العنوان المجتمع التربوي- (1732)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 23-ديسمبر-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1732
نشر في الصفحة 54
السبت 23-ديسمبر-2006
تأملات في قصة الفداء (6)
إنها أمٌّ!
الخنساء قدمت درسا في الفداء حين دفعت أولادها الأربعة للشهادة في سبيل الله.. متمثلة قصة الخليل إبراهيم وابنه عليهما السلام
"يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية أصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجلات نارًا على أرواقها، فيمموا وطيسها، وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة".
إيمان مغازي الشرقاوي
لقد أشعلت كلماتها فتيل الحماسة وزرعت روح الفداء في قلوبهم فجاهدوا حق الجهاد، لا يخشون عدوهم ولا يرهبون بأسه، بل تفانوا في قتاله وهزيمته، ودافعوا عن دينهم دفاع الأبطال حتى استشهدوا جميعهم دون استثناء، لتصعد أرواحهم لله بعد أن قدموها لدينه فداء، ففازوا الفوز العظيم.. ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)﴾ [آل عمران: 169 - 171].
أسمى الغايات
إنها رسالة واضحة لأم تقدم أولادها وفلذات كبدها فداءً لدين الله تعالى ورفعة لشأنه، تبغي الخير بين حروفها، وإن كان ثمن هذا الخير دماؤهم الغالية التي تجري في عروقهم، وتنبض بحياة نفوسهم، إنها أم تحمل كل معاني الأمومة بين ضلوعها كجميع الأمهات، ولها مشاعر وأحاسيس، وعاطفة فياضة قوية، وهي من ظلت ترثي أخاها صخرًا ردحًا طويلًا من الزمان، لكن الإسلام غير تفكيرها، وارتقى بعقلها وروحها حتى رأت أن الدفاع عن دينها على رأس ما توليه اهتمامًا، فهو أسمى الغايات، يفدى بالغالي والنفيس، ولو كان الفداء له نفسها وأولادها الأربعة الذين يملؤون عليها حياتها.
وكانت النتيجة الحتمية لهذه الخطبة الصادقة والنصيحة الخالدة أن تسابقوا جميعًا في خوض غمار المعركة، والثبات عند فتنة السيوف وكفي ببارقتها فتنة، فكانوا أبطالًا بحق وكانت أمًا للأبطال.
وانتصر المسلمون في القادسية، وكانت أرواحهم الطاهرة ثمنًا لهذا النصر العظيم. هي فلم تزد إلا أن قالت قولتها الرائعة التي خلدها لها التاريخ: "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة".
إنهــا الخنساء.. تاج يزين رأس كل مسلمة، وفخر كل النساء، هي تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية التي نبتت في دوحة الشرف والفضل، فأبوها وأخواها معاوية وصخر سادات سليم من مضر.
قبل إسلامها قتل أخوها معاوية في معركة مع بني مرة ثم مات صخر متأثرًا بطعنة رمح، فاشتد حزنها عليهما وملأت الدنيا بمراثيها الحزينة الدامعة ولا سيما في أخيها صخر، فلقد بكته بعيون مدرار دمعها، قل أن يوجد في الأنام مثلها وأفرغت كل مخزون المودة المختبئ في أعماقها، وزرعت مكانه حزنًا وكمدًا وهمًا فقالت ترثيه بجزع ظاهر في كلمات الرثاء:
يذكرني طلوع الشمس صخرًا
وأذكره لكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
فحزنت حزنًا شديدًا لم تستطع أن تمحوه الأيام والليالي الطوال، ولم تستأصله إلا ثمرة الإيمان التي أينعت واستقرت في قلبها، حين قدمت إلى الرسول r مع بني قومها مبايعة مؤمنة، فأسلمت وراحت تنشده من شعرها وهو r يستزيدها ويقول لها: «هيه يا خناس!».. والآن قد تبدل الحال بها بعد أن استضاء القلب بنور الإيمان، فإذا هي مجاهدة صابرة تمد جيش المسلمين وتعينه ليس بالمال، بل بالرجال!
بيت الحمد
لقد قدر الله تعالى مـصـيـبـة الموت وجعلها ابتلاء وامتحانًا لذوي الميت، ووعد الصابرين بالأجر العظيم، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾ [البقرة: 155 - 157].
لكن التضحية بالأبناء ودفعهم إلى الموت بالزج بهم في أتون الحرب ليس بالأمر الهين على أي أم، بل وأب، كما أن الاكتواء بنار فقدهم لا يتحمله إلا من ربط الله على قلبه، وسكب في نفسه الرضا والسكينة ومنحه الصبر على بلائه امتثالًا لأمره. ورغبة فيما عنده، لا يتحمله ولو كان ابنًا واحدًا، فما الحال إن كانوا أربعة؟! فما الذي دفع الخنساء لأن تضحي بأبنائها الأربعة حتى استشهدوا واحدًا تلو الآخر. وهي مع ذلك تتقوى بالإيمان، وتتعزى بالصبر؟!
إن الخنساء فعلت ما فعلت لنتعلم منها جميعًا درسًا جديدًا في الفداء، تعيشه كل الأجيال وتحياه، تعلمته. هي من قصة الخليل إبراهيم u حين قدم ابنه للذبح امتثالًا لأمر خالقه ومولاه، فقامت هي الأخرى بالدور نفسه، اقتداء يمليه عليها حبها لدين الله والرغبة في نصره ورفعته فكان منها ما علمنا وكانت بحق من خير الأمهات علها بذلك تفوز بالبشارة التي بشر بها رسول الله r حين قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» (الترمذي).
كلنا فداء لدين الله
حين نسمع من الخنساء قولتها الشهيرة عند فقد أبنائها والتي يشع من خلال كلماتها نور اليقين فيما عند الله والثقة بوعده سبحانه وأنه لا يضيع أجر المحسنين يتجدد في نفوسنا الإيمان؛ حيث يتذكر المرء منا أن نفسه وماله وولده وكل ما يملك هو في خدمة دين الله U أما هي رضي الله عنها فلقد آثرت ما هو باق على الفناء وهذا ما يفكر فيه كل العقلاء.
وإذا كانت الخنساء يسرت لأولادها طريق الذكر الحسن والحياة الهانئة بالشهادة في سبيل الله واتخذت من أولادها سلمًا للمجد في الدنيا والرفعة في الآخرة، فماذا نقول فيمن يجعل من أبنائه سببًا وعذرًا لتقصيره في حق الله؟! بل ومن أمواله وتجارته وأشغاله التي هي دون الأبناء بكثير وإذا به يجعل من كل ذلك عائقًا يعوقه عن السير في طريق ربه لتصبح هذه النعم عنده غاية وقد أرادها الله تعالى لنا وسيلة، ألم يسمع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9]، فيسيء بذلك إلى نفسه من حيث لا يشعر، وإن منهم لمن يسيء إلى أولاده أيضًا بسوء تربيتهم من حيث لا يدري وهو يظن بنفسه الإحسان فماذا سيجني من انشغل عنهم كما يعتذر بلقمة العيش فحرص على غذاء أجسادهم دون أرواحهم!
وما مصير من ضيعهم وضيع معهم القيم والمبادئ والأخلاق؟! وماذا ينتظر هؤلاء أن يقدم أولادهم لهم أو لدين الله، إنهم لن يجنوا أو يحصدوا إلا ما غرسوه فيهم، ولا شك أن حصاد كل منهم سيكون من نوع ما زرع وثمرته ستنتج من عين ما بذرا ولو فقهوا لعلموا أن حسن العمل عادة يتبع حسن التربية وأنهم قدوة لأولادهم حين يسلكون مجالات الخير المختلفة، ويطرقون أبوابها أمام أعينهم، وسيجدون بكل تأكيد الخير الكثير من ورائها، فحين يغرسون فيهم أن العمل لخدمة الإسلام ليس محصورًا في صنف معين من الأعمال، ولا حكرًا على فئة محدودة من الرجال، فالكل مطالب بالخدمة والكل مجازى ومسؤول عندها سيقطفون ثمرة تربيتهم، ويخدمون دينهم، فهل ستفعل ذلك؟
من المؤمنين رجال
إذا ما استوقفت الناس تسألهم عن مفهوم الرجولة قائلًا: من هو الرجل الحق؟ فقد يجيبك أحدهم: الرجل هو صاحب الكلمة المسموعة بين قومه، وقد يجيبك ثان إن الرجل الحق هو الذي يستطيع أن ينفق على أهله وييسر لهم حياة كريمة.
وقدْ ينظر ثالث إلى الرجولة من منظور آخر فيقول: إن الرجل هو الذي لا يرجع عن أمر أبرمه، فإذا عزم على شيء نفذه ولو كان خطأ.
وإنك لتعجب من رأي أحدهم في الرجولة، إذ يقول: إن الرجل هو الذي ا يستطيع أن يمتع النساء قولًا وفعلًا، مع أن ذكور الحيوانات - كرمنا الله وإياكم - لها باع في هذا ولا تعتبر من الرجال.
والحق أن الآراء تتعدد، فكل ينظر من زاوية رؤية خاصة.
وعلينا في هذه الحال أن نستفتي القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ففيه الصورة كاملة ا جلية لذوي الألباب، إذ يقول القرآن الكريم في سورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) ﴾ [النور:36، 37]، فالرجل هو الذي لا تتحكم فيه شهوة أيًا كانت، وليست التجارة ولا البيع في الآية إلا رمزين لكل ما من شانه أن يكون ملهيًا عن عبادة الله فإذا أمسك الإنسان لجام نفسه وصرفها عن الشهوات والملهيات كان رجلًا بحق حسب المفهوم القرآني للرجولة.
وثّمَّ موضعٌ آخرَ في كتاب ربنا نستبين منه نظرة القرآن إلى الرجولة هو قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. هؤلاء هم الرجال حقًا! وأيضًا قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]
أبو علاء الرحماني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل