العنوان المجتمع التربوي (العدد 1375)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
مشاهدات 68
نشر في العدد 1375
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 09-نوفمبر-1999
وقفة تربوية
السبب الثالث
تناولنا في الوقفتين السابقتين ظاهرة انعدام أو قلة وجود مصادر تسجل سيرة وحياة علماء عصرنا الحديث أو العصر القريب منا، واعتمادنا -حتى هذه اللحظة- في كثير من مواعظنا أو غالبيتها على مواقف مضى عيها أكثر من خمسة قرون.
وأرجعنا سبب تلك الظاهرة إلى ثلاثة أسباب: أولها: احتمال خلو عصرنا أو القريب منا من القدوات، وهذا أمر مستحيل، وثانيها: ضعف همم علمائنا المعاصرين، وهذا أمر ممكن وموجود للأسف، وثالثها: عدم إحساس علمائنا ومؤرخينا بأهمية تدوين هذا الأمر، وهذا ما نناقشه اليوم.
إن هذا السبب مكمل للسبب الثاني؛ إذ لو كان هناك إحساس بأهمية تدوين هذه السير، وأثرها العظيم على الأجيال المقبلة والحاضرة لكان هناك شبه استنفار لدى الكثير من العلماء للانشغال بهذا الأمر.
نعم.. هناك محاولات من هنا وهناك ولكنها لا تشفي الغليل.
إن حركة التأليف لم تتوقف، بل ربما زادت عما كانت عليه في الماضي أضعافًا مضاعفة، لكنها شملت الكثير من العلوم، وأهمت هذا الجانب، بكل أسف.
لذا فإننا نستصرخ الدعاة والعلماء والباحثين والمؤرخين في هذا العصر أن يهتموا بهذا الجانب بحيث يقوم أكثر من داعية بتقديم ترجمة تفصيلية لدعاة هذا العصر من جميع علماء ودعاة الحركة الإسلامية بفصائلها وأشكالها المتنوعة، بموضوعية وتجرد كامل، مع التركيز على أبرز الخصال والمواقف والكلمات لهؤلاء العلماء المؤثرين، والقدوات الصالحين.
ولا بأس هنا بأن يقوم أحد التربويين بترجمة مفصلة لأبرز المدرسين وأن يقوم قائد عسكري بتدوين ترجمة مفصلة لأبطال ذلك العصر والعصر القريب منا، سواء المعروف منه أو المغمور.
ثم يقوم ثالث بترجمة للزهاد والقادة والحكماء، والجمعيات الخيرية.
وهكذا يتم تجميع هذه التراجم والمدونات في موسوعات تنفع الأجيال الحاضرة والمقبلة.
أبو خلاد
صفات اليهود كما جاءت في سورة «البقرة»
• عداء اليهود للإسلام أزلي.. ومن صوره: تشجيع النفاق وتمني كل مصيبة للمسلمين!
• من نقض عهده مع الله في كل مرة.. كيف نأمن التزامه بعهوده مع الناس؟
المرء إذا أراد أن يتعرف شيئًا فإن أدق ما يمكن أن يعرفه من صفاته أن يختبره بنفسه أو أن يخبره أحد به قبله، وأفضل من يخبره به هو من صنعه وابتكره؛ لأنه عالم بأسراره وخباياه ومداخله ومخارجه. وإذ نريد أن نتعرف ملامح الشخصية اليهودية، ونعرفها معرفة صحيحة، كي نتعامل معها التعامل الواجب، فإننا نتلقى صفاتهم، وخبايا نفوسهم، مما أخبرنا به الله عز وجل عنهم، لنحذرهم، ونتقي شرهم.
ومن هنا جاءت سورة البقرة خاصة لترسم هذه الملامح، وتبين معالمها واضحة جلية، وفيما يلي أبرز تلك الملامح:
1- الإعراض عن الحق بعد علمهم بصحته وصدقه:
كفر اليهود برسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد إذ جاءهم، مع أنهم كانوا في الجاهلية يخبرون الكفار الوثنيين أنه قد جاء زمن النبي الخاتم، وأنهم سيتبعونه ويملكون به العرب والعجم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 89)، كما يقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 89).
وناداهم الله في هذه السورة يطلب منهم اتباع الدين والرسول الذي بشرت به كتبهم ورسلهم من قبل، وتعجب القرآن من أن يكون أهل الكتاب أول كافر به، قال الله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ (البقرة: 41).
وقد أخبر الله عن شدة كفرهم وعنادهم حتى مع أنبيائهم السابقين، فقال الله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: 87).
وقد احتجوا في كفرهم بالإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن من بني إسرائيل، بل كان من بني إسماعيل من العرب، قال الله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (البقرة: 90).
وزعموا أنهم ليسوا كفارًا ولا مستحقين لغضب الله وعقابه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: 80)، وهم يقولون ذلك لأنهم -فيما يزعمون- يتبعون شريعة موسى صلى الله عليه وسلم والأنبياء من بعده، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَوَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: 91- 93).
فأين هذا الإيمان بالرسالات السابقة؟.. أين وقد اتخذتم العجل وقتلتم أنبياء الله ونقضتم عهدكم ونكثتم أيمانكم مع الله؟
2 -العداء للإسلام والتشكيك في تعاليمه والصد عن سبيل الله:
لم يكتف اليهود بأن يكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فحسب، بل أظهروا له ولدعوته شديد العداء وأضمروا له عظيم الشر في نفوسهم، وأخذوا يصدون الناس عن سبيله، ويشوهون صورة الإسلام والمسلمين لدى الناس، ويسخرون من تعاليمه، ويشككون في أمور الدين، ويظهر ذلك واضحًا في سورة البقرة، فتارة نجدهم يشجعون النفاق، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(البقرة: 76) فإذ نجدهم ينافقون، نجد آخرين منهم يعاتبونهم مستهزئين، فيحذرونهم من أن يتخذ المسلمون ذلك حجة لهم عند الله تعالى يوم القيامة.
وتارة أخرى نجد قلوبهم تحترق ويأكلها الحسد، ومن ثم لا يألون جهدًا في ردنا عن ديننا إن استطاعوا، يقول ربنا عز وجل: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾(البقرة: 109).
بل إنهم لا يحبون للمسلمين أي خير يصيبهم، ويتمنون لهم كارثة وكل مصيبة كما يقول رب العالمين العليم بذات صدورهم: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (البقرة: 105).
وتارة ثالثة نجدهم -لما حولت القبلة إلى المسجد الحرام- يكثرون من الكلام واللغط والتشكيك لتستجيب لهم قلوب بعض ضعاف الإيمان، فيقول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾(البقرة: 142) فما المانع من تحويل القبلة والأرض كلها بيد الله؟!
ثم زعموا أنه ما دامت القبلة قد حولت فإن القبلة الأولى كانت خاطئة، وبالتالي يضيع أجر الصلوات السابقة، لكن الله تعالى رد قولهم فقال: ﴿وما كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (البقرة: ١٤٣) أي: صلاتكم، ولكن اليهود قوم لا يبحثون عن الحق فتجدي فيهم الأدلة والبراهين، ولكنهم قوم يعاندون، قال الله عز وجل معقبًا على حادثة تحويل القبلة: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾(البقرة: 145).
وإننا نجدهم اليوم يشككون أيضًا في تعاليم الإسلام وينشرون الأفكار المضلة، ويبثون الجراثيم الفكرية القاتلة حتى نضل عن المعين الصافي.. كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومنهج سلف الأمة الصالح، فهل نستجيب لهم، ونفتح لهم صدورنا، لتلقي القنابل الموقوتة؟!
3- الكذب على الله والقول عليه بغير علم:
افترى اليهود -قاتلهم الله- على ربهم عز وجل، وعلى أنبيائهم المصطفين الأخيار افتراءات كثيرة، وورد في سورة البقرة شيء كثير من هذا؛ إذ يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: 80) ويقول: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(البقرة: 111).
ولعل أعظم كذبة على الله تحريف الكتب السماوية التي أنزلها هدى للناس، فهم يحرفونها ويقولون: هذا من عند الله يقول الله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 75).
وإنهم ليبيعون كلام الله بكل هذه السهولة لا لشيء إلا لعرض الدنيا الزائل، أو ما يسميه القرآن ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، ولو كان مال الدنيا ومثله معه فهو ثمن قليل لا يستحق التضحية بكتاب رب العالمين تبارك وتعالى، يقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾(البقرة: 79) فما ربحوا فيما باعوا، وما ربحوا فيما اشتروا، فلهم الويل بما باعوا من كتاب الله وحرفوه وأضلوا الناس، ولهم الويل والمحق في هذه الأموال التي اكتسبوها من تلك الطريق.
4- سوء أدبهم مع الله ومع أنبيائه :
اليهود قوم لم يتورعوا -على مدى التاريخ- عن إتيان المنكرات والفواحش، ولعل من أعظم ذنوبهم سوء أدبهم مع الله ومع أنبيائه، ونجد في سورة البقرة الكثير من هذا:
قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: 55، 56)، فما بعد هذا من سوء أدب مع رب العالمين؟ ولكن الله تعالى كريم حليم، فيبعثهم بعد موتهم لعلهم يرتدعون، ولكن القلوب هي القلوب، ومن شاء الله أن يقسو قلبه أبدًا فلن تستطيع أي قوة في الأرض تلين هذا القلب أبدًا.
ومن سوء أدبهم قولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ (البقرة: 88)، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾(البقرة: 93)، وقولهم لموسى عليه السلام: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ (البقرة: ٦٧)، وقولهم لنبيهم: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾(البقرة: 247)
وقولهم في غير سورة البقرة: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾(المائدة: 24).
وإننا إذ نسرد هذه الآيات لا نرى أنها تحتاج إلى تعليق أو تعقيب، ولننظر إلى قولهم المتكرر لنبي الله موسى عليه السلام: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ (البقرة: 68)، فهم لا يقولون بربوبية الله تعالى على أنفسهم حتى في كلامهم، فلا يقولون: «ادع لنا ربنا»، أو «وادع لنا الله»، ولكن بكل وقاحة يقولون: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾. ومن سوء أدبهم أيضًا قتل أنبياء الله الذين أرسلهم الله لهدايتهم وإرشادهم، ولكن قلوبهم العمياء قد أعمت أبصارهم فقتلوا رسل الله إعلانًا منهم التحدي لله ورسالاته.. عليهم من الله ما يستحقون.
5- الكفر بنعم الله تعالى وجحدها:
عدد الله في سورة البقرة كثيرًا من النعم التي أسبغها على بني إسرائيل، ونرى الآيات التي جاءت في ذلك توجه الخطاب مباشرة لهم. ونلاحظ في هذا الخطاب منتهى الحنان الذي يخاطب به الله أشد عباده كفرًا وعنادًا. وقد كان من أعظم نعم الله عليهم أنه فضلهم على العالمين، فقال الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 47). ثم تتوالى الآيات بعدها تباعًا تذكر النعم العظيمة، وتذكر كفر بني إسرائيل بها؛ يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾(البقرة: 49، 50)، فهو يذكرهم بأيام فرعون في مصر إذ كانوا في أسوأ حال، فأنقذهم الله بموسى صلى الله عليه وسلم وأخيه هارون، فأخرجهم من مصر، وعذب آل فرعون وأهلكهم.
ثم يذكرهم بذنوبهم، وكيف أنه -تبارك وتعالى- عفا عنهم وحلم وصفح وغفر؛ إذ اتخذوا العجل، وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. ويذكرهم بنعمة الطعام الذي أرسله إليهم من غير حول منهم ولا قوة، فيقول: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: 57)، وبعد أن أنعم الله عليهم بذلك نجدهم يطلبون تغيير الطعام، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (البقرة: ٦١)، أفمن أتاه الله المن والسلوى يطلب بقلًا وفومًا وعدسًا وبصلًا؟ ولكن الله تعالى أجابهم إلى طلبهم -برغم عنادهم- فقال: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ (البقرة: 61).
ولما طلبوا الماء بعث الله إليهم ماء ليشربوا، فقال الله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾(البقرة: 60). وتتوالى الآيات والنعم، ولكنهم بكل آية يكفرون وبكل نعمة يجحدون.
٦- نقض العهود والمواثيق :
يكفينا في تبيان هذه الصفة قول الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾(البقرة: 100)، وقد ورد في سورة البقرة ذكر كثير من العهود التي أخذها الله عليهم، فنقضوها، ونكثوها، ونبذوها وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ومن نقض عهده مع الله، فكيف تأمن عهده مع عباد الله؟!
7- العناد والجدال :
عاند اليهود أنبياءهم كثيرًا وجادلوهم في الحق من بعد ما تبين، ويكفينا هنا ذكر ثلاث قصص وردت في سورة البقرة تتضح فيها تلك الصفة من صفاتهم:
القصة الأولى: قصة الذين اعتدوا في السبت، ولقد أشارت إليها سورة البقرة، وفي سورة الأعراف تفصيل لها، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَفَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾(البقرة: 65، 66).
وأما القصة الثانية: فهي قصة بقرة بني إسرائيل، وتفردت بذكرها سورة البقرة إذ بها سميت، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: 67) فأخذوا يسألون عن صفاتها ولونها، وفي كل مرة يجيبهم الله على لسان موسى صلى الله عليه وسلم، ويبين لهم صفاتها كما سألوا، فيزيد عليهم الأمر تعقيدًا، فيبحثون عن بقرة لها تلك الصفات ليجدوها عند رجل، فأبى أن يبيعها لهم إلا بثمن عال، فأذعنواواشتروها وذبحوها، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة من أول الأمر لما وجدوا هذا العنت والتعب، لكنهمقوم لا يفقهون.
أما القصة الثالثة: فهي قصة طالوت وقتال جالوت، فلقد أمرهم نبيهم بالقتال فتولى أكثرهم ورضي منهم القليل، وهذا هو الانقسام الأول: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾(البقرة: 247) فانقسم القليل مرة أخرى، فلم يرض أكثرهم بقيادة طالوت ورضي منهم القليل، ثم إن طالوت خرج بهؤلاء فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ (البقرة: 249).
وهكذا انقسموا مرة ثالثة، فمضى طالوت بهؤلاء للقاء العدو في الأرض المقدسة، وكان قائد العدو جالوت، ولكن بني إسرائيل انقسموا للمرة الرابعة فقال أكثرهم: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249)، ثم مضى طالوت بصفوة الصفوة من بني إسرائيل فقاتلوا جيش جالوت، فنصرهم الله عليهم بما صبروا .
8- كتم الحق :
قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(البقرة: 146)، فهم يعرفون الحق معرفة تامة كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم يكتمون هذا الحق عن الناس اتباعًا للهوى، فهم يأخذون من الكتاب ما يعجبهم ويسير مع هواهم، ويتركون ما لا يساير هواهم، ويكتمونه عن الناس ليضلوهم ويصدوهم عن سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ (البقرة: 85) ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾(البقرة: 159)، وإنهم ليكتمون الحق ويستحقون غضب الله وعقابه وسخطه ليشتروا به ثمنًا قليلًا، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(البقرة: 174).
9- اعتقادهم أنهم على حق وأنهم خير عباد الله:
يعتقد اليهود أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَوَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: 94، 95)، ويقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾(البقرة: 111) وزعموا أن في اتباع دينهم الهداية والرشاد، قالالله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَالْمُشْرِكِين﴾ (البقرة: 135).
١٠ -الحرص على الدنيا ومتاعها الزائل:
اليهود أشد حرصًا على الدنيا والمال والجاه فنجدهم يبيعون أغلى الأشياء وأنفسها في سبيل المصلحة الذاتية الفردية المحضة، فهم يضحون بدينهم، ومصدر عزتهم، وفلاحهم، ونجاتهم في الدنيا والآخرة، فيقتلون الأنبياء، ويحرفون الكتب، ويكتمون الحق.. كل ذلك لإرضاء شهواتهم وهواهم، وليشتروا به ثمنًا قليلًا، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ ﴾ (البقرة: 79)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾(البقرة: ١٧٤) وقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 96) فهم يودون أن تطول بهم الحياة خوفًا من مصيرهم المعروف بعد موتهم؛ ولكنهم -وإن عاشوا ألف سنة أو أكثر- لن يزحزحهم ذلك عن العذاب شيئًا، بل سيزدادون إثمًا، وسيزداد عذابهم.
إن حرص اليهود على المال معروف للناس جميعًا، فهم مضرب المثل في البخل، والطمع، والجشع، وهم يسعون في كل عصر لامتلاك التجارة، ليسيطروا على العالم اقتصاديًّا: بالربا، والاحتكار، والمكر والخديعة، ففعلوا ذلك قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سيطروا على التجارة في يثرب، وهم يملكون مقاليد الاقتصاد العالمي اليوم، ونكاد لا نجد فسادًا اقتصاديًّا إلا بسببهم .
مصطفى المعداوي
إلى من كان داعية :عد إلى سربك
لا أجد نفسي محتاجًا إلى كثير كلام وطويل وصف في التعبير لك عن حبي الأخوي لك في الله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتحابين فيه في الدنيا والمستظلين في ظل عرشه يوم القيامة.
أخي.. ورفيق دربي: إن حبي لك هو الذي يدفعني مرارًا -وما زلت- بدعاء الله عز وجل لك بالخير والتوفيق، وأن يعيدك إلى سربك يسمو بك، وتسمو به.
إن حبي لك.. هو الذي يدفعني إلى الإلحاحعليك مرارًا وتكرارًا أن تكون مع إخوانك مستعصيًا على الآفات والجراحات، مسترخصًا للأنات والآهات.
إن حبي لك هو الذي يجعلني أتمنى لك ما أتمناه لنفسي.. أن نعيش سويًّا لهدف عظيم وغاية سامية، وهي العمل لإعلاء كلمة اللهأن نكون من العاملين لتشييد بناء الإسلام في واقع الحياة بعد أن عاد غريبًا.. لا أستطيع أن أتصور الدعوة قد فارقت خواطرك -أخي- أو أن جسدك يألف السكون والراحة من أعباء الدعوة.
أخي: إن متطلبات العمل للإسلام تنادي فيك روحك الوثابة، وهمتك، ونحن في انتظارك قريبًا فارسًا رائدًا مربيًا موجهًا محفزًا، نستبشر بمقدمك، وتكتحل عيوننا بمحياك .
عيسى ناصر الظفيري
أين أنت أيها المسافر من زاد الآخرة؟
ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أبا ذر فقال له: «لو أردت سفرًا أعددت له عدة؟»، قال: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكيف بسفر يوم القيامة؟ ألا أنبئك بما ينفعك ذلك اليوم؟»، قال: بلى، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: «صم يومًا شديد الحر ليوم النشور، وصل ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور، وحج حجة لعظائم الأمور، وتصدق بصدقة على مسكين، أو كلمة حق تقولها، أو كلمة شر تسكت عنها».
هذا الحديث الرائع يذكرنا بالزاد الإيماني الأصيل الذي يجب أن يتسلح به المؤمن في أثناء خوضه متاهات الحياة المليئة بالملمات الجسام.
هذا الزاد المفقود الذي أصبح غائبًا عن الأنظار، بل وأضحى أمرًا هامشيًّا في حياة الناس الذين لا هم لهم إلا الجري وراء لقمة العيش، والتزود بزاد الدنيا الفانية، وانصرفوا لشر مستطير صنعه أحفاد القردة والخنازير، فأضحت عيوننا تبكي دمًا على نقاوة الأخلاق السامية التي نبتغيها في زمن صعب للغاية تخمد فيه القرائح، وتجمد فيه العقول من وحي مناظر مريبة تقشعر منها الأبدان، ومن وحي تصرفات شائنة غير ملتزمة بدين الإسلام.
وإزاء هذه الظواهر المتفاوتة يبدو لنا -ومنذ الوهلة الأولى- أننا بالفعل في مسيس الحاجة إلى التزود بالزاد الروحاني المفقود الذي غاب عن صفحات الوجود نتيجة للهنات المخجلة التي يرتكبها البشر فتكون لهم مزلقة للشرور والآثام المؤدية إلى قبح التصرفات والالتفات لما يقصم ظهر المسافر.
ومع سير المسافر في طريق الآخرة لا بد له من التوقف لحظات للاندفاع في أحضان المدرسة الإيمانية، ثم الحركة الهادفة المقرونة بالإخلاص والصدق مع الله تعالى، وتحقيق الأهداف المرجوة لحب الخير للآخرين، لا لتحقيق اللذة والمتعة والترفيه عن النفس كما يفعل البعض.
فالداعية إلى الله تعالى -الصائب في توجهاته- يجب ألا يشتكي بأي حال من الأحوال من وجود فراغ في وقته، ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يرقد عند أسوار القسطنطينية بتركيا، وهذا عقبة بن عامر يرقد بمصر، وهذا بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقد في دمشق، وكلها نماذج جالت الأمصار في سبيل استغلال أوقاتها في الخيرات، أما نحن فقد جلنا الأماكن في سبيل الترفيه عن نفوسنا الضعيفة، وأضعنا الأوقات فيما لا يرضي الله تعالى.
كما يجب ألا يفوت عن الأنظار تلك المخالطة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»، وكما قيل: «إن أقل العيب على المرء أن يجلس في داره».
وقال الشهيد سيد قطب -رحمه الله تعالى-: «إننا لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا حينما نعتزل الناس.. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مئونة، ولكن العظمة الحقيقية أن نخالط هؤلاء الناس مشيعين بروح السماحة والعطف».
فأين أولئك الذين تمسكوا بحبل الاعتذار عن مزاولة العمل في وسط هذه الدعوة في وقت تحتاج فيه إلى همم وعزائم تدفع دعوتنا إلى مراتب التقدم والنمو؟
أما رابع هذه الأساليب -كما ذكرها الشيخ جاسم محمد المطوع في كتابه: «الوقت.. عمار أم دمار؟»- فهي حب المساعدة وقضاء الحاجات، فهي بلا ريب تعطي الإنسان الحيوية في وقته إن هو عرف كيف يستغله وينظمه، فهذا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
وهناك ما يعين على استثمار أوقات الفراغ القاتلة من الفتن والملهيات عبر أسلوب ملازمة الصالحين من الإخوان في الله تعالى الذين يعينون على الطاعة، ويذكرون بالخطأ.
فالمسلم قوي بإخوانه متى ما امتثل لأوامر الله تعالى، وابتعد عن أهواء نفسه ونظراته الشخصية، وصقل نفسه بتوجيهات إخوانه واستمع للرأي العام الصالح وإن خالف هواه.
ولا بد من الالتفات لمبدأ ابتغاء الأجر والمثوبة في كل حركات المسلم وسكناته، فإن الإحساس بمثل هذا الشعور يعطي النفس الدافع الأكبر التحقيق الأهداف المرجوة في الحياة، فهذا معاذ بن جبل يقول لأبي موسى -رضي الله عنهما-: «إني لأحتسب نومتي كما احتسب قومتي». وهذا هارون الرشيد يخاطب مؤدب ابنه: «ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه».
وهناك الكثير من الأساليب التي يجب أن تتبع في حياة البشر مثل المشاركة في البرامج النافعة الملتزمة بروح الشرع الحنيف، لا المشاركة كما يفعل البعض في بعض البرامج التافهة التي تربي الجيل على الانحطاط الفكري والضعف الخلقي.
ثم القراءة وتغذية العقول التي أسرفنا في التقصير معها فأضحت عقولنا خاوية فارغة لا تكتسب صفة تكوين النظرة الحضارية في مجتمع التمدن والحضارة والتقدم.
فهذا شيخنا علي الطنطاوي -طيب الله ثراه- يقول: «لو أحصيت معدل الساعات التي كنت أطالع فيها لزادت على عشر في اليوم» فأين نحن من ذلك؟
ومع كثرة الأساليب، يجب ألا ينسى الداعية إلى الله تنظيم الأوقات وتنسيقها، وتحويل تلك الأساليب إلى برنامج متكامل حتى ينعم بفوائده، وحتى تذهب إلى غير رجعة عبارة «عندي فراغ»، أو«ليس لدي شيء»،فنسأل الله تعالى أن يبارك لنا في أوقاتنا، ويجعلنا من الذين يستفيدون من أوقاتهم.
فاليوم الذي يمضي لا يعود أبدًا، كما قال الإمام الحسن البصري -رحمه الله تعالى-: «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي مناد: يابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة».
بدر علي قمبر- المحرق- البحرين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل