العنوان جهل، أم ثقافة مغشوشة؟ المثقفون العلمانيون، وأزمة قراءة الإسلام
الكاتب شيروان الشميراني
تاريخ النشر السبت 08-مارس-2003
مشاهدات 70
نشر في العدد 1541
نشر في الصفحة 46
السبت 08-مارس-2003
يشكل الجهل الكامل بالإسلام أو امتلاك ثقافة مغشوشة عنه سمة بارزة لدى زمرة من العلمانيين، ومصادرهم المعرفية عبارة عن كتابات المستشرقين أو خريجي الجامعات الغربية الذين ملئت أدمغتهم بأفكار استشراقية أو بحوث غير نزيهة ومغرضة عن الإسلام ومجتمعه وتاريخه الغاية منها التصدي للدعوة الإسلامية في الغرب وتقويضها في الشعوب الإسلامية، ومن ثم العمل من أجل تأسيس مجتمعات لا دينية في شعوب مسلمة، وإن كان في جعبتهم شيء من العلم الصحيح فهو قليل لا يصلح لتكوين تصور متكامل عن هذا الدين.
يقول الدكتور زكي نجيب محمود- شخصية علمية وفلسفية مرموقة في الوسط الفكري العربي- في مقدمة كتابه «تجديد الفكر العربي» متحدثًا عن نفسه والمسير الذي قطعه في عالم الفكر والثقافة وكيف غرق في الفكر الأوروبي ولم يعلم شيئًا عن فكره الإسلامي بل عن الفكر العربي المبتور المرجعية الإسلامية مما جعله غير عالم بتراث أمته وجذورها الحضارية، أما عن الفكر الأوروبي فهو يعرف كل شيء، يقول يرحمه الله: «لم يتح لكاتب هذه الصفحات في معظم أعوامه الماضية فرصة طويلة الأمد تمكنه من مطالعة صحائف تراثنا العربي على مهل، فهو واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فتحت عيونهم على فكر أوروبي- قديم أو جديد- حتى سبقت إلى خواطرهم ظنون بأن ذلك الفكر هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه، ثم أخذته في أعوامه الأخيرة صحوة قلقة، استيقظ كاتب هذه الصفحات بعد أن فات أوانه أو أوشك، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه فطفق في بضعة الأعوام الأخيرة التي قد لا تزيد على السبعة أو الثمانية، يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان كأنه سائح مر بمدينة باريس وليس أمامه إلا يومان».
بهذه الكلمات التي تحمل كمًّا كبيرًا من الهم والحسرة، أظهر زكي نجيب محمود ندمه على ما فاته من الوقت من غير أن يغوص في تراث آبائه وأجداده ويستلهمه بما فيه من منهجية ثمينة تساعد على حل العديد من مشكلاتنا المعاصرة كما يبين ذلك بالتفصيل في ثنايا كتابه القيم، وكم من الغربيين ينبهرون بالإسلام وحضارته عندما يدرسونه دراسة علمية منصفة بعيدة عن الرواسب التاريخية المتراكمة في العقول ويعلنون إسلامهم مجاهدين في ثغر من ثغوره الكثيرة في بلاد الغرب وغيرها من مثل جارودي وموريس بوكاي ومراد هوفمان وذلك بعد ردح من الزمان في محاربة الإسلام.
لا يجاهر العلمانيون بعداوتهم للإسلام أمام الملأ، أو بتعبير أكثر لطافة لا يجاهرون بأن فكرهم يغاير الوحي الإلهي إن أدبياتهم في وجهها السافر تصر وتركز على أن معاركهم ليست مع الإسلام كدين وإنما مع الإسلاميين وحركاتهم أو ما يسمونه بالإسلام السياسي، لكن في الوجه المخبوء والمدفون ترى سهامًا فكرية قد أطلقت صوب الإسلام في عمقه- عقيدة وشريعة وتاريخًا وحضارة- وأنهم يريدون بناء مملكتهم على أنقاض عقيدة الإسلام ويرون في دين الله العدو الأوحد للتحرر الفكري والاجتماعي كما يزعمون، إنهم يريدون أن يحددوا لذات الله- سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- إطار صلاحياته- إن صح التعبير- وتدخلاته في حياة البشر بما في نفوسهم من أمراض وفي عقولهم من ميل وهوى.
يذكر الدكتور محسن عبد الحميد مثالًا جيدًا حول هذه النقطة في كتابه: قضايا في الفكر الإسلامي المعاصر- ص ۷۱- يقول: حضرت في ربيع عام ۱۹٨٥ ندوة فكرية مهمة في كلية العلوم في جامعة محمد الخامس بالرباط حول موضوع «الأيديولوجيا، إلى أين؟» اشترك فيها كل من الدكتور عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري والدكتور سالم الحميش والدكتور عبد العزيز الحبابي، فتحدثوا في كل شيء في التخطيط لمستقبل المغرب خاصة والعرب عامة إلا الإسلام فلما اعترضت في رد طويل على اتجاه الندوة وعدم اتخاذ الوحي الإلهي بنظر الاعتبار، أجابني العروي قائلًا: ومن الذي يستطيع أن يتحدث عن الله؟ قلت: إن الله تعالى يتحدث في القرآن عن نفسه إذ لا أحد يستطيع أن يتحدث عن الله في الإسلام بلا وحي قاطع، فأجابني: ولكن من يستطيع أن يفسر لنا وحي الله؟ قلت: إن القرآن خطاب عربي مبين. فعلماء الإسلام فسروه في إطار ضوابط التفسير المتفق عليها، ثم إن هناك ثوابت في الوحي لا يمكن الخلاف حولها أو إنكارها، فعلمت من الجواب أن أرباب الفلسفات المادية لا يؤمنون بثوابت الوحي الإلهي، ويريدون أن يفسروا القرآن بالأفكار البشرية بلا ضوابط للغة والعقل والنقل، كما فعل اليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل من قبل.
فهذه حجة صارخة تثبت أن العلمانيين لا يكتفون بالتغيير والتطوير في دائرة المتغيرات الإسلامية، بل يريدون الزحف باتجاه الثوابت والقطعيات التي إن حدث أدنى تحول فيها يفقد الإسلام بعده الإلهي الغيبي، ويغدو فكرًا بشريًّا مثله مثل الأفكار والفلسفات الوضعية، وليس هو الدين الإلهي الخاتم.
ولما واجه الدكتور محمد عمارة في برنامج متلفز نصر حامد أبو زيد- في مجمل ما طرحه من أفكار غريبة منضبطة وغير منضبطة- قال له: أن التجديد أمر مطلوب إسلاميًّا لكن بضوابطه الشرعية ومن غير المساس بالثوابت، أما أن تأتي منهج غير إسلامي لتكتسح الإسلام وقطعياته في خارج قواعده الأصولية فلا، إلا أن أبا زيد لم يعجبه كلام الدكتور عمارة.
الخطيئة المنهجية الكبرى التي يمارسها العلمانيون بحق الإسلام هي أنهم يطبقون عليه مقاييس وقيمًا منهجية مستوردة من أفكار وأديان أخرى من غير أخذ الفروق الموضوعية والتاريخية بينه وبين غيره من الأديان والأفكار بنظر الاعتبار، الحق البدهي الذي لا بد من إقراره هو أن الإسلام بما أنه دين، فهو يملك فكرًا وإطارًا منهجيًّا للتفكير، يخطئ من يحاول قراءته خارج ضوابطه المنهجية الذاتية، والقائم بمحاولة كهذه لا تعدو النتيجة التي يحصل عليها عن كونها أي شيء إلا الإسلام؛ العلمانيون يفعلون هذا، قراءتهم للعقيدة الإسلامية مبنية على قراءة الغربيين للعقيدة المسيحية في شكلها المجسد في الكنيسة، وحكمهم على الأسس العلمية الحضارية الإسلامية ومواقفها من تطورات الحياة ومتغيرات الظروف مرتبط بما فعلته ومارسته الكنيسة وأخذته العقول البابوية الجامدة من مواقف إزاء ما أنتجه العقل البشري المجرد من كشوف علمية كثمرة تعاملهم التجريبي مع الكون، ونظرتهم لأحداث التاريخ الإسلامي هي النظرة نفسها للتاريخ الكنسي الأوروبي ومن ثم يحملون الإسلام تاريخه وحضارته جميع خطايا وجرائم الكنيسة الأوروبية، حتى مفهومهم للمصطلحات الفكرية الإسلامية هو ما لهذه المفردات من معان في العقل الوضعي الغربي، بكلمة أخرى هم يفصلون لباسًا لمقاييس الكنيسة ثم يلبسونه الإسلام، وهذه جريمة منهجية مرفوضة بالمعيار العلمي.
يقول المؤرخ الدكتور عماد الدين خليل في كتابه في «التأصيل الإسلامي للتاريخ» ص ۲۳- متحدثًا عن المنهج كأداة وما يتمخض عن الاعتماد على هذه الأداة في هذا الحقل أو ذاك من حقول المعرفة التاريخية والإنسانية جميعًا- مركزًا على مادة التاريخ: إن مناهج البحث الاستشراقي بخصائصها المتميزة لا يمكنها بحال أن تقدم تفسيرًا معقولًا شاملًا متماسكًا لتاريخنا الإسلامي، ذلك أنها لا تقوم على أساس متوازن في النظر إلى القيم الروحية والمادية كعوامل فعالة مشتركة في صنع التاريخ، بل إنها تسعى إلى ترجيح الدافع المادي وتقليص مساحة الدوافع الروحية في حركة التاريخ وربما طمسها وإنكارها أساسًا، ثم إن هذه المناهج عندما تدرس تاريخنا بالذات تتحكم فيها عصبيات شتى ورواسب نفسية ومخلفات ثقافية تاريخية وأطماع سياسية واقتصادية وتحزبات دينية ومذهبية وأيديولوجية، ثم ينقل نصًّا للمفكر المسلم الغربي- ليوبولد فايس- في كتابه «الطريق إلى مكة»، وكيف أن مناهج البحث الغربي لم يعد نزيها في بحوثه و دراساته فيما يتعلق بالإسلام فإن الاحتقار التقليدي أخذ يتسلل في شكل تحزب غير معقول إلى بحوثهم العلمية.
وإذا كان الخلل موجودًا في منهج العمل فلن يتمخض هذا الخلل إلا عن حشود من نقاط سوء الفهم والأخطاء على مستوى الموضوع.
وأخيرًا وليس آخرًا، فلقد قرأت لأحد العلمانيين اتهامًا للحركات الإسلامية بأنها- حسب زعمه- وريثة الفكر الاستبدادي في التاريخ الإسلامي والفتاوى التي تصاغ على هوى السلطان؛ الحق أن الجهل أو التجاهل يملأ عقل كاتب هذه المقولة وإلا فإن القارئ المطلع مهما كان اطلاعه بسيطًا يلحظ أن الخط الفكري الموغل في عمق التاريخ والذي تعتمد عليه الحركة الإسلامية هي الفكر الإصلاحي، وهي تدفع ثمن تمسكها به كما دفع السابقون، فأحمد بن حنبل جلد في سجن المأمون، والشافعي طرد، وأبو حنيفة سجن و ابن تيمية مات في السجن، وسعيد بن جبير قتله ظلم الحجاج.
إن الخلفية الفكرية للحركات الإسلامية المعاصرة هي هؤلاء ومعهم غيرهم ممن جمعهم أبو الحسن الندوي في كتابه رجال الفكر والدعوة في الإسلام، فهل هؤلاء كانوا من علماء السلاطين؟ هل عندكم من علم فتخرجوه لنا أيها العلمانيون؟ أم تقولون بأن الأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال وأبو الأعلى المودودي وسعيد النورسي وحسن البنا وسيد قطب ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي وغيرهم من العلماء والدعاة ومفكري الصحوة الإسلامية من وعاظ السلاطين؟ تلكم أربعة نقاط تخطئ العلمانيين- والمعجبين بهم- في التعامل مع الإسلام وفكره وحركاته تشكل عقبة كأداء في فهم حقيقي له، ولهذا نراهم يتعثرون في معرض الحديث أو الكتابة عن الإسلام بسبب ما يمتلكون من منهج أعرج نابع من رؤية مظلمة وقائمة. وتوجد من غير هذه الأربعة الكثير من النقاط، فعليكم بالبحث عنها.
مناجاة
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ (أل عمران: ١٣٩- ١٤٢).
وقال جل شأنه: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ٦٣- ٦٤).
ومن دعاء النبي ﷺ في الشدائد: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله».
«لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله، رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار، اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا دينًا إلا قضيته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا يسرتها وقضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين.