; المجتمع التربوي- العدد 1383 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي- العدد 1383

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000

مشاهدات 53

نشر في العدد 1383

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 04-يناير-2000

وقفة تربوية

الرضا بقدر الله

حدث القاضي أبو مروان الداراني قال: «نزلت قافلة بقرية خربة من أعمال «دانية» فأووا إلى دار خربة هناك، فاستكنوا فيها من الرياح والأمطار واستوقدوا نارهم، وسووا معيشتهم، وكان في تلك الخربة حائط مائل، قد أشرف على الوقوع، فقال رجل منهم يا هؤلاء لا تقعدوا تحت هذا الحائط، ولا يدخلن أحد في هذه البقعة، فأبوا إلا دخولها فاعتزلهم ذلك الرجل، وبات خارجًا عنهم، ولم يقرب ذلك المكان، فأصبحوا في عافية، وحملوا على دوابهم، فبينما هم كذلك إذ دخل ذلك الرجل إلى الدار ليقضي حاجته، فخر عليه الحائط فمات لوقته «المستطرف ٢/٧٤». 

لا تعني هذه الحادثة عدم بذل الأسباب واقتحام الأهوال بحجة التوكل على الله، فقد أمرنا الشرع باتخاذ أسباب النجاة في الدنيا والآخرة ونهانا عن التواكل، فالله لا يغير حتى يبدأ الإنسان بالتغيير من نفسه، وإنما تعني الحادثة استقرار الاعتقاد بأن قدر الله تعالى إذا جاء فلا يرده تدبير ولا تخطيط ولا حذر، وأنه يجب أن نهيئ أنفسنا بالرضا عند نزول الصعب بنا.

إن الاعتقاد الراسخ يجب أن يكون في أن الخير كل الخير فيما يقدره الله تعالى، خاصة إذا بذلنا كل ما بوسعنا من الأسباب قال تعالى:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: آية: 216)

أبو خلاد 

بين العيد. ووداع رمضان

الحمد لله مقلب الحياة بين أتراح وأفراح، خالق الناس وقابض الأرواح، والصلاة والسلام على مَنْ مَنَّ الله ببعثه ليخرجنا من الظلمات إلى النور، فاتبعه وآمن به من أراد الله به الخير، وأضل أقوامًا علم فيهم الشر، صلوات الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله، ومن اتبعك واهتدى بهديك إلى يوم الدين.

 ناديت يا أيام توقفي، فلم تجبني. ناديت بأعلى صوتي يا أيام لا تتجاوزيني، فلم تأبه بي. واستمرت عجلة قطار الزمن تقطع الفيافي والآفاق، فازدادت حسرتي، واغرورقت عيناي، أمسكت الدمع أمام الناس مخافة الشماتة، ولكن الآلام كادت تعصرني وكاد صدري ينفجر، ولكن سرى عني علمي أن الأيام دول، فأخذت الملم شعثي لأعاود المسير، نعم. إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، والأيام تتجاوز من تجاوزها، والزمن يسبق من تراخى أو كسل.

 قبل أيام كنا ننتظر ضيفًا عزيزًا بفارغ الصبر، وجاءنا، وكأننا على غير ميعاد، وتنكر الكثير منا له، وطرق الباب عزيزًا كريمًا، اختلطت على محياه ملامح العزة بالحزن والكآبة والانكسار سألته يا رمضان، يا شهر الخير ما لي أراك على غير عادتك؟ فأجابني والأسى يقطر من عينيه إن أمتك تنكرت لي وعقتني. 

نعم.. جاءنا الضيف وعليه ثوب الوقار ولسان حاله يقول: يا من تنكرت لنفحاتي، فإني لا أتنكر لعباد الله، لأني شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران يا من عصيت الله تب إلى الله في، يا من أسرفت على نفسك.. أمسك عليك نفسك، فإني شهر المحاسبة، يا أيها المتشرذمون، كفوا فإني شهر العمل والاتحاد والصفح عن الناس.

ثم ها هو رمضان يودعنا وقد أذن بالرحيل، يا رمضان لا ترحل وتتركنا للأهواء والمعاصي، لا تتركنا، لا تذهب فتنفك الشياطين من أصفادها يا رمضان، يا رمضان، لماذا لا تجيبني؟ ذهبت أصواتي أدراج الرياح.

 وجاء العيد. ولكن لمن؟ ألليتامى؟ أم للمشردين؟ أم للذين يثنون تحت سياط الجلادين؟ أم للمساكين التائهين في الأرض؟ أم للمتخبطين في ضلالهم وليس لهم من رادع أو مرشد؟ 

الأعياد أجمل الأيام، ففيها ينظر الإنسان إلى نفسه نظرة تلمح السعادة، وإلى أسرته نظرة تبصر الإعزاز، وإلى مدينته نظرة تدرك الجمال وإلى الناس نظرة الأخوة والصداقة والمحبة والوئام.

أقبل العيد ليملأ صباحنا إشراقًا وبهاءً تزغرد العصافير، يفرح الأطفال، مرحبًا بالعيد، وتمتزج المشاعر، ونلتحف بدف اللقاء، أيها العيد جنت تنثر الابتهاج صباحًا ومساءً، ولكن تبقى في الحلق غصة وآلم، نأمل ألا تفسد علينا فرحتنا ولقاءاتنا نتلمس جراحاتنا الغائرة ونسمع أنات إخواننا وزفراتهم المضطربة من بقاع شتى وتنهال علينا علها توقظنا من سباتنا العميق. 

يطل علينا العيد، وفي كل يوم تنتهك فيه حرمات المسلمين، وقد ازددنا تنازعًا، وفرقة، وضعفًا ليقتطف عدونا ثمرة العمل الطويل، يأتينا العيد وكل منا قد أعجب برأيه و ازدری مواقف إخوانه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (سورة الأنفال: آية: 46)

يا عيد، لماذا جئتنا؟ ألتذكرنا بآلامنا وأحزاننا؟ أم لتزيد من تبجح العصاة والمنافقين؟ أم لتحيي الأموات الذين ذبحهم الجزارون ذبح النعاج؟ أم.. أم في النفس أسئلة حائرة لا تحصى، وفي النفس مشاعر متضاربة. 

لكن مهلًا، فبين العيد والوداع يلتقي حرفان: العين والدال دع وعد، فدع الذنوب والآثام أيها العاصي، وعد إلى الله تعالى بتوبة نصوح، وأنت يا أخي دع عنك الجبن والخور والتشرذم، وعد إلى الله بأخلاق نبيلة وروح صافية، تجسد فيها رفعة الإسلام وسماحته، ثم ودع رفاة المسلمين الطاهرة، جمعنا الله وإياهم في جنان الخالدين. 

إخوتي، ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن خاف يوم الوعيد أعيادنا لا تنتهي، كل يوم لا نعصي الله فيه هو لنا عيد، ولا يغرنك يا أخي غرور الكفرة وسطوتهم وفرحهم وغمنا وسرورهم وحزننا، فهم قوم عجلت لهم طيباتهم وأخرت لنا طيباتنا، فطوبى لمن عمل وجد واتقى وأصلح.

آه يا زمن، إن دورانك وتقلبك لبرهان على أنك لا تدوم على حال فدوام الحال من المحال وإن دورانك السريع لخير بشير بقرب سقوط عروش المتمرسين برفاتنا، والمتربعين على أشلاء أولادنا، إن دورانك يعيد فينا الأمل بأن مجدنا لا بد يومًا عائد، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور: آية: 55).

كمال عبد الفتاح- إسلام آباد

وقفة مع النفس.. في ختام الشهر

رمضان على وشك الانتهاء كله. فهل أخذنا منه بحظ وافر؟

نحن بحاجة إلى أن نقف مع أنفسنا وقفة قبل أن ينقضي رمضان ونخرج من دون الزاد الكافي الذي يعين للعام المقبل؟ أول ما يجب فعله أخذ النفس بالحزم في محاسبتها والإتيان بواجب العبودية لله تبارك وتعالى، وعدم الركون إلى الأماني الكاذبة أو الأوهام الخادعة، فإن الله عز وجل يثيب الناس بما عملوا لا بما تمنوا من غير عمل.

فعن أبي يعلى شداد بن أوس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن وقال غيره من العلماء: «دان نفسه» أي حاسبها.

وليس هناك شك في أننا منصرفون في غالب أوقاتنا إلى الأزواج والأولاد ومشاغل الدنيا، إلا أنه يجب أن يتغير الحال في العشر الأواخر من رمضان بحيث نتخلى عن الأزواج ومتعلقات الدنيا والأعمال وما شابه ذلك ونركز جل الاهتمام على طاعة الله -عز وجل- لأنه من وفق فيها لطاعة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.

عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره» وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره. (رواه مسلم).

وعلى المرأة أن تجتهد مثل الرجل في العشر الأواخر فقد روت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر» متفق عليه المئزر هو الإزار وكنى بشده عن اعتزال النساء أو التشمير للعبادة.

والاعتكاف سنة عن رسول الله ﷺ سنها للمؤمنين، وقد اعتكف أصحابه وأزواجه معه ومن بعده فقد روى عروة بن الزبير عن خالته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: «إن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده» (رواه البخاري).

 وللاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فضل خاص لتحري ليلة القدر، فعن ابن عباس -رضي الله عنه- أن النبي قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى» (رواه البخاري).

وللعمرة في رمضان فضل عظيم نظرًا لاجتماع عبادتين معًا عبادة الصوم وعبادة أداء مناسك العمرة فروى ابن عباس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة معي» متفق عليه. 

أحمد إسماعيل
 

كن من أهل «مرحبًا رمضان» طول العام

الحمد لله الوارث الذي يرث كل شيء الحي الذي لا يموت الباقي الذي لا يفنى لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

جاء شهر رمضان فمرحبًا به خير شهر وكاد ينقضي فوداعًا يا خير شهر، مرحبًا برمضان شهر مائدة القرآن، نقرأه، ونسمعه ونتفاعل معه، ووداعًا رمضان يشكو تقصيرنا إلى الكريم الرحمن. 

مرحبًا برمضان شهر الصوم، والصوم جنة يقي صاحبه من النار، ووداعًا رمضان نغفل بعده عن هذه العبادة العظيمة فننسى طعم الصوم، ونفقد بذلك -على الأقل- دعوة مستجابة عند الإفطار.

مرحبًا بك يا رمضان شهرًا تزين فيه الجنان وتفتح فيه أبوابها، وتغلق فيه أبواب النيران وتصفد فيه مردة الجان، أي يعان المرء فيه على طاعة الله، ووداعًا رمضان فتنطلق الشياطين تسلط على ابن آدم توسوس له فيستجيب لها، فيسب هذا، ويغتاب هذا، ويسفك دم هذا ويستحل مال هذا!

مرحبًا برمضان شهر النظام والعدل والمساواة والاتحاد نصوم معًا ونفطر معًا، إلهنا واحد، ورسولنا واحد، وكتابنا واحد، وقبلتنا واحدة، ووداعًا رمضان شهر وحدة لا تكاد تنتهي حتى توشك أن تتفرق الأمة الرمضانية. 

للشرق عيد، والغرب عيد، وللأصفر عيد، وللأحمر عيد، والكل ينشد الوحدة وينادي بها، ولكن لا يضحي بعاداته وتقاليده من أجل إقامتها، مرحبًا يا شهر الصلاة والقيام، تمتلئ فيك المساجد، وتصلى فيك الصلاة على وقتها ويتقن فيك الخشوع، بل وتُصلى فيك النوافل -كأنها فرائض، ويحافظ فيك على صلاة القيام التي هي أفضل الصلاة بعد الفريضة، ووداعًا رمضان حين تخلو المساجد على عروشها، ويبدل الخشوع، وننسى طعم النوافل، ويعقد الشيطان العقدة تلو العقدة على قفا بعضنا، ويبول في أذنيه، فيصلي الصبح بعد طلوع الشمس، إن صلى، ويجمع بين العصر والمغرب، ولا يصلي العشاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 

مرحبًا بك يا شهر الجود والكرم، علمنا المصطفى ﷺ أن نكون فيك أجود ما نكون ووداعًا رمضان فيكون الشح، ويظهر البخل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر: آية: 9)

مرحبًا يا شهر الجائزة، يا شهر ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، فهي خير من ألف شهر في الفضل والشرف وكثرة الثواب والأجر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن نام عنها، ولم يجتهد في التماسها خسر خيرًا كثيرًا.

مرحبًا شهر الجهاد والانتصارات العظيمة قديمًا وحديثًا، تبدأ ببدر الكبرى، ثم فتح مكة المشرفة، وتنتهي بالانتصار على اليهود في العاشر من رمضان، ووداعًا أيها الشهر الكريم حين تبدأ المداهنة، والاستسلام، وعدم نصرة إخواننا في فلسطين والشيشان، وغيرهم من المجاهدين في كشمير وأفغانستان، وما وراء البلقان، وغيرها من البقاع.

فكن -يا أخي- من أصحاب «مرحبًا رمضان» على مدار الأعوام، ولا تكن من أصحاب وداعًا رمضان فتغلق بذلك على نفسك أبواب خير كثيرة لا تستطيع تعويضها حتى لو أنفقت ما في الأرض جميعًا، والله تعالى أعلم، وهو نعم المولى ونعم النصير.

سعد الدين حسنين

نيوجيرسي-الولايات المتحدة

الصيام.. والأمانة

الأمانة صفة تدعو صاحبها إلى حفظ كل ما يؤتمن عليه في جميع الأشياء المادية والمعنوية بالسر والعلن.

 وإذا كانت تعاليم الإسلام تهدف عامة إلى غرس خلق الأمانة في نفس المؤمن، فإن الصيام يعد من أقوى العبادات في تربية هذا الخلق، وذلك إذا أقبل عليه المؤمن في صدق وإخلاص ومراقبة.

والصيام في حقيقته سر بين المؤمن وخالقه عز وجل.. لا يطلع عليه أحد حتى يلقى الله سبحانه جل شأنه فيجزيه الجزاء الأوفى، ولعل هذا هو بعض ما يفهم من قول الحق سبحانه وتعالى في الحديث القدسي «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به».

 ومتى توافر للإنسان في العمل السر المستور، وقهر الشهوات، فقد صار أمينًا. 

ومن شأن الصائم الصادق أن يحفظ الأمانة في كل شيء:

  • يحفظها في معدته، فلا يتناول مفطرًا وهو صائم، ولا يدخل إليه حرامًا حين يفطر أو يتسحر.
  • يحفظها في بصره، فلا ينظر إلى محرم، بل يستخدم بصره في كل ما هو نافع ومفيد.
  • يحفظها في سمعه فلا يصغي به إلى أحاديث اللهو والفجور أو الغناء والخناء يحفظها في عقله فيقويه، وينميه بالعلم والمعرفة.
  • يحفظها في مشاعره، وأفكاره فيحيي في قلبه مشاعر الخير، وعواطف البر وأفكار الإصلاح.

إن الصيام يعلم المؤمن الوقاية الاختيارية، والحصانة الذاتية، والأمانة المنبعثة من الأعماق التي تجعل صاحبها يحاسب نفسه قبل أن يحاسبها غيره، وأن يحكمها من الداخل قبل أن يأتيها الحكم من الخارج.

فلنحفظ هذه الأمانة، ولنؤدها إلى صاحبها دون نقصان أو خيانة حتى نوفي أجرنا بغير حساب.


 

عشاق الجنة في رمضان

قال رسول الله ﷺ: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النيران وصفدت الشياطين» (رواه مسلم).

 فإلى عشاق الجنة أكتب:

يشتغل عشاق الجنة في رمضان بالقرآن يتزودون منه حفظًا وتلاوة وتدبرًا ومراجعة، فهذا الشهر موسم القرآن قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (سورة البقرة: آية: 185) وكان سلفنا الصالح كالإمام مالك والشافعي وغيرهم إذا جاء رمضان تركوا كل علم، وتفرغوا للقرآن فكان منهم من يختمه ستين مرة في رمضان، فاحرص يا عاشق الجنة على قراءته ولك أن تعرف أن الجزء عشرون صفحة والثلاثة أجزاء ستون صفحة فبقراءتك قبل أو بعد الصلوات الخمس فقط يوميًّا ۱۲ صفحة تكون خلال رمضان قد ختمت ثلاثة مصاحف ورصيدك يكون إن شاء الله في البنك الرباني كالتالي «٣٤٠٧٤٠ حروف القرآن × ۱۰×الحسنة بعشر أمثالها ×3 عدد مرات قراءة القرآن» = ۱۰۲۲۲۲۰۰ حسنة أي عشرة ملايين ومائتين واثنين وعشرين ألفًا ومائتي حسنة، والله يضاعف لمن يشاء.

وأجعل لك وردًا من الحفظ في الشهر وليكن سورة البقرة مثلًا فـ«أخذها بركة وتركها حسرة» وبحفظ عشر آيات كل يوم تختم السورة وما أجمل الأسرة المسلمة العاشقة للجنة، فهي تجعل أولادها يشتغلون في رمضان بمسابقة لحفظ ما تيسر من القرآن والأربعين النووية وإن أمكن بيت شعري واحد كل يوم مع إجراء جوائز للمسابقة يوم العيد بدلًا من الاشتغال بالتلفاز ومسابقاته، وغزوه الفكري.

ما أجمل أن تحفظ الأسرة وحتى كبار السن سورة الملك فهي كما وعد رسولنا ﷺ تشفع لصاحبها وتنجيه من عذاب القبر إذا قرأها كل ليلة. وبحفظ آية منها يوميًّا في رمضان تحفظها كاملة، ويستشعر مراجع القرآن والمصلي به أن له بكل حسنة عشرة أمثالها فالآية التي تعسر في الحفظ تزداد الحسنات بتكرارها فجاهد نفسك مع هذا الشغل المبارك واعلم أن لفظ الجلالة تكرر في القرآن (۲۲۷۳) تقريبًا، فما أجمل أن تتعرف إلى الله من كلامه، وتدعوه بقولك يا الله، وتبكي بين يديه، يقول السري السبطي -رحمه الله-: «كن مثل الصبي إذا اشتهى من أبويه شهوة «حاجة»، فلم يمكناه قعد يبكي عليهما فكنت أنت مثله فإذا سألت ربك فلم يعطك فاقعد فابك عليه».

وعلم أولادك الدعاء واجعلهم دائمًا يرفعون أيديهم إلى السماء، وعلمهم الصيام كما كان سلفنا الصالح يعمل، واستمع إلى أشرطة القرآن، وإذاعة القرآن الكريم، وكما نعلم فإن رسول الله كان خلقه القرآن، فكن رجلًا خلقك القرآن، وقرآنًا يمشي على الأرض.

نموذج من عشاق الجنة:

سأل رسول الله ﷺ أصحابه ذات يوم فقال «من أصبح منكم اليوم صائمًا قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله: فمن أطعم اليوم مسكينًا؟ فقال أبي بكر: أنا، قال رسول الله فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ما اجتمعن في أمرئ إلا دخل الجنة» (رواه مسلم ۱۰۲۸/۸۷)، فانظر رحمك الله إلى هذا العاشق للجنة الذي جمع أبواب البر وما خفي كان أعظم فكن مثله، واحرص على البر في رمضان خاصة الجود اقتداء برسول الله، فقد كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان لإطعام المساكين والمحتاجين واستعن بالجمعيات الخيرية عونًا لك وشعارك دائمًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ (سورة سبأ: آية: 39)

ألا تحب يا عاشق الجنة أن يغفر الله لك؟ فاحرص على تنفيذ هذه الأحاديث الثلاثة:

  1. «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر ما تقدم من ذنبه»، فاجعل صيام النهار صيامًا محفوظًا فيه لسانك، وسمعك، وبصرك، وبطنك وجوارحك عما يغضب الله حريصًا على ما يرضى الله.
  2.  «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر لـه ما تقدم من ذنبه» فاجعل ليل رمضان صلاة كالتراويح، والقرآن وغير ذلك مما يرضي الله.
  3. «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر لـه ما تقدم من ذنبه»، فاحرص على قيام ليلة القدر وخير ما يعين على ذلك اعتكاف العشر الأواخر في المسجد وإن استطعت بالمسجد الحرام، وإن لم تستطع فاحرص على قيام ليالي 21، 23، 25، 27، 29 وإن لم تستطع قيام هذه الليالي فاحرص على التراويح، وصلاة القيام ولو قبل الفجر بساعة والمرأة تتخذ لها معتكفًا ببيتها بأن تجعل لها غرفة للصلاة وذكر الله، وبقدر عشقك للجنة يكون عملك وتشميرك.

محمد عبد الله الباردة

عمران- اليمن

 مدرسة تتربى فيها الأجيال

فرصة تُغتنم، وذهب يُجمع، وأرض تزرع وصفقة تربح، وكنز يخرج، وهدايا لا تحصى ولا تترك، هذا هو رمضان، فماذا غنمنا منه؟ وماذا استفدنا من صيامنا؟ قال أحد العلماء: إن رمضان مدرسة تتربى فيها الأجيال وكيف يكون مربيًّا للأجيال؟

ها هي بعض الدروس التي نتعلمها من رمضان.

  1.  التقوى: من أهم الأمور، إذ يتعلم المؤمن معنى المراقبة لله، والمحاسبة للنفس، والإخلاص في القول والعمل.

ورد أن الإمام عليًّا -رضي الله عنه- قال وهو يفسر معنى التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، كلمات جامعة حق على كل واحد منا أن يقف معها، ويسأل نفسه عن مدى تحقيقها فيه هل يشعر بالخوف من الجليل؟ أم قنع بالقليل واستعد ليوم الرحيل؟ ثم هل سعى ليقيم حكم الله ليعمل الناس بالتنزيل؟

2- الصبر وقوة الإرادة: لقد ضعفت قناة الصبر عند الناس، وقل الاحتمال، فكيف ينتصر المرء على العدو الخارجي المعتدي إن لم ينتصر على نفسه أولًا؟ إن قوة العزيمة للوصول إلى الغاية المنشودة، والإرادة الثابتة التي توصل إلى سيادة العالم وإقامة الشريعة الإسلامية يتعلمها المرء من خلال الصيام بحيث يمتلك الإرادة المحكمة كالجبال الرواسي التي تجعله قويًّا أمام كل طاغ، متعاليًّا على الشهوات التي تجذبه إلى المستنقعات. 

3-اجتناب الرياء والسمعة: فإن الصائم الصادق لا يعلم به إلا الله، ولا يرجو ثوابًا إلا الله، فقد يقوم وهو بين الناس ويفطر دون أن يعلم بصومه إلا الحي القيوم، علام الغيوب، المطلع على القلوب، وهذا لب الإخلاص، فما أحوج أمة محمد ﷺ إلى الإخلاص مع الواحد الأحد، والصدق في العمل والقول والغدوة والروحة والغضب والرضا، وذم الشهرة والهرب من مدح الناس وثنائهم، وطوبى للأخفياء الأتقياء الذين «إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا»، وطوبى لرجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، فالله غايتنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة الأنعام: آية: 162:163)

  1.  تهذيب الأخلاق والابتعاد عن الرفث واللغو وقول الزور: درس آخر في الأخلاق الرفيعة، والسلوك القويم والمثل العليا التي دعا إليها الإسلام، وكرم البشرية بها، قال رسول الله ﷺ «الصوم جنة،، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، إني صائم» (رواه البخاري).
  2.  إشعار المؤمن بإمكان تغيير الواقع: فقد يقول قائل: كيف يمكننا تغيير الواقع السيئ ونحن ضعفاء والغرب يسيطر على العالم، فيأتي رمضان مربيًّا لنا بالطريقة العملية، ويعطينا البرهان على أنه يمكن تغيير الإنسان في لحظات، أليس إذا دخل رمضان امتلأت المساجد بالمصلين، وترى كل الناس يقرأ القرآن ويقيم الليل؟ 

إن هذا يعطي الدعاة أملًا بإمكان تغيير الواقع المؤلم، بالإيمان والصدق: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة يوسف: آية: 87)

  1. تعود النظام ودقة المواعيد: فالناظر إلى المسلمين اليوم يرى من الفوضى وعدم الالتزام بالمواعيد ما تنفطر له الأكباد، إذ لا نضع برنامجًا لأعمالنا، ولا نتقن وظائفنا مع أنه من السنة الالتزام بالمواعيد والدقة والنظام في الأعمال.
  2. تربية الأولاد وتعويدهم الطاعة: فالولد إن تعلم الصوم والدين من صغره بقيت فيه هذه الطبائع والأعمال بعد الكبر والصيام فرصة للأبوين لتعليم أولادهم كل شيء، فإذا صام الولد تعلم الصدق والانضباط، وتربى على رفيع الأخلاق فينشأ نشأة صالحة تجعله من خيار الناس.

وأخيرًا تبقى كلمة إلى الأم والأخت المسلمة: اتقين الله تعالى في شباب الإسلام، واجتنين تعريضهم للفتنة، فكفاهم ما يرون من الانحلال الأخلاقي، اتقين الله واغتنمن رمضان للعودة إلى الاستقامة قبل أن تذهب زهرة شبابكن ولا يبقى لكن سوى الحسرة والندامة.

أحمد أكاري- الدانمارك

عندما تنطفئ شموع الآثمين

الآن: تجهز الشموع، وتكون المصابيح لتضيء الحفل الأثيم، ينشغل كل فرد في الحفل بحاله، فالكفار والفساق ومن على شاكلتهم لهم حالهم فلينشغلوا بما يشغلهم، أما المسلمون الصادقون، فلهم شغل آخر يتفكرون ويتدبرون في عام مضى لا يدرون ما الله فاعل فيه، وعام آت لا يدرون ما الله مقدر فيه.

هذه همسة في أذنك -أخي الحبيب المسلم- فإن كان إطفاء المصابيح بدعة وضلالة، وليس لنا أن نشارك أهلها فيما يفعلون، إلا أننا نستطيع أن نستفيد بها كمعنى، فرارًا من المشاركة الآثمة، فإنها فرصة لي ولك -أخي الحبيب- أن نغمض أعيننا لنرى أنفسنا، وواقعنا الإسلامي، نرى الحقيقة التي قد تذوب في خضم الأحداث، نراها عارية بعدما ألبسوها ثيابًا خادعة هشة فلبست أحيانًا ثوب السلام العادل، وأحيانًا ثوب الصداقة وأحيانًا ثوب حقوق الإنسان.. إلخ. ولكنها في الحقيقة هجمة شرسة على الإسلام، وتصفية حسابات تاريخية قديمة، وحقد دفين بين الضلوع، أغمض عينيك معي حتى نرى حقيقتي وحقيقتك، نرى قصورنا وتقصيرنا في جنب الله، وفي حق العباد، وفي حق الرحم، وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، نرى جبننا في عدم النصرة للمسلم الذبيح هنا وهناك، والمسلم الطريد هنا وهناك، والمسلم المحاصر المحروم من أبسط حقوق الإنسان في زمن كثر فيه التشدق بحقوق الإنسان، نرى بخلنا في بذل المال الذي هو مال الله وما نحن إلا مستخلفون فيه، ترانا وقد امتلأنا شحمًا ولحمًا، وانتفخت البطون أمامنا نتيجة الإسراف في المأكل والمشرب، وعدم الاهتمام بقضايا الآخرين، فلو تحمسنا لقضيتنا ما طبق لنا جفن، ولا نامت لنا عين، وما هدأ لنا بال. 

أخي الحبيب: تعال نغمض أعيننا عن زيف الحاضر لنرى مر الواقع.. نغمض أعيننا لنرى عامًا مضى بخيره وشره، كم كسبنا فيه وكم أنفقنا؟ كسبنا الآلاف وأنفقنا الآلاف، ولم ندخر شيئًا لما بعد الموت فما عندنا ينفد وما عند الله باق.. ومن لم ينفق ماله فقد يتركه لورثته، فإما أن يدمروه كله، أو يكون سببًا في فرقتهم وعذابهم.

 عام مضى ابتسمت فيه آلاف الابتسامات هل ابتسمت ليتيم؟ هل أدخلت الفرحة في بيت المحتاجين؟ كم أذيت فيه من البشر غيبة ونميمة، وهتك أعراض بالقول والفعل، هل استسمحتهم قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا شراء.؟ عام مضى كم أذنبت فيه من الذنوب والآثام هل تبت أو ندمت قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم؟ عام مضى كم ضيعت فيه من الحقوق، وكم قصرت فيه من الواجبات فهل حاسبت نفسك قبل أن تحاسب؟

أخي الحبيب العمر يجري، والسنون تتسابق، وتتلاطم، وأنا وأنت فقط من ندفع الثمن، عندما يتوقف بنا الزمن، ولا نجد ليومنا غدًا، ولا لوحشتنا مؤنسًا، حينها سيتركنا الأهل والأحباب، وينسانا الصحب والأبناء، ونصبح أنا وأنت ذكرى إن كان عندهم وقت للذكرى، فالحياة ستطحنهم كما طحنتنا وما ستتركه من مال مهما كثر فلن يكفيهم.. فلن يشكروا ولن يحمدوا لأنهم سيدورون في الفلك نفسه.

 والأمر هكذا: هيا نتعاهد على أن نشمر عن ساعد الجد في العام الجديد منتهزين هذه الفرصة لنجعلها لحظة انطلاقة حياة جديدة ملئها العمل للحياة الدنيا والآخرة، والطاعة لله في المنشط والمكره، والخوف من الله في السر والعلانية، ملؤها الحب لله والحب في الله، وطيب المعاملة، وإغاثة الملهوف، وعيادة المرضى ومساعدة المحتاج، ونصرة المظلوم.

د. عادل رفعت شلبي

الرابط المختصر :