; المتلاعبون بالعقول والعابثون.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان المتلاعبون بالعقول والعابثون.. إلى أين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003

مشاهدات 49

نشر في العدد 1564

نشر في الصفحة 47

السبت 16-أغسطس-2003

أكاد أجزم أن حفنة من الدجالين يقودون العالم إلى الهاوية، وأكاد أقرر أن عصابة من الأفاكين تتلاعب بالأمم والشعوب، تتهم من تشاء، وتجرم من تريد، وتغتصب ما تحب، وتفعل ما تهوى، ثم تدخل وتزمزم وتطلق البخور وتحرك الدمى حتى يخيل للناس من سحرهم أنها تسعى، قالوا: الإرهاب، ولا أحد يعرف إلى الآن تعريفًا له أو يريد المحاولة وسميت كل المشكلات في العصر إرهابًا، من يتحارب أو يتظاهر ضد الفساد والظلم إرهابي، من يحاول استرداد أرضه وتحرير شعبه إرهابي، من يقول كلمة الحق إرهابي، من يتدين وينكر الرذيلة إرهابي، واستغل ذلك كثير من الفساق وأصحاب النفوس المريضة وفرحوا له واختلط الحابل بالنابل، وكانت كارثة. 

وقبل أن يفيق الناس من هذه الكارثة اخترع هؤلاء المتلاعبون بالعقول فرية أخرى، وأطلقوا لنا كذبة جديدة، وتوالدت وأفرخت، حتى أصبحت دويًا عالميًا، وهي أسلحة الدمار الشامل، أو النية في استيرادها واستعمالها! والغريب أن هؤلاء المتلاعبين، وهم الذين يملكون هذه الأسلحة هم الذين يهددون بها البشرية، كما أنهم هم الذين يملكون من أسلحة الدمار المتطورة التي تحملها الطائرات والصواريخ والبوارج الحربية والمدمرات ما يعجز الناس عن وصفه. 

ورغم انكشاف الدجل ومعرفة الخديعة تظل تلك الأبواق الكذاب تردد الإفك ولا تمله، فقد غُزى العراق بهذه الأسباب، ولاتزال ثقافة الكذب تردده بغير حياء، لتغطي على ثقافة أكبر منها وهي المصلحة والخداع التي نجدها متفشية في مجتمعات الدجل وعند تجار الحروب. 

تسعة استنتاجات في وثيقة الحكومة البريطانية عن أسلحة الدمار الشامل في العراق لم يثبت أي استنتاج منها، بل ثبت خطأ كل هذه الاستنتاجات التي تقرر أن العراق يمتلك أسلحة بيولوجية وكيماوية، ومستمر في العمل التطوير أسلحة نووية، وصواريخ بعيدة المدى أساسها طراز سكود، وقدرته على استعمال أسلحة الدمار الشامل خلال ٤٥ دقيقة، وغير ذلك! 

ثبت أيضًا خطأ ما قاله وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بأن عند إدارته أدلة لا يخترقها الرصاص، بمعنى أنها أكيدة وثابتة على أن صدام عنده أسلحة دمار شامل، وأن له علاقة وطيدة بالقاعدة، ولم يثبت كل ذلك، ولكن الثابت الأكيد أن الصهيونية هي التي تقوم باختراع تلك الأكاذيب التي لا تمل من تردادها واتهام الشعوب العربية والإسلامية بها. 

فبعد غزو العراق، نشطت «إسرائيل» في توجيه التهم إلى سورية وإلى حزب الله، فسورية عندها أسلحة دمار شامل، وتؤوي الإرهاب ومكاتب الحماس والجهاد الإسلامي وتساند حزب الله، وقامت أمريكا ولم تقعد تهدد وتشترط وتراقب وتأمر سورية بأن تتأدب وتنفذ كل ما يملى عليها من أوامر وإلا فقد رأت ما يُفعل وما فعل، ولابد من تنفيذ الأوامر الإسرائيلية دفعة واحدة وليس بالتقسيط، وانطلقت التهديدات إلى إيران، وتوالت الاتهامات بأنها تملك برنامجًا نوويًا سيؤدي إلى امتلاك قنبلة نووية. 

وقد دبجت ذلك وأكبرته الجريدة الليكودية الأمريكية «واشنطن تايمز» التي اعتادت ترديد أكاذيب «إسرائيل» وتعزيزها، وظنت «إسرائيل» أن هذا هو عصرها، وأن الإدارة الأمريكية خاتم في أصبعها، فتركت لخيالها العنان خاصة وأنها تتحرك في فراغ في الأمة وتتعامل مع سلطات لا تهش ولا تنش، فأخذت تصدر القرارات وتبعثر الأوامر هنا وهناك، فأصدر الكنيست الصهيوني قرارًا باعتبار الضفة الغربية وغزة أرضًا صهيونية وليست محتلة ليهزأ بما يسمى بخريطة الطريق المعوج. 

كما أصدر قرارًا بجعل مدينة القدس تحت السيادة الصهيونية مدى الحياة، وقرارًا آخر، يمنع حق العودة لخمسة ملايين فلسطيني في الشتات، وقرارًا ببناء السور الأمني الذي يستولي على أراضي الفلسطينيين بالقوة ويضمها إلى «إسرائيل»، كما طالبت بتفكيك بنية المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها، واعتقال مجاهديها وطالب بأن يكون لـ «إسرائيل» نصيب في نفط العراق وفي كعكة الإعمار، وطالب بالقبض على حراس عرفات واعتبارهم مطلوبين للعدالة في «إسرائيل»، مع عدم رفع الحصار عن عرفات، كما طالب ولبى ذلك رغم كل صوت معارض من العرب أو من غيرهم، أن يُختار أبو مازن رئيس وزراء ودحلان وزيرًا للقمع وتختار له وزراؤه حتى يتعطف شارون بمقابلتهم والحديث معهم، وكل هذا لا يحدث في العالم إلا عندنا، فأي عصر نعيش، وأي دول نحن؟ 

وبعد: فقد قامت الشعوب، قام الشعب العراقي، وقام حزب الله والمقاومة الفلسطينية مازالت قائمة، فما رأي «إسرائيل» ومن وراءها في الحاضر والمستقبل ودولة الإسلام تنتفض: 

لك الله يا دولة الخالدين 

                                           لقد أوشك البغي أن يهمدا 

نشرنا دمانا الزكية نورًا 

                                         يضيء الظلام ويجلو الهدى 

ففي كل قطر لنا شهداء 

                                           تعيث الحرب بهم والمدى 

ومن كان أكرم منا عطاء 

                                               ومن كان أبيض منا يدا 

وهل عرف الدهر فينا جبانًا 

                                       -إذا هتف الحق– يخشى الردى 

ومن غيرنا يستجيب النداء 

                                        ويبعث في الخافقين الصدى؟! 

نريد السلام ولكننا 

                                            نكافح من ضل أو أفسدا 

ونجلي عن الشعب كيد الطغاة 

                                          وندفع عنه شرور العدا 

ونمضي وفوق جباه الشباب 

                                       حداء البطولة يروى الصدا 

وبعد: فلعل المتلاعبين قد تلاعبوا بأنفسهم فقط، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1274

الثلاثاء 17-مارس-1970

كلمة حق