العنوان المجتمع التربوي (1259)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997
مشاهدات 59
نشر في العدد 1259
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 22-يوليو-1997
وقفة تربوية
تذكر.. ربما تكون ظالمًا
في نكبة البرامكة الذين كانوا ملوكًا يشاركون الخليفة هارون الرشيد في ماله وممالكه وأوامره فانقلب عليهم في ليلة وضحاها، وسجنهم حتى الممات، كان في السجن ولد ليحيى البرمكي أحد كبار قادة البرامكة، فقال لأبيه وهم في القيود: يا أبتي أبعد الأمر والنهي، والأموال، صرنا إلى هذا؟؟! فرد عليه أبوه «يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها، ولم يغفل الله عنها» ..... كلنا يتفق على كراهية الظلم، وكلنا يعلم أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن الله قد تكفل بنصرة المظلوم، ولكن القليل منا من يتفكر ويسأل نفسه «ربما أكون ظالمًا» فقد يبتلى المرء بالبلاء والضيق، وتعسير الأمور وعدم التوفيق في كل أمر يلجه ولا يجلس مع نفسه جلسة مصارحة، كما فعل يحيى البرمكي ربما ما وقع لك كان بسبب دعوة مظلوم كان تحت يديك نسيته ونسيت مظلمته، ولكن الله لم ينسه فقد تكون مديرًا وتحتك طابور من المظلومين لم يستطيعوا الوصول إليك لتسمع منهم، أو أنك أخذت بأقوال مناوئيهم ولم تتحقق فرفعوا أكفهم للسماء يدعون الله أن ينصفهم.
وربما تكون زوجًا لم تقم بما أوجبه الله عليك في حق زوجتك وعيالك من الرعاية والنفقة وحق العشرة وجعلتهم يعيشون في رعب بسبب ظلمك وقساوتك، إما إرضاء لزوجتك الثانية، أو طرف آخر.
وربما تكون قد أخرت راتب الخادم الذي من راتبه بسبب تقصير بدر عندك أو خصمت منه، أو أنك صرخت عليه وأهنته أو ضربته فدعا عليك والحسرة تقطع فؤاده، فانتقم الجبار منك وأوقعك فيما أوقعك فيه.
أيها الظلمة من جميع شرائح المجتمع تذكروا، وحاسبوا أنفسكم فربما ما يصيبكم من بلاء وعسر بسبب دعوة مظلوم غفلت عنها ولم يغفل الله عنها.
أبو خلاد
كلمة إلى الدعاة
الرصيد العلمي والزاد الثقافي للدعاة
بقلم: الشيخ علي بادحدح
الدعوة إلى الله هي أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، ولابد من كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إلى السعي والخوض في غمار الدعوة وميادينها فيما لا علم للداعي به، تترتب عليه آثار وخيمة، وكما قال عمر بن عبد العزيز من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه العلم إمام والعمل تابعه والعمل إن لم يكن يعلم كان جهلًا وضلالًا واتباعًا للهوى.
وطبيعة مهمة الداعي خطيرة، ونظرة الناس إليه، واعتدادهم به وأخذهم عنه يجعل أمر العلم أشد ضرورة للداعية إلى الله، لأن ما يقوم به من الدين، ومنسوب إلى رب العالمين، فيجب أن يكون الداعي على بصيرة وعلم بما يدعو إليه، وبشرعية ما يقوله ويفعله ويتركه، فإذا فقد العلم المطلوب اللازم له كان جهلًا بما يريده ووقع في الخبط والخلط والقول على الله والرسول بغير علم فيكون ضرره أكثر من نفعه، وإفساده أكثر من إصلاحه وقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف الجهلة بما أحله الشرع وأوجبه وبما منعه وحرمه ومن أكثر الأمور التي يفتن بها عوام الناس التصرف الخاطئ الذي يصدر من بعض الجهلاء من أهل العبادة والصلاح، لأن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله فهذا يقتدون به من أثر حاله، فكيف بالداعية الذي يوجههم بحاله ومقاله، إن افتتانهم به أكبر واشد.
فضل العلم وثمرته
لابد للداعية أن يوقن أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب، والآخذ بالعلم أخذ بالبداية الصحيحة إذ العلم مقدم على القول والعمل كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (محمد: 19)، وبالعلم يحوز الداعية الرفعة في الميزان الرباني وفق قوله تعالى: ﴿يَرفَعِ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَالَّذينَ أوتُوا العِلمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعمَلونَ خَبيرٌ﴾ (المجادلة: ١١)، والسعي في طلب العلم تحقيق للغاية التي أرادها الله ووجه إليها في قوله: ﴿وَما كانَ المُؤمِنونَ لِيَنفِروا كافَّةً فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا فِي الدّينِ وَلِيُنذِروا قَومَهُم إِذا رَجَعوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرونَ﴾ (التوبة: ١٢٢)فقد جعل الله الأمة فرقتين أوجب على إحداهما الجهاد في سبيله وعلى الأخرى التفقه في دينه، لئلا ينقطع جميعهم عن الجهاد فتندرس الشريعة، ولا يتوافروا على طلب العلم فتغلب الكفار على الملة، فحراسة بيضة الإسلام بالمجاهدين، وحفظ شريعة الإيمان بالمتعلمين وإذا نال الداعية حظًا وافيًا من العلم واندرج في سلك طلبة العلم فإنه يكون في مجتمعه نبراسًا يهتدى به كما قال ابن القيم عن الفقهاء: إنهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء بهم يهتدى في الظلماء، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء.
العلم المطلوب
ليس بالضرورة أن يكون الداعية عالمًا جامعًا لكل العلوم، وليس من شرط الدعوة تمام العلم واستيفاء قدر بعينه منه، وليست الدعوة مختصة بالعلماء وحدهم دون غيرهم، بل كل من علم من أحكام الإسلام شيئًا دعا إليه، وكل من علم منكرًا وعرف دليل حرمته نهى عنه، وإذا لم يكن الأمر كذلك تعطلت الدعوة ومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبق أن أوضحنا أن الدعوة مشروط لها العلم ولكن العلم ليس شيئًا واحدًا لا يتجزأ ولا يتبعض، وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض، فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى وجاهل بالثانية، وبالتالي يتوافر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما علم دون ما جهل، ولا خلاف بين الفقهاء أن من جهل شيئًا أو جهل حكمه أنه لا يدعو إليه، لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة، وعلى هذا، فكل مسلم يدعو إلى الله بالقدر الذي يعلمه، ومع هذا البيان إلا أننا ندرك أن الداعية وقد تصدر للوعظ والإرشاد والتربية والتعليم مطالب بقدر من العلم والثقافة يعينه على مهمته ويؤهله لها وتلخيص المهم من ذلك يتركز في جانبين:
الأول: الجانب الشرعي: لابد للداعية أن يعرف أن أولى العلوم وأفضلها علم الدين، لأن الناس بمعرفته يرشدون ويجهله يضلون، وهنا لابد أن نفرق بين ما يجب تعلمه ولا يسع أحدًا أن يجهله، وبين ما يكون تعلمه فرضًا كفائيًا، وقد قيل في بيان معنى كون العلم فريضة على كل مسلم أنه على كل أحد أن يتعلم ما لا يسعه جهله من علم حاله.... وقال ابن المبارك إنما طلب العلم فريضة أن يقع الرجل في شيء من أمر دينه يسأل عنه حتى يعلمه، وهكذا يجب على كل مسلم أن يعرف ما يحل له وما يحرم عليه من والملابس والفروج والدماء والأموال فجميع هذا لا المأكل والمشارب يسع أحدًا جهله.
وأرى للداعية أن يكون عنده الحد الأدنى من العلوم الشرعية الأساسية وأقترح له ما يلي:
1 - علم العقيدة الإسلامية: أن يتعلم أصول العقيدة من كتاب معتمد مختصر على مذهب أهل السنة والجماعة ككتاب «لمعة الاعتقاد» لابن قدامة أو العقيدة الواسطية لابن تيمية ونحوها..
٢ - علم التفسير: أن يطلع على تفسير موجز موثوق يشتمل على معاني الكلمات وأسباب النزول والمعنى الإجمالي، ويفيد في ذلك بعض المصاحف المطبوع على هامشها أسباب النزول ومعاني الكلمات، ثم يجعل له زادا في دراسة متأنية لتفسير بعض السور والأجزاء المكية والمدنية من كتاب معتمد متوسط مثل «تفسير ابن كثير»
3- علم الحديث: أن يدرس كتابًا من كتب الحديث الجامعة المختصرة مثل: «مختصر صحيح البخاري أو مختصر صحيح مسلم» ويمكن أن يطالع كتابًا من كتب الحديث العامة المصونة في جملتها من الأحاديث الضعيفة والمشتملة على أهم الأبواب التي يحتاج إليها في الإيمان والفضائل والآداب مثل كتاب «رياض الصالحين»، ويحسن أن يطلع على كتب الحديث المختصرة بموضوعات معينة ففي أحاديث الأحكام بلوغ المرام، وفي الأذكار أذكار النووي، وفي الشمائل شمائل الترمذي، ونحو ذلك.
4- علم الفقه: أن يدرس مختصرًا في فقه العبادات والمعاملات وقد يضيف ما يحتاجه من الأبواب على مذهب من المذاهب الأربعة المشتهرة.
5- علم السيرة والتاريخ: أن يدرس مختصرًا في سيرة الرسول مثل: «تهذيب سيرة ابن هشام، ومن الكتب المعاصرة النافعة «الرحيق المختوم» للمباركفوري، وأن يطالع على الأقل تاريخ الخلفاء الراشدين.
٦ - مفاتيح العلوم: أن يدرس مختصرًا في أصول الفقه مثل «مختصر الأصول» للشيخ ابن عثيمين أو «أصول الفقه للمبتدئين» للأشقر، وكذلك يدرس مختصرًا في علوم الحديث مثل تيسير مصطلح الحديث للطحان، أو مختصر علوم الحديث لابن عثيمين، وفي علوم القرآن مباحث في علوم القرآن للقطان، وفي أصول التفسير مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك بحسب الطاقة.
7- علوم اللغة: أن يدرس مختصرًا في النحو «كالأجرومية» أو «ملحة الإعراب» وكذا في البلاغة والأدب يحتاج إلى دراسة موجزة في مثل كتاب البلاغة الواضحة، لعلي الجارم وهذه المعلومات الأساسية يحتاج الداعية فيها إلى إرشادات عامة أهمها:
۱ - التدرج في كل علم من الأدنى إلى الأعلى ومن الأيسر إلى الأصعب، وليعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها، ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة، لأن البناء على غير أساس لا يبنى والثمر من غير غرس لا يجني، وهذا ابن خلدون يوضح لك الطريق فيقول: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدًا إذا كان على التدرج شيئًا فشيئًا وقليلًا قليلًا» وأفاض في بيان ذلك بما فيه الوفاء وقال ابن شهاب الزهري المحدث الإمام: من رام العلم جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي.
التلقي عن الشيوخ
2- الحرص على التلقي عن الشيوخ كل في فنه وألا يعتمد على الاطلاع المجرد وحده، فهذه العلوم ليست كالصحف والمجلات يكتفي فيها بالقراءة والاطلاع، وكما قيل: من كان شيخه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه.
3- الصبر والملازمة، وترك الانتقال من علم إلى علم قبل تمامه، ومن شيخ إلى شيخ قبل الاستفادة منه، ومن كتاب إلى كتاب قبل إحكامه، قال الزرونوجي: ينبغي أن يثبت ويصبر على أستاذ، وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر، وعلى فن حتى لا يشغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول، وعلى بلد حتى لا ينتقل إلى بلد آخر من غير ضرورة فإن ذلك يفرق الأمور ويشغل القلب ويضيع الأوقات ويؤذي العلم.
الثاني: الثقافة الإسلامية
إضافة لتحصيل العلوم الشرعية وآلاتها، فإن الداعية يحتاج بشكل ملح إلى الثقافة الإسلامية العامة، وكذلك الثقافة المعاصرة، ولا شك أن حركة الداعية حركة واسعة، وانتشاره كبير واتصالاته كثيرة وهو ولا شك يلتقي أنواعًا كثيرة من البشر كلله مزاجه وثقافته واطلاعه فلا بد للداعية أن يشبع هذه الثقافات ويلم بشيء منها حتى يشارك من يخاطبه كل حسب ثقافته كمدخل من مداخل الدعوة.
ولا بد من الاعتراف بوجود الخلل في هذه الثقافة عند كثير من الدعاة، فهناك عجز في المعرفة بالحاضر المعيش والواقع المعاصر، وهناك جهل بالآخرين نقع فيه بين التهويل والتهوين مع أن الآخرين يعرفون عنا كل شيء وقد كشفونا حتى النخاع، بل هناك جهل بأنفسنا فنحن إلى اليوم لا تعرف حقيقة مواطن القوة فينا، ولا نقاط الضعف لدينا، وكثيرًا ما نضخم الشيء الهين، ونهون الشيء العظيم، سواء في إمكانياتنا أم في عيوبنا ولهذا لابد من العناية بهذا الجانب وإعطائه الأهمية اللازمة له، وأسلط الضوء هنا على الموضوعات المهمة في هذا الجانب من خلال الآتي:
۱ - الثقافة العامة: وأعني بها ما يتصل بإبراز محاسن الإسلام، ومعرفة مقاصد الشريعة، وتفنيد ورد مزاعم خصوم الإسلام وشبهاتهم، وإظهار الكمال في أنظمة الإسلام الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وبيان أنها ترعى جميع المصالح وتسد أبواب الفساد، وأنها صالحة لكل زمان ومكان وأمثال هذه الموضوعات، وهذه الثقافة يمكن تحصيل جزء جيد منها من خلال تحصيل العلم الشرعي سيما إذا توسع الداعية في طلبه وتحصيله، ومع ذلك فهناك كتب جمعت مثل هذه المقاصد وهي كثيرة منها «نحو ثقافة إسلامية أصيلة» لعمر الأشقر، و «الخصائص العامة للإسلام» للدكتور يوسف القرضاوي، والمدخل إلى الثقافة الإسلامية لمحمد رشاد سالم ونحوها.
2- الثقافة المعاصرة وأعني بها عددا من الجوانب منها:
أ - المذاهب الفكرية المعاصرة كالشيوعية والرأسمالية والقومية والبعثية، والماسونية ونحوها والكتب فيها كثيرة ومن أوسعها كتاب «المذاهب الفكرية المعاصرة» المحمد قطب، ومن أجمعها مع الاختصار «الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة» من إصدارات الندوة العالمية للشباب الإسلامي.
ب - الواقع المعاصر من جهة الأعداء بدراسة الغزو الفكري، والدور العملي للصهيونية والماسونية ومخططاتهم وأساليبهم، والتنصير ومؤسساته وأدواره، وهناك كتب نافعة في مثل هذه الموضوعات مثل «الغارة على العالم الإسلامي» تأليف أ. ل. شاتليه، وترجمة محب الدين الخطيب ومساعد اليافي، وكتاب «أفيقوا أيها المسلمون» العبد الودود شلبي، وكتاب «بروتوكولات صهيون» ترجمة خليفة التونسي، و«أساليب الغزو الفكري» للدكتور على جريشة، ومحمد شريف ال زيبق، ومن جهة المسلمين بمعرفة أحوالهم ومتابعة أخبارهم وأوضاع أقلياتهم وهذا موفور في محاضر العالم الإسلامي للدكتور على جريشة، وكتب الأقليات وأحوال بلاد المسلمين، وإذا توافر للداعية رصيد علمي مناسب وزاد ثقافي جيد كان ذلك عونًا له في دعوته ورافدًا من روافد نجاحه.
نحو عمل مؤسسي فعال
إعداد: إدارة لجان العمل الاجتماعي، جمعية الإصلاح الاجتماعي
أصبح العمل المؤسسي منهجًا أساسيًا في إدارة العمل الإسلامي اليوم، ويكاد الدعاة يجمعون على أهمية تحقيق أهداف الحركة الإسلامية بفاعلية وكفاءة أفضل من هنا فقد برزت الحاجة إلى إعداد منهج تحقيقي بين يدي الدعاة يحدد المفاهيم العلمية والمعاني التربوية والمتطلبات الإدارية والأساليب العلمية لإيجاد عمل مؤسسي فاعل، ذلك: أن فاعلية البناء المؤسسي لا تتحقق برسم الهياكل الإدارية فقط، ولا بوضع الخطط العملية فقط ولا بأن يكون العمل المؤسسي اهتمامًا قياديًا فقط ولا بالتدريب الفني فقط بل إن نجاح العمل المؤسسي يتطلب استيعابًا لمفاهيمه وتربية على معانيه ومتطلباته الشخصية ومعايشة لعناصره وتفاعلًا من القيادة والقواعد مع مستلزماته وقدرة على تحقيقها.
لذلك فقد وضع هذا البحث الذي حاول الجمع بين المضامين الفنية والعلمية والتربوية بصياغة توجيهية مبسطة ليتم تدارسه والتحاور حوله في لقاءات تربوية متعددة ليتحقق الهدف المرجو من إعداده وهو ترسيخ العمل المؤسسي لدى الدعاة والارتقاء بمستوى مؤسسات العمل الإسلامي، ولا شك أن البناء المؤسسي لأي عمل من الأعمال إنما يعني أهمية العمل ذاته وعلى رغبة القائمين عليه بتحقيق أهداف طموحة من ورائه، الأمر الذي جعلهم يرسون قواعده الثابتة وكيانه الدائم.
إن مرحلة العمل الحالية والمستقبلية والتي تضمنت فتح منابر متعددة في العمل الدعوي العام والعمل الإعلامي وإقامة مناشط للعمل الاجتماعي اقتضت التوجه المؤسسي في بناء الأجهزة القائمة على هذه المناشط وغيرها من أنشطة العمل وذلك لتحقيق الفوائد التالية:
١ - البناء المؤسسي لتلك التخصصات والوحدات التنظيمية من شأنه أن يحقق التوازن بين الأهداف المرجوة والأعمال المبذولة لتحقيقها من جهة، والطاقات والإمكانات المتاحة من جهة أخرى، وهذا التوازن يكفل لتلك التخصصات والوحدات والنجاح والاستمرارية كما يحقق النمو والتطور للطاقات والإمكانات.
2- البناء المؤسسي يحقق الثبات والكينونة لتلك التخصصات كما أنه يفتح آفاقًا لتطوير أعمالها ومشاريعها بشكل مدروس على خلاف الأعمال التي تركز على أشخاص معينين لاهتماماتهم الخاصة أو حماسهم لها فإنها ولا شك تذهب مع ذهابهم وتضعف مع ضعفهم.
3- العمل المؤسسي إطار مهم لترسيخ أساليب الإدارة العلمية الحديثة وتطبيقها عمليًا في تلك التخصصات، لذا فإننا نجد أن التخطيط السليم والتنظيم البارع والتوجيه المتواصل والتقويم الدائم والمتابعة الفعالة هي من سمات المؤسسة متميزة بذلك عمن سواها من أنماط العمل والتي قد تنال أحدًا أو بعضًا من تلك السمات، ولكنها -وبلا شك- ستعجز عن اكتسابها بشكل دائم وشامل.
4- العمل المؤسسي يهيئ المناخ المناسب لاستثمار القدرات البشرية وتفجير الطاقات الكامنة لدى أفراد المؤسسة، ذلك لما يتيحه البناء المؤسسي من فرص المشاركة الجماعية في القرار والإدارة وما يثيره ذلك من روح التحدي، واستشعار المسؤولية وتعزيز روح الانتماء لأهداف المؤسسة وهذه المعاني إذا ما ربطت باستشعار المئوية ونية التعبد فإن أثرها بالغ في استنهاض الهمم واستثمار الطاقات ونمو روح الإبداع والابتكار.
5 - العمل المؤسسي يهيئ الأجواء - ولا سيما في الأعمال العامة - للاتصال الجماهيري والانتشار الشعبي عبر واجهات رسمية معروفة خصوصًا إذا كانت المؤسسة ناجحة في حملتها الإعلامية وعلاقاتها العامة، فإن هذا الانفتاح العام له آثاره الإيجابية في توصيل الفكرة الإسلامية وإبراز دور الحركة الإسلامية في المجتمع فضلًا عن إبراز الرموز الإسلامية والتي سيكون لها الأثر في استقطاب الجماهير حول الحركة والفكرة.
أسس وقواعد العمل المؤسسي
إن هذه الأسس والقواعد إذا ما اجتمعت في وحدة من وحدات العمل أمكننا أن نصفها بأنها مؤسسة، كما أنه على قدر قوة وثبات وفاعلية كل قاعدة من هذه القواعد تكون قوة البناء المؤسسي لتلك الوحدة، ويمكن أن نجمل هذه الأسس والقواعد بما يلي:
۱ - الفكرة وهي منطلق بناء المؤسسة ومضمونها وسبب إنشائها وهي محور عملها الأساسي على قدر أهميتها ووضحوها تكون أهمية المؤسسة.
٢ - القيادة وهي عنصر مهم في التأثير على كفاءة العاملين بالمؤسسة وعلى كفاءة المؤسسة ككل (۳)، والقيادة هي عبارة عن مقدرة فرد في التأثير على الآخرين من أجل القيام بتنفيذ أهداف محددة (٤)
3- الأفراد وهم العناصر التي تتحرك بهم المؤسسة وتحقق من خلالهم أهدافها، ويشكلون مع القيادة العنصر البشري في المؤسسة والذي هو عماد بنائها وأساس مهم من أسس وجودها.
4 - الهيكل ونظام العمل: فالهيكل هو توزيع اختصاصات المؤسسة على وحدات وتحديث طبيعة العلاقة فيما بينهما، أما نظام العمل فهو بمثابة الأعصاب التي يحرك بها الدماغ أعضاء الإنسان وعن طريقها يشعر الدماغ بأحاسيس الأعضاء ويقصد بها الطريقة أو الأسلوب الذي تعمل به المؤسسة، فهناك نظام للإدارة والرقابة والمتابعة ونظام لتدريب المستويات ونظام للدوام ونظام للاتصال بين الوحدات الفرعية ونظام للمعلومات في المؤسسة وهناك اللوائح المنظمة لاختصاصات المؤسسات... إلخ، كما يندرج مع الأنظمة القيم والأعراف غير المكتوبة والتي يلتزم بها أدبيا من قبل العاملين كالجدية في العمل والانتظام والتكافل.
5 - خطة العمل فالمؤسسة لم تنشأ أساسًا إلا لتحقيق أهداف ومقاصد معينة وعادة ما تكون الأهداف هي أساس ومنطلق التفكير بإنشاء المؤسسة، كما أن المؤسسة لا تضع الأهداف دون تحديد وسائل التنفيذ والأعمال لتحقيق تلك الأهداف، وهو ما يسمى بخطة العمل، وهي كالروح التي تسري في جسم الكائن الحي فتحرك أعضاءه، وتثير طاقاته الكامنة.
6- الكيان الرسمي المشروعية فالرسمية هي عنوان المؤسسة في الأعمال، والمؤسسة تنشأ عادة بقرار أو قانون إنشاء يعطيها الشرعية القانونية لممارسة أعمالها، كما أن المكان تبع للكيان القانوني إذ أنه لا تسمية المؤسسة تنشأ على الورق فقط دون مكان ومقر معلوم منه تنطلق، ومن خلاله تظهر أعمالها وإليه يتصل المتعاملون معها.
7 - الثبات والاستقرار النسبي وهذه القاعدة نتيجة طبيعية لما سبق ذكره فوجود العنصر البشري قيادة وأفرادًا ووجود خطة العمل ونظامه وكيانه الرسمي أسباب لثبات تلك المؤسسة واستقرارها مدة من الزمن، وتؤكد مصداقيتها وتثبت وجودها وتحقق أهدافها التي أنشئت من أجلها، فالمؤسسة ليست فكرة أو حلمًا أو نشاطًا مؤقتا، بل هي كيان قائم وشخصية اعتبارية لها واقع ومستقبل.
متطلبات العمل المؤسسي
يمكننا القول بأن وجود الأسس والقواعد السابقة يعني وجود المؤسسة وظهورها على الوجود، ولكن هل يكفي ذلك لأن نقول إن المؤسسة حققت أهدافها بفاعلية وجدارة أو أن هذه الوحدة التنظيمية التي وضعت لها تلك الأسس أصبحت مؤسسة تحقق الطموح المرجو من وجودها؟ لعل الواقع ينبئنا بوضوح أنه كم من المؤسسات كفلت لها تلك الأسس، ولكنها في أرض الواقع هيكلًا لا روح فيه ولا أثر له. إن اكتمال البناء المؤسسي لأي وحدة عمل يتطلب متطلبات هي له كالروح للجسد، وكالوقود للآلة، وهذه المتطلبات تتناول جوانب عديدة هي:
أولًا: متطلبات شخصية في العاملين في المؤسسة، وتنقسم إلى:
۱ - صفات إيمانية وسلوكية.
٢ - صفات دعوية.
3- متطلبات وآداب حركية تنظيمية.
4- صفات في الجانب الإداري.
5 - متطلبات فنية وتخصصية.
ثانيًا: متطلبات في إدارة المؤسسة.
ثالثًا: متطلبات في طبيعة أعمال المؤسسة وأسلوب ممارستها.
رابعًا: متطلبات في العلاقات الخارجية للمؤسسة.
أولًا: المتطلبات الشخصية
وهي صفات وسمات متعددة يتطلب العمل المؤسسي أن تكون راسخة في شخصية الفرد العامل في المؤسسة، صحيح أن الكمال البشري مطلوب، وأن سعي المسلم لتربية نفسه تربية متكاملة أمر لازم يقتضيه الشرع إلا أن المقصود هنا أن طبيعة العمل المؤسسي تستلزم وجود بعض الصفات بشكل أوضح مع وجود غيرها من الصفات الحميدة الأخرى، فالأمانة مثلًا خلق إسلامي عام قال تعالى: ﴿إِنّا عَرَضنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها وَحَمَلَهَا الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلومًا جَهولًا﴾ (الاحزاب:72)
قال القرطبي والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال (٥) إلا أن معناها يتخصص أكثر ويتحدد عندما تذكر الأمانة كشرط من شروط الولاية ﴿يا أَبَتِ استَأجِرهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ استَأجَرتَ القَوِيُّ الأَمينُ﴾ (القصص: 26) فالأمانة على الولاية هي القدرة على أداء واجباتها، كما أن معناها الوفاء بالعهد عندما تذكر في معرض العهود والمواثيق قال تعالى: ﴿وَالَّذينَ هُم لِأَماناتِهِم وَعَهدِهِم راعونَ﴾ (المؤمنون: 8)
- الصفات الإيمانية
أ- الإخلاص والصدق في النية والعطاء
والإخلاص أن يقصد المرء بعمله وجه ربه ولا يقصد به أحدًا سواه ويتجرد له ولا يلتفت إلى ما سواه (1) استجابة لأمر ربه ﴿وَما أُمِروا إِلّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصينَ لَهُ الدّينَ حُنَفاءَ﴾ (البينة: 8)، وخوفًا من أن يذهب عمله هباء منثورا، قال رسول الله فيما يرويه عن ربه: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من أشرك معي أحد تركته وشركه ورجاء لحسن لقاء الله قال تعالى: ﴿قُل إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثلُكُم يوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُم إِلهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 110)، ومن كانت هذه صفته كان دابه أن يصفي عمله دوما من شوائب إرادة غير وجه الله سبحانه وتعالى وأن يحرص كل الحرص أن يؤدي عمله على خير وجه في سره وعلنه وشعاره اتق الله حيثما كنت.
والإخلاص في النية يولد الصدق في العطاء والبذل، فطبيعة العمل المؤسسي قد تستلزم جهودًا متواصلة ومضنية لا ينال الفرد فيها شيئًا من حظوظ الدنيا، فإن لم يكن متحصنًا بالإخلاص والصدق فقد لا تستمر عزيمته ولا يتواصل عطاؤه.
ب - استشعار الأجر والمثوبة من الله تعالى ومصاحبة نية التعبد لله جل وعلا
ويقتضي ذلك أن يفهم الفرد العبادة بمعناها الشامل، وهي كما قال الإمام ابن تيمية: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» فقد يكون ذلك الفهم حاضرًا في قلب الفرد لدى أدائه للعبادات والفرائض كالصلاة والصيام، ولكنه قد يغفل عنه لدى ممارسة الأعمال الإدارية، أو البدنية، أو الإعلامية، أو الاجتماعية والتي هي غالبًا أعمال المؤسسة.
لذا كان لزامًا أن يتحقق ذلك الفهم الشامل للعبادة وأن تستصحب نية التقرب لله تعالى دومًا قال تعالى في بيان ذلك: ﴿ما كانَ لِأَهلِ المَدينَةِ وَمَن حَولَهُم مِنَ الأَعرابِ أَن يَتَخَلَّفوا عَن رَسولِ اللَّهِ وَلا يَرغَبوا بِأَنفُسِهِم عَن نَفسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُم لا يُصيبُهُم ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخمَصَةٌ في سَبيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئونَ مَوطِئًا يَغيظُ الكُفّارَ وَلا يَنالونَ مِن عَدُوٍّ نَيلًا إِلّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجرَ المُحسِنينَ وَلا يُنفِقونَ نَفَقَةً صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً وَلا يَقطَعونَ وادِيًا إِلّا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ اللَّهُ أَحسَنَ ما كانوا يَعمَلونَ﴾(التوبة: ١٢٠-١٢١) فقد تعددت أوجه الخير في الآية من تحمل الجوع والعطش إلى إغاظة أعداء الله والنيل منهم إلى النفقة المالية والسير في سبيل الله فكل أولئك جعلهم الله تعالى من المحسنين الذين لا يضيع أجرهم، وقال ﷺ: «يا معشر الأنصار احتسبوا أثاركم إلى المساجد»، ومما يؤثر عن عمر بن عبد العزيز أن وصفه هشام بن عبد الملك فقال: «ما خطا عمر خطوة قط إلا وله فيها نية»(۷) والأصل في ذلك أن الأجر على قدر النية، فلكي لا يحرم الداعية الخير الكثير من ممارسته لواجباته لدى المؤسسة ينبغي أن يكون شعاره الدائم هو الاحتساب، وأنه وقف لله تعالى كنسخة كتاب نافع حين توقف الله تعالى وتوضع في مسجد من مساجد الله، فكل داعية موقوف لله في جزء من أجزاء دعوة الله (۸) وهذا يقتضي من الداعية:
1 - أن يكون عظيم الصلة بالله تعالى ذكرًا وتلاوة وعبادة ظاهرًا وخوفًا ورجاء، وتوكلًا باطنًا.
2 - أن يستقر الفهم لديه أن العبادة هي طاعة الله عز وجل مهما تعددت صورها وميادينها وأنواعها، إذا ما توفرت فيها الشرعية والإخلاص.
3- أن يداوم على تلك الصلة وذلك الفهم ويصاحبهما دومًا.
ج - البذل والتضحية
«فالطالب الصادق في طلبه كلما خرب شيئًا من ذاته جعله عمارة لقلبه وروحه وكلما نقص شيئا من دنياه جعله زيادة في آخرته، وكلما منع شيئًا من لذات دنياه جعله زيادة في لذات آخرته، وكلما ناله هم أو حزن أو غم جعله في أفراح اخرته» (۹) بهذه الروح وبهذا الإيمان، وبهذا الفهم يهون أمر البذل والتضحية بالوقت والجهد والتفكير والبدن والمال وهي من صفات أصحاب الدعوات، ذلك أن السلعة المطلوبة - وهي الجنة - غالية يرخص في سبيلها كل شيء، وعندما تعجب غافل من باذل فقال له: إلى كم تتعب نفسك؟ فأجابه الباذل المجاهد سريعا «راحتها أريد» (۱۰).
ويحق لنا أن نصف الداعية العامل في سبيل الله بوصف الشاعر:
قلب يطل على أفكاره ويد تمضي الأمور ونفس لهوها التعب
فلا حياة لمؤسسة إذا لم يدرك أعضاؤها حقيقة دورهم وأن طريقهم في ذلك هو البذل والتضحية، خصوصا وأن العمل المؤسسي يتطلب جهودًا إدارية وبدنية وذهنية وأوقاتًا كثيرة من العاملين قد تقصر عنه طاقاتهم إن لم توقد بروح البذل ومشعل التضحية.
د. شيوع روح التعاون والتكافل
فالعمل المؤسسي عمل جماعي في حقيقته والأخوة الإسلامية ركيزة أساسية من ركائز العمل الإسلامي، ومن نتائج تحقيق الأخوة شيوع روح التعاون القائم على المودة والصفاء القلبي والتراحم بين المؤمنين، فهي هبة ربانية ﴿وَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِهِم لَو أَنفَقتَ ما فِي الأَرضِ جَميعًا ما أَلَّفتَ بَينَ قُلوبِهِم وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم﴾،(الانفال:63) وهي ضرورة لازمة للمؤسسة تقيها الأمراض الاجتماعية قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله» وهي أبواب للخير والأجر مفتوحة للعاملين في المؤسسة أدناها سلامة القلب وأعلاها الإيثار، وإن أبسط صور التعاون التي يصورها الحديث: «إن إفراغك من دلوك لدلو أخيك صدقة» فهي باب للأجر والثواب، وإنه مما يؤكد لزوم هذا المعنى للعمل المؤسسي.
1- أن أهداف العمل المؤسسي عادة ما ترسم بشكل جماعي وهذا يقتضي التعاون بين أفراد المؤسسة في رسم تلك الأهداف مما يعزز الحماس لتنفيذها.
٢ - واجبات العمل المؤسسي غالبًا تتطلب جهودًا جماعية يحدد فيها لكل فرد دوره، لذا فإن تناسق تلك الأدوار وتكاملها مع بعضها البعض أمر لازم لانسيابية ذلك العمل وتحقق تلك الواجبات بشكل كامل دون تعارض وتصادم.
3 - قد يعتري بعض العاملين في المؤسسة ما يحول دون إنجازهم لواجباتهم المقررة، وهنا تأتي روح التعاون بأن يحمل الداعية أعباء أخيه ويعينه على أمره مما يحقق فاعلية أكبر وإنجازًا أسرع وأعمالًا أدوم للمؤسسة.
هـ - الأمانة
للأمانة خطر عظيم وشأن كبير قال تعالى: ﴿إِنّا عَرَضنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالجِبالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأَشفَقنَ مِنها وَحَمَلَهَا الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلومًا جَهولًا﴾ (الاحزاب:72) لذا فقد جعلها الله تبارك وتعالى من فرائض الدين وأمر بها سبحانه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُم أَن تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلى أَهلِها وَإِذا حَكَمتُم بَينَ النّاسِ أَن تَحكُموا بِالعَدلِ﴾ (النساء: ٥٨) قال القرطبي رحمه الله هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع وهي من سمات المؤمنين الموعودين بالفردوس الأعلى ﴿وَالَّذينَ هُم لِأَماناتِهِم وَعَهدِهِم راعونَ﴾ (المؤمنون:8) ومن عظم شأنها أنها إذا ضيعت فانتظر الساعة.
والعمل المؤسسي يتطلب الأمانة لدى أفراده كالأمانة في حفظ المال، والأمانة في صدق الكلمة والأمانة في حفظ الوديعة، والأمانة في حفظ أسرار المجالس، والأمانة في وضع الأمور في نصابها.
وللبحث بقية…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل