العنوان المجتمع التربوي.. العدد 1569
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 82
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 54
السبت 20-سبتمبر-2003
وقفة تربوية
كتب هذا الزمان (۲)
لأنني مهتم بقراءة القصص للاستشهاد بها في خطبي ومواعظي وتربيتي لأبنائي، فقد ذهبت إلى المكتبة لأرى الجديد في هذا المجال.
بهرتني مجموعة قصصية.... فرأيت فيها ثلاث قصص قد نقلت من بعض كتبي، ولم ينسبها الكاتب لي ثم أضاف قصة واحدة منه، وقصصًا أخرى لمؤلفين آخرين ثم ختمه بتوقيع اسمه على الغلاف. هكذا أصبح التأليف في زماننا تجميع من كتب أخرى، دون أي جهد يذكر من الكاتب، وفصول كاملة من كتب تراثية قديمة تحول إلى كتيبات صغيرة وأشرطة مفرغة لعلماء أجلاء؟!
إننا بأشد الحاجة إلى كتب تعيد التراث القديم بأسلوب معاصر، وكتب تستنبط من عبارات السلف قواعد تربوية تسهل على الجيل الجديد التخلق بأخلاق الرعيل الأول.
إننا بحاجة إلى التطرق للمشكلات المعاصرة عن طريق الاستشهاد بعبارات السلف والأحاديث النبوية، وآيات من القرآن وآراء الفقهاء واستنادًا للإحصائيات الحديثة والاستبانات وإسقاطًا على ما يعانيه الشباب من مشكلات وتحديات من الجاهلية الحديثة.
هذا هو التأليف الذي يتعب فيه المؤلف ويستفيد منه القارئ لا طريقة القص واللصق التي يتبعها الكثير من كتاب هذا الزمان.
أبو خلاد
العجز داء خطير على مستقبل الدعوة وأبنائها
خذ سوطك بيدك
● المرحلة توجب على كل مخلص أن يركل العجز.. وإن قدر فليعقره وليسفك دمه
● الخط البياني لإيمان العاجز القاعد ينذر بعواقب وخيمة
ياسر بن محمد اليحيى
www.alrewak.com
شعل تحترق في صدور أغيار كثيرين.. يذكيها مشهد مؤمن عاجز يقف أمام كافر جلد يسل سيفه يبغي مصرعه....
وتكاد القلوب يتفطرن.. أن ذاك المؤمن عالم تمام العلم بنية خصمه قادر على رده، قانع بعجزه، أحقًا ذاك شبل أسود وسليل أمجاد؟!
يفسر إقبال هذا التناقض فيقول:
جهور الآساد أضحى خزفًا.. حين أضحى قوتهن العلفا
برثن الفولاذ فيها قد وهن.. واستكان القلب في قبر البدن
واهم من ظن أن تلك مبالغة.... ليس لها ما يعضدها في أرض الواقع.
***
وأناديك يابن الرعيل لترى ما أرى من آخر من الدعاة كلف بتدريس حلقة علم، فدار الحول ولما تدر الحلقة.. وإياك أن تبرح المكان دون أن تسيل الدمع على أبناء تلك الحلقة عندما مر عليهم عام سبقهم فيه أترابهم بعلوم نهلوها من نشيط.. ليشهدوا بأنفسهم وعلى أنفسهم وهم الضحايا - بعد زمن - كيف يتعلمون صفة صلاة النبي r بعد أن كبرت سنهم!.
***
ولا ترحل يا ابن الرعيل الأول قبل أن تشهد معي ثالثًا من الدعاة، قد قفل من اجتماع مع إخوة له مربين تكفل فيه ببدء المرحلة الأولى ضمن خطة لإصلاح عيب في نادر ألمعي من المدعوين يراه المجربون راحلة المستقبل تقود خلفها تسعة وتسعين من الإبل بإذن الله...
والعمر يمضي والشمس تجري المستقر لها....
وداعيتنا في بيته مستلق على أريكته وبيده كأس
ماء بارد... يقرأ شعر إقبال.. يصرخ فيه....
يقول...
صيرفي القول إن تبغ الحياة فاجعلن معياره شرع الحياة
نير الفكر يقود العملا من رعد بعد برق جلجلا
فيكمل ما تبقى من مائه البارد... ويتمتم وقد نعس: لله هو ما أبلغه...
ويكون الفصل الأخير من قصتنا أن عيب ذاك المدعو نما وفرخ عيوبًا، أثقلته مع الزمن حتى أركسته... فانضم إلى سابقيه في قائمة ضحايا عجز الثقات.
إن المرحلة التي تمر بها الدعوة تلزم كل من تشرف وتكلف بالاصطفاف في صفها بعد قناعة منه أكيدة، أن يركل العجز أو إن قدر أن يعقره ويسفك دمه..
هكذا دون توازن أو تردد... ليس لها مكان ظروف الزمان بين الأمر والاستجابة عندنا معشر الدعاة.. فالمحل دونها ضيق، ولا وقت نصفه حروف العطف... حتى الفورية منها كفاء التعقيب:﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة:131)، فلم يتلكأ... ولم يرتب... ولم ينحرف... واستجاب فور تلقي الأمر».
الكيس والعاجز
ولقد يرى مجتهد أن العجز داء خطير على نتاج الدعوة وأبنائها، ولكنه لا يصل إلى درجة من الخطورة تستحق إتعاب النفس في الكتابة عنه... فحسب الغيور نصح العاجز نصحًا فرديًّا!.
ألم يعلم ذلك المجتهد بأن رسول الله r قد قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني»؟! روى أبو أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُم ﴾ (المائدة:105)، قال: أما والله لقد سالت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك -يعني بنفسك -ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيامًا، الصبر فيها مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله.
وزادني غيره قال: يا رسول الله: أجر خمسين منهم؟! قال: أجر خمسين منكم. ثم إن كان العجز طارئًا في آحاد على مجتمع الدعاة الأحياء، فلقول ذلك المجتهد وجه من الصحة، غير أن مَن في الميدان يشهد أن منهم عددًا.
العجلة.. في أمور الآخرة: ولقد يسربل العاجز نفسه ثوبًا من التؤدة والأناة يظنه قشيبًا.. ويشرع يلوك في فمه أن: «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة»، والساذج من أفحمته تلك الحجة كأنها صائبة على إطلاقها، وما هي كذلك.... بل التأني خير كله إلا في أمور الآخرة فالعجلة فيها أولى وأسدد والريث فيها معيب، قال الأعمش ولا أعلمه إلا عن النبي r قال: «التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة»..
فإن ضاقت نفس العاجز بنا، ورام غيرنا يعظه... فذو الجوشن من خلف التاريخ يرسل له أناته، كما جاء في طبقات ابن سعد يصف كان ذو الجوشن يتوجع على تركه الإسلام حين دعاه رسول الله ﷺ بعد بدر فلم يسلم إلا بعد فتح مكة».
ثم ما عساها تكون طبيعة الخط البياني لمعدل إيمان العاجز إلا أن تكون شديدة الانحدار أو قل متوسطة على خير تصور؟! ويتصدى العاجز التربية النشء... ثم يكون الجفاف الإيماني سمة ذلك النش... وما هم بملومين.
ومن الظلم للعقل توقع بذل المهجة من قبل العاجز، إذا زلزلت الأرض زلزالها، ونودي أن قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض... في حين أنه ضن عليك بشيء من راحته أيام الرخاء.
هل استكملنا جوانب النصر؟
ألا أن استبطاء النصر ليس استعجالًا كله كما يحلو لبعض المجربين أن يبرروا به حماسة المبتدئين. بل فيه شيء من الحق... ولكن السؤال: هل استكملت جوانب النصر حتى يأتي؟، أم أن هناك نقصًا قد حبسه؟ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٢٦)، ويريد الله منا أن ندفع الثمن ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: ۷)، ونصرة الله توفيق وحفظ أثناء عملية التغيير من واقع لا يرضاه الله إلى آخر يحبه سبحانه، وهو سنة إلهية لها مدخلات وأسباب وليس فيها المؤمن على كافر أسبقية، بل الكل فيها سواء، فهي جزء من إرادة الله الكونية ﴿ِإِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ۱۱). وبعد.
فما أملك إلا أن أمد يدي لأرفع العاجز وأريه كيف يزأر محمد كلزي... يقول:
أمل يداعب خاطري وله أدين
الكون ردد صرختي عبر السنين
والدهر يشهد أنني لن أستكين
لهب يؤجج أضلعي ويثير لاعجة الشجون
فتضج أعماقي الحرى أناشيد اليقين:
لن أستكين لغير رب العالمين.
وصدق الله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ (الشرح:7).
ثم إن رسول الله ﷺ يخبرني ويخبرك: «إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإن غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل».... فإن عاودك الحنين إلى عجزك الأول، وأهاج الشيطان في نفسك ذكريات أيام الراحة والفراغ، فخذ قول رسول الله ﷺ: «استعن بالله ولا تعجزه» دواء لك، تجرعه حال إحساسك بالألم.
الإقرار بالعجز: وما لدوائنا نفع قبل الإقرار بحدوث العجز إقرارًا يجعلك تستعرض معه طيوف عجزك الغابر المزعج... تقطعها عليك قصة عبد الرحمن بن كعب بن مالك كيف كان يقود والده الأعمى إلى المسجد لصلاة الجمعة. فيلحظ أن والده يستغفر لأبي أمامة عندما يسمع الأذان في كل جمعة... ولم يفك الابن لغز ملاحظته إلا بعد أن اعترف بعجزه، فقال: «والله إن هذا العجز» فسأل أباه بعد سنين، فمنحه الله علمًا على لسان أبيه.
ولقد اجتمع عند رسول الله ﷺ نفر من الصحابة يروون الخبر يقولون: قال لنا رسول الله ﷺ: الا تبايعون رسول الله؟! وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا: قد بايعنا يا رسول الله ﷺ ، ثم قال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ ؟ فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال ألا تبايعون رسول الله قال فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟! قال على أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا والصلوات الخمس وتطيعوا، وأسر كلمة خفية: ولا تسألوا الناس شيئًا، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه»...
***
فخذ سوطك بيدك.. فلأن تتناوشه بيدك خير من أن تعجز فيعزلك الفاروق لو كنت عاملًا له على ولاية...
يفهم ذلك العاقل مما جاء في خبر مقتله رضي الله عنه، وسؤال الصحابة عن خليفة يوصي
عمر فقال: «ما أجد أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي عنهم رسول الله r وهو عنهم راض».. إلى أن قال: «فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة الحديث».... هكذا عدها الفاروق.. العجز ذريعة العزل الولاة..
اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكبر والكسل والهرم وغلبة الدين وقهر الرجال.
وايم الله إني لأكتب مقالتي قالتي هذه وما أعلم عند أحد من العجز والكسل أكثر مما أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه، والكاتب إذ يعظ إنما يعظ نفسه أولًا وهو المغرق، ثم إخوته سلفًا... يريد أن ينتشله إخوته من عجزه.... ليكونوا بمجموعهم قرة للعين، وبردًا وسلامًا على قلوب أساتذتهم الأغيار.
يطفئون ما اشتعل في صدورهم من إثر عجز قد سلف ولقد ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (المائدة:٩٥).
الإسراء والمعراج.. دروس لأصحاب الدعوات
أرض الدعوة لا حدود لها... ومهمة الداعية أن تنتصر دعوته مهما بذل في سبيلها
حينما ضاقت الأرض بالحق أن يرتفع له لواء.. تفتحت له أبواب السماء
أحمد زهران(*)
تمثل السيرة النبوية الصورة العملية المبادئ الإسلام، والصورة الميدانية لصياغة السلوك الإسلامي الرشيد والمرجع الذي يستمد منه دعاة الإسلام مبادئ الفهم الصحيح لحركة المجتمع المسلم عموما والحركة الإسلامية خصوصا.
وما نريد أن نعرض له من جوانب السيرة النبوية في شهر رجب حادثة الإسراء والمعراج، التي يرى بعض العلماء أنها كانت في هذا الشهر الكريم([1]).
لقد عاشت الدعوة على أرض مكة فترة من الزمن يكتنفها التضييق والإيذاء البدني والنفسي، بل عاش النبي rنفسه أسًى نفسيا عميقا إزاء هذا السخف الجهول، وذلك الحمق البليد.
ثم ماتت زوجه خديجة البيت الأمن المطمئن الذي يصدقه ويواسيه ويكفكف عنه الكثير من لأواء الحياة ثم مات عمه أبو طالب الحصن المنيع الذي كان يدافع عنه، فلا يأتين إليه أحد من قبله.
وما وصلت قريش إلى رسول الله ﷺ بشيء يكرهه حتى مات أبو طالب، يقول ﷺ: «ما نالت منِّي قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب»([2])
ولكن رسول الله الله تحمل كل ذلك في ذات الله وانطلق بعدها إلى الطائف عله يجد للدعوة
نصيرًا بعدما ضاقت مكة وشعابها بالحق الذي معه، فماذا وجد في الطائف؟
وجد صورة مكررة من عتاة مكة سلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم يرمونه بالسباب ويرشقونه بالحجارة حتى ألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلم يجد ﷺ طريقا سوى اللجوء إلى الله تعالى القادر القوي والناصر المعين «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل على غضبك أو أن ينزل بي سخطك، لك العُتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك»([3])
وحدث أن جاء ملك الجبال في موقفه هذا يعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين «جبلان بمكة» فما كان منه كله إلا أن قال: «بل أرجو أن يخرج الله - عز وجل من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل - وحده لا يشرك به شيئًا»([4]) ولما أن ضاقت الأرض بالحق أن يرتفع له لواء- حتى ما دخل رسول الله ﷺ مكة بعد رحلة الطائف إلا في جوار مشرك - تفتحت أبواب السماء تستقبل ضراعته وتلبي نداء، وتخفف عنه هذه الآلام والمعاناة. وتعطيه دفعة معنوية قوية تعينه على مواصلة الطريق، فكانت الرحلة الكريمة. رحلة الإسراء والمعراج.
دروس تربوية
ونقف هنا على جملة من الدروس المهمة التي إن استصحبها الداعية في دعوته زادته فهما وفقها في دعوة الله تبارك وتعالى:
الدرس الأول: حرارة الصدق والإخلاص في تبليغ أمر الدعوة:
فالرسل معنيون ومكلفون بتبليغ الناس رسالة الله التي فيها ضبط نفوسهم حتى تستقيم على السنن الصحيح للحياة، وهم بهذا يدخلون في صراع مع أهواء البشر، ولكل إنسان هوى، فهم يدخلون في صراع مع الناس جميعا، وهذا ما تلاحظه في سعيه ﷺ لتبليغ أمر الدعوة لأهل مكة، ثم لأهل الطائف، ثم عرض نفسه على القبائل بعد ذلك، فما وجد غير السخرية والصد والتكذيب. ولا غرو في ذلك فالبشر هم البشر على كل حال، وثبات الداعية على العقبات التي تواجهه بلا مداراة ولا مواربة بل والقيام بكل الواجبات الدعوية والصبر على ذلك، وتحمل كل شيء في سبيل مرضاة الله.. كل هذا دليل على حرارة الصدق والإخلاص للدعوة والله المكلف بها. وإن كان جانب حماية النفس مقدمًا عند أصحاب الدعوات الباطلة على التبليغ، فإن التبليغ مقدم على كل شيء عند الدعاة إلى الله عز وجل([5]).
الدرس الثاني: أرض الدعوة لا حدود لها:
فلئن أوذي الداعية في موطن التمس النصرة في موطن آخر، ولئن ضيق عليه في مكان نشد الأمل في مكان آخر، فلا ترك، ولا تغيير في المسيرة، ولا صمت ولا سكوت عن الدعوة والبلاغ، فأرض الدعوة ليست مكة أو الحبشة أو الطائف فقط وإنما مجالها أرض الله الواسعة، وسماؤه المرتفعة؛ ولهذا انطلق رسول الله ﷺ من مكة إلى الطائف، ثم عرض نفسه على القبائل كلها، وبعد صلح الحديبية بعث رسله وسفراء يبلغون دين الله وينشرون لواء إلى ملوك وأمراء شبه الجزيرة العربية وغيرها.
ومن هذا الفهم هاجر أفراد من الحركة الإسلامية عندما ضيق عليهم في بلدهم إلى بلاد الله في الشمال والجنوب والشرق والغرب، ولو أنهم آمنوا بمحدودية الرسالة، أو اعتقدوا بحبزيتها لما وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
الدرس الثالث مهمة الداعية أن تنتصر دعوته لا أن ينتصر هو:
ويتضح ذلك في هذا السمو البشري الذي صوره رسول الله ﷺ حينما جاءه ملك الجبال، فأبي أن يطبق عليهم الأخشبين، قائلًا: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئًا، ولو أراد أن ينتصر لنفسه لفعل، وإنما هو الدرس الكبير.
فرسول الله ﷺ لم يكن رجلًا سياسيًّا كل همه أن ينتصر في المواطن التي خذلته، وإنما كان داعية. وفارق كبير بين أن تكون سياسيًّا وأن تكون داعية فمهمة السياسي أن ينتصر، أما مهمة الداعية فهي أن تنتصر دعوته، وحين يخير بين الأمرين فيختار دعوته على شخصه، وكم من الدعاة بحاجة إلى أن يتعمق هذا المعنى في نفوسهم فالدعاة إلى الله يجب ألا ينسوا هدفهم أبدا، ويذكروا دائمًا أن الهدف الأول عندهم نصر دعوتهم لا نصر أشخاصهم([6]). وكم لاقى الدعاة إلى الله ويلاقون من تضييق وتشريد وسجن وتعذيب ومصادرة أموال وممتلكات فما يحملهم ذلك على حمل الضغينة لأحد، وإنما يطلبون الهداية من الله لهم.
وليكن لهم في رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة. الذي يرتفع فوق عواطفه، ويرتفع فوق أحقاده وثاراته ولا يكون له هدف إلا انتصار الدعوة وبلوغها الأفاق حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله. ولله در الإمام البنا حينما أوصى إخوانه وتلامذته فقال كونوا مع الناس كالشجر، يرمى بالحجر، فيلقي بأطيب الثمر.
الدرس الرابع المراجعة الذاتية الإيمانية:
ومع أن رسول الله ﷺ قام بواجب الدعوة أحسن ما يكون القيام، إلا أنك تراه يطلب رضا الله تبارك وتعالى، فلم يشغل باله بالأذى الذي لحقه، كما انشغل بأن يكون هذا الأذى دليلًا على غضب الله تعالى عليه: «اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي»
ويا له من سمو روحي واستغفار قلبي، وتذلل بشري، ولكنه مع ذلك كله يواصل الطريق حتى
يأتيه العلاج من قبل رب العالمين لا ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر:99).
هذا هو العلاج: سبح، واسجد، واعبد، حتى يأتيك اليقين، فلا ترك ولا توقف، ولا تغيير في المسيرة، ولا صمت ولا سكوت عن الدعوة والبلاغ وإنما هي وقفات للمراجعة، وإعلان العبودية والتماس العون والتوفيق ممن بيده ذلك وحده. سبحانه وتعالى. فإذا كان الله معك -أخي الداعية. فمن عليك وإذا كنت دائم الصلة بالله تعالى، فممن تخاف؟
وهذا ما يجب على الدعاة أن يستلهموه ويستصحبوه في طريق دعوتهم.
الصلاة.. معراج المؤمن
الصلاة عماد الدين ودعامته، وركنه وشعيرته، ومظهره الخالد وايته الباقية وهي مع ذلك قرة العين وراحة الضمير وأنس النفس وبهجة القلب، والصلة بين العبد والرب.
وهي ليست حركات تؤدى، ولكنها حياة كاملة، وروح منبعثة، ومعان شاهدة، ومدد متصل بين عالم الأرض والسماء لمن أراد أن يتذكر أو يلقي السمع وهو شهيد.
«.... ولئن كانت الغالبية العظمى من المسلمين يؤدون صلاة ميكانيكية ورثوها عن آبائهم، واعتادوها بمرور الأيام، وكر الأعوام، لا يتعرفون أسرارها، ولا يستشعرون آثارها وحسب أحدهم أن يلفظ الكلمات، ويأتي بالحركات ويسرد الهيئات، ثم ينصرف معتقدا أنه أدى الفريضة، وأقام الصلاة، وخلص من العقوبة ونال الثواب، فهذا وهم لا حقيقة له... فليست هذه الأقوال والأفعال من الصلاة إلا جسما، روحه الفهم، وقوامه الخشوع، وعماده التأثير».... «مجموعة الرسائل ص ٧٥.. هل نحن قوم عمليون؟»
إن أول صفة من صفات المؤمنين – أخي المسلم – أنهم ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون:2)، فلا تتحقق الصلاة كاملة من دون خشوع، والخشوع معناه حضور القلب وسكينة النفس، وفراغ العقل من الهوى أو التفكير فيما سوى الله -عز وجل....
لو تفكرت -أخي- في الصلاة لوجدتها مجموعة من الحركات تؤدى ركوع وسجود وقيام، وقعود، ولكن وراء كل حركة معان جمة لو تفكر فيها المسلم، فهي تمنحك قوة الجسد بما تؤديه فيها من حركات وتسبغ عليك صحة الفكر حينما تسمع ما يتلى فيها من آيات وتستزيد من إشراقات الروح وأنت تحلق فيها في ملكوت الأرض والسماوات وما الإنسان إلا جسم وعقل وروح.
إن العبد ليعرج بصلاته إلى العالم الأعلى إذا هو رفع يديه إشارة إلى توديع الدنيا واستقبال الآخرة، وليوجه قلبه وروحه وسره إلى الله، فيتدبر معنى ما يقرأ، ويشهد بعين قلبه أنه بين يدي ربه يناجيه ويكبره ويحمده ويثني عليه، وهذا هو المعراج الروحاني في الصلاة.
ذلك المعراج يتحقق حينما نتخلص - أخي المسلم. من ركام الطينية ونسمو إلى آفاق الروحانية، ونتخلص من أوثاق المادية، لتحلق في ملكوت رب البرية، فنسعد بالوقوف بين يديه نناجيه بكلامه، ونتزلف إليه بقرآنه، ونتحبب إليه بالثناء عليه، والإنابة إليه، والتضرع بين يديه..
يقول ابن عطاء الله في حكمه: «الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب واستفتاح لباب الغيوب، وهي محل المناجاة، ومعدن المصافاة تتسع فيها ميادين الأسرار، وتشرق فيها شوارق الأنوار»
إذا فكرت فيما يعصمك من الذنوب، فأقبل على الصلاة، جدد طهورك، وأخلص نيتك، ثم كبِّر، يأتيك من الله الفرج، ويا لها من حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات لتبقى الروح أبدا متصلة بالله، أو مهيأة للاتصال به حتى إذا فكر ضعيف النفس بمعصية الله، حدثته نفسه أنه سيقف بين يدي الله بعد قليل، فيخاف أن يقف بين يديه مخطئا أو آثمًا «وحي القلم للرافعي».
وإن أولى مراتب المعراج الجسماني في الصلاة أن يقوم المصلي بين يدي ربه كقيام أهل الكهف الذين ورد فيهم: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (الكهف:14).
وأولى مراتب المعراج العقلي أن تدرك أخي أن هناك عابدا ومعبودا. عبدا يَعبد وربًّا يُعبد. وليس وراء ذلك شيء ليس هناك إلا رب واحد والكل له عبيد..
وأولى مراتب المعراج الروحي أن تذكره تسبحه وتستغفره، وتطلب منه وترجوه واعلم أنه متى أطلق لسانك بالطلب فهو يريد أن يعطيك «من حكم ابن عطاء الله».
(*) سكرتير تحرير مجلة الرسالة القاهرة
[1])) اختلف العلماء في تحديد زمن الإسراء، والذي اختاره العلامة المنصور فوري أنه كان في شهر رجب من السنة العاشرة من النبوة راجع تفصيل ذلك في الرحيق المختوم ط دار الوفاء بمصر ١٩٩٥، ص. ١٦٢
[2])) حديث ضعيف أخرجه ابن إسحاق (۳۰۸/۱) بسند. صحيح عن عروة بن الزبير مرسلًا.
[3])) الرحيق المختوم ص ١٤٩، وراجع فقه السيرة للغزالي. دار الدعوة بمصر ص ١٤٦، ١٤٧
[4])) السابق، ص ١٥٠
[5])) الرسول ﷺ السعيد حوى ط دار السلام بالقاهرة ۱۹۹۰م، ص ۸۵
[6]))المنهج الحركي للمسيرة النبوية - منير محمد الغضبان ط مكتبة المنار بالأردن، ص ١٣٦
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل