامي وظيفة اجتماعية وإنسانية في ذات الوقت، قال تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7).
والمقصود بالإنفاق هنا ليس مجرد الإحسان أو أداء الزكاة أو دفع الضرائب، ولكن الإنفاق أيضًا يشمل العمل في استخدام المال لكي ينمو نموًا طيبًا حلالا عن طريق سلامة تفكير صاحب المال واستخدامه لقدراته ومهاراته في إدارة ما يحوزه من مال في الأعمال الاستثمارية التي تعود عليه وعلى المجتمع بالنفع والخير.
فليس عجبًا إذا أن نلمس حفاوة الإسلام بالمال في صور شتى من بينها الحث على الحفاظ عليه من كل اتفاق غير مثمر وأداء حق الله فيه وحق المجتمع ذلك أن الإسلام يدعو إلى كل ما فيه خير البشرية وصلاح المجتمع، كما يهذب من طباع البشر ويحملهم على استخدام المال في إطار يحقق الخير والنفع لحائزيه فرادى وفي ذات الوقت للمجتمع ككل.
والإسلام في هذا إنما هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ذلك أن المال شقيق الروح وهو شهوة من الشهوات المتأصلة في نفس كل إنسان بشهادة خالق الإنسان جل علاه، يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (آل عمران: 14) ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (سورة العاديات: 8)
ولهذا فإن الإسلام يحمي المال بحد من الحدود وهو حد السرقة، كما يحميه ضمن حد الحرابة وهو قطع الطريق والتغلب على الأمن .
ويضع الفقه الإسلامي ضوابط لما يعتبر اغتصابًا للمال ووسيلة للقصاص من المغتصب عملا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع «لا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفسه».
كما يضع الفقه أحكامًا متفقة مع العدل والقسطاس لاستغلال الثروات التي تستنبط من باطن الأرض وأحكامًا تنظم شئون التجارة والجلب والمبادلات على أسس من الاستقامة والعدل، وقد بشر النبي - صلى الله عليه وسلم- التاجر الأمين الصدوق بأنه مع الذين أنعم الله عليهم.
ويحدثنا القرآن الكريم عن الأحكام الكلية التي تنظم شئون المال وتداوله بالحق والعدل بين الناس ومن بينها الأحكام التي تنهى عن تطفيف الكيل والميزان وأحكام الميراث، ووسائل توثيق الديون واستيفائها.
كما تتضمن أحكام الشريعة الإسلامية توضيح سبل المحافظة على أموال اليتامى وأموال الشهداء والقصر، وتعين حقوق السائل والمحروم في أموال من امتحنهم الله بالعطاء، وتفرض واجب أداء زكاة المال، والصدقات والإنفاق في سبيل الله والوفاء بأجر الأجراء، وكل ذلك في إطار قواعد محكمة يتمثل فيها العدل والإنصاف والرحمة، واستقامة علاقات البشر واستقرارها.
وحتى يباشر الإنسان استخدام المال استخدامًا سليمًا استقر في الشريعة منذ فجر هذا الدين الحنيف ضرورة محاسبة كل إنسان عن تصرفاته فيما يحوزه من مال. محاسبة تشمل تقصي مصادر هذا المال وأوجه اتفاقه، وكل ذلك استقر في شريعة الإسلام منذ قرون بعيدة قبل أن تعرف القوانين الوضعية ما جرى تسميته «بقانون من أين لك هذا».
تلك بعض من كل من مجموعة المبادئ والقواعد التي تنظم شئون المال في الإسلام، وجميعها تؤكد العناية والحرص اللذين يوليهما الإسلام للمال لكي يتم تداوله ونماؤه وفقا لما كلف به العباد من قبل مالك المال أصلا - سبحانه وتعالى-.
وانطلاقا من تلك المبادئ والقواعد تحددت وسائل كسب المال في إطار من العدل والإنصاف، مع الالتزام بأن تتم مباشرة تلك الوسائل مباشرة بعيدة عن كل محظور شرعي ومبرأة من كافة الشبهات.
وفي مقدمة ما هو محظور من وسائل الكسب، أكل أموال الناس بالباطل والرشوة لقوله - صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله الراشي والمرتشي والمرائش».«أي الوسيط».
وكما نوهنا آنفا فإن في طليعة ما هو محظور من وسائل كسب الأموال تحقيق الكسب عن طريق الانتظار أي بالربا، والربا في حقيقة أمره- تاريخًا وتجربة – ليس قاصرًا على شكل دون آخر من أشكال الفوائد المحصلة على الديون، بل هو كل ما يأخذ- في المعاملات المعاصرة- أي شكل من أشكال الفائدة المحدد سعرها مسبقا على قيمة الدين.
والفرق شاسع بين التعامل على أساس الفوائد المحظورة وبين التعامل على أساس الربح الحلال.
فالفائدة والربح ليسا مجرد مقياسان لعائد تثمير الأموال وإنمائها ولكنهما في واقع الأمر طريقان للحياة متباينان تباينا تاما من جميع الأوجه سواء في مجال ارتباط الإنسان بالمال أو في مجال ارتباط المال بالعمل، وارتباط الكسب بالحركة والإقدام والمخاطرة.
ويقودنا هذا الفكر إلى التأكيد بأنه في خضم المعترك الدولي ترتبط رفعة شأن المسلمين بما يستطيع المسلمون رفعه من رايات الربح وبما يخفضونه من رايات الربا، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275). والمسلمون والعرب منهم بوجه خاص- يجيدون بطبيعتهم منذ القدم التجارة والجلب وما يسفر عنهما من ربح، ولا يحذقون الاكتناز، ومن ثم فإنهم غير قادرين على أن يقيموا داخل بلادهم أسواقا مالية تكون مرتكزاتها الأساسية التعامل بالفوائد كما هو حادث في غير بلادهم، ولكنهم يقينًا وبالتوارث عن آبائهم وأجدادهم، قادرون على أن يبارزوا سواهم في تنظيم أسواق مالية عملاقة ركائزها معاملات المشاركات في الأرباح مشاركات بين المال والعمل في جميع مجالات التجارة والصناعة والزراعة والنقل، مع إتمام التبادل التجاري بصفة مباشرة بين مناطق العالم الإسلامي ودون وسائط دخيلة وطفيلية قادمة من الشرق والغرب.
الطريق الصائب إذا والجدير بأن يكون هو الطريق المصحح لمسارهم الاقتصادي طريق مباشرة الأنشطة التجارية والمالية والاستثمارات المشروعة، المبرأة من الربا الذي أصبحت نبوءاته واضحة جلية لكل ذي قلب بصير، مما رفع كثيرًا من الاقتصاديين في عصرنا لأن يعتبروا نظام التعامل بالربا هو السبب الأساسي في كل ما يلحق المجتمعات الرأسمالية وغير الرأسمالية على حد سواء في عصرنا من اضطرابات، وفي كل ما تغلغل في جسد تلك المجتمعات من سرطانات تضخمية أسفرت عن إشاعة العديد من المساوئ والمظالم في ربوع المجتمعات البشرية وعلائق الأفراد بعضهم ببعض.
منذ خمس سنوات كانت المناداة بالتعامل بدون فوائد تثير إشفاقا في السوق الدولية
ورب قائل يقول بأنه لا علاج لمشكلة التعامل بالفوائد بعد أن استشرى هذا التعامل إلى الحد الذي يتعذر معه حصره واكتشاف مدى تغلغل جذوره، غير أن ذلك الوضع لا يجدر أن يثني المؤمنين المخلصين لعقيدتهم عن المحاولة والاجتهاد في التضييق على مجال التعامل بالفوائد لحين التمكن من القضاء عليه كلية، فالوزر ليس على ما نخطئ فيه، بل الوزر على ما تتغمده قلوبنا، وللمجتهد أجر إذا أخطأ وأجران إذا أصاب.
ومن ثم فإنه على الرغم من شيوع التعامل بالفوائد وتغلغله في المعاملات المحلية والدولية -على الرغم من ذلك- لا يجب أن نتصور أن الحياة الاقتصادية السليمة لا تقوم إلا بها، فهناك من المؤسسات ومصارف الاستثمار وهناك من أمناء الاستثمار من يباشرون معاملات ناجحة على أساس المشاركات ويجنون من أعمالهم ونشاطاتهم أرباحًا زكية بعيدة عن الحرام، وتلك المؤسسات وهؤلاء الأمناء أثبتوا نجاحهم وتفوقهم في أسواق التجارة والمال.
والمهم- في رأينا- أن نبدأ بعزيمة صادقة وسوف لا نخذل بمشيئة الله فمنذ خمس سنوات كانت المناداة بالتعامل بدون الفوائد تثير إشفاقا في الأسواق الدولية بالنسبة للمنادين بها، ومع ذلك ورغم الصراع القائم حاليًا في هذا الصدد، فإن عددًا غير محدود من المؤسسات المالية الدولية بدأت تصغي إلى ما تعرضه المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية وما تتطلبه معاملاتها، كما بدأت تسعى للتعامل معها وفقا للأسس والشروط التي ترتضيها تلك المؤسسات الإسلامية.
وبعد انقضاء خمس سنوات أخرى سوف نجد بعونه تعالى أمامنا أرضية رحبة شاسعة للتعامل على أساس أرباح المشاركات وليس على أساس الفوائد وذلك في نطاق أعمال مصارفنا ومؤسساتنا المالية الإسلامية الوليدة أو ما سيستجد من أعمال ومن أشكال وصور أخرى في نطاق مؤسسات أخرى متخصصة محلية أو دولية.
وركيزتنا في صحوتنا المباركة هذه أن نستثمر كل فوائدنا المالية بهدف تحقيق الربح المشروع، واستبعاد الفوائد الثابتة المحددة مسبقا في شكل صورة من رؤوس الأموال المستثمرة.
وإذا فعلنا ذلك بعزيمة صادقة لرأينا الأسواق الخارجية أحرص ما تكون على ترضيتنا وتقديم أحسن ما في حوزتها من عروض.
وسبيلنا إلى تحقيق هذا الهدف إقامة مؤسسات مالية إسلامية تباشر عملياتها بما يحقق مصالح المجتمع، وتتباين في ذلك عما تتبعه المصارف التجارية، فمن المعلوم أن الطريق الوحيد الذي يقره العرف المصرفي التجاري التقليدي هو طريق تمويل المشروعات بواسطة الإقراض بفائدة، دون ما عناية خاصة أو التفات لما تؤديه هذه المشروعات لصالح المجتمع، وإنما تنصب عنايتها أساسًا على مدى ما يمكنها جنيه من وراء تمويلها لهذه المشروعات.
وعلى ذلك يتبين أن المال المستدان بالربا ليس همه أن ينشئ أنفع المشروعات للمجتمع وإنما يشغله أن ينشئ من المشروعات أكثرها عائدًا ربويًا، ولو كان هذا العائد يتأتى من تدمير معنويات المجتمع وسلوكه.
ولذلك يتركز أسلوب الاستثمار الربوي على عقود القرض بالفائدة الربوية بحيث يكون للمقرض رأس ماله كاملا في جميع الأحوال، ويضمن له المقترض كذلك زيادة في رأس المال بمقدار الفائدة المتفق عليها مسبقا كنسبة ثابتة من رأس المال.
ويكون تعهده على هذا النحو سواء كانت نتيجة المشروع الذي اقترض المال من أجله قد أسفر عن ربح أو أسفر عن خسارة فهذه النتيجة لا تعني المقرض المستثمر وإنما الذي يعنيه هو استرداده لأصل رأس مال القرض وفوائده.
وفي هذا تختلف المؤسسات المالية الإسلامية عن المصارف التجارية فالأولى تنطلق من تصور مختلف تمامًا عن التصور الذي تنطلق منه الثانية والتي تعني أولا وقبل كل شيء بدراسة مدى النفع الذي يعود على المجتمع من كل مشروع يجري تمويله بمعرفتها مع سعيها في الوقت ذاته لأن تحقق ربحًا مشروعًا لهؤلاء الذين قدموا إليها فائض أموالهم لاستثمارها استثمارًا شرعيًا، ففي تحقيقها ربحًا لهم وحفزًا لهم على تخفيف الضغط على الاستهلاك وادخار الفائض عن احتياجاتهم بما يحقق مصالحهم ومصالح ذويهم ومصالح المجتمع أيضا عن طريق توفير الموارد لتمويل المشروعات النافعة المثمرة وبالحد من كل تضخم في الأسواق المالية.
بذلك نكون قد قدمنا شكرًا خالصا لله- سبحانه وتعالى- أن استخلفنا فيما في حوزتنا من أموال، فأحسنا بها الصنيع وفقا لتعاليم شريعته الميمونة، ونكون قد أدركنا ما نحن ممتحنون به، وحمدناه سبحانه على أن وفقنا لمرضاته بحسن استخدام ما خصنا بحيازته.