العنوان المجتمع التربوي ( العدد 1782)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2007
مشاهدات 54
نشر في العدد 1782
نشر في الصفحة 50
السبت 29-ديسمبر-2007
والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة
أ.د.جابر قميحة
تهل علينا الأعياد والمناسبات الإسلامية، ونحن نعيش أيام الغربة والكربة والأوجاع والآلام فلا فرحة، ولا شعور بمتعة ما دامت القدس في يد الأعداء الذين نهبوا الأرض، وهتكوا الحرمات وشردوا الشعب الأصيل. وهذا ما عبر عنه الشاعر عمر بهاء الدين الأميري - رحمه الله- بقوله: ما العيد والقدس في الأغلال رازحة والمســـــلمات سبــــــيات.. لفساق
واستجير برب البيــــــــــــــت في قلقٍ على المــــــدينة، من فتك.. وإزهاق
وأرسل الدعوة الحرى على.. ثقــــــة بالله في صــــــبر فذ العزم.. عملاق
فالنصر في قدر الله الحــــــــكيم على وعد مع الصبر في إيـــــمان.. سباق
والنكبات تنزل بالشعوب المسلمة بفعل العدو الخارجي، وبأيدي أصحاب الأرض والقضية الذين كانت -وما تزال- جرائمهم في حقها أشد وأنكى، يقول عمر بهاء الدين الأميري: يقولون لي عيد سعــــــــــــيد، وإنه ليوم حساب لو نحــــس .. ونشعر
همو أوقعوا الهول الضروس بقومهم فهم قدروا -ويل لهم- كيف قدروا؟
مع التاريخ
ونعود إلى المنابع الصافية.. إلى سيرة الرسول ﷺ وصحابته، ونصغي لأنس ابن مالك وهو يقول:
»قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم »أي للأنصار« يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول اللهﷺ:«إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر«.
وما جاء هذا التشريع إلا من حرص النبيﷺ له على أن يكون للمسلمين شخصيتهم المتفردة، المتميزة في أعيادها وسلوكها، وعبادتها، ومنهجها في شتى مناحي الحياة. جهاد موصول: لقد أباح ديننا في العيد اللهو البريء ترويحًا عن النفس وتسلية لها، قالت عائشة - رضي الله عنها- فيما يرويه أحمد والشيخان إن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ﷺ في يوم عيد، فاطلعت من فوق عاتقه، فطأطأ لي منكبيه، فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت. ثم انصرفت.
ومع ذلك استمرت مسيرة الجهاد في شوال. شهر عيد الفطر، فكان فيه من السرايا سرية »عبيدة بن الحارث«-رضي الله عنه- رسامة وسرية »عبد الله بن رواحة« وكان فيه من الغزوات: غزوة أحد، وغزوة حمراء الأسد، وغزوة الخندق، وغزوة حنين، وغزوة الطائف.
والسرية الأولى كانت بعد ثمانية أشهر من الهجرة، وكانت كلها من المهاجرين التقت أبا سفيان ومائتين من الكفار، وحدث تناوش بالسهام، ولم يحدث التحام، وكأنها كانت مهمة تدريبية؛ استعدادًا لما هو آت من معارك كبرى.
أما السرية الثانية، فكانت في شوال سنة 6هـ لقتل الزعيم اليهودي» أسير بن رزام«، الذي جمع اليهود، وحاول إثارة غطفان على المسلمين. وقد حققت هدفها .
وكانت غزوة أحد في شوال سنة 3هـ. وعلى الرغم مما أصاب المسلمين فيها من انكسار في مرحلة من مراحل المعركة، فإنها تمخضت عن نصر معنوي قيم، تمثل في الدرسين الآتيين:
الأول: من أهم عوامل النصر:الانضباط العسكري التام، والالتزام بأوامر القائد الأعلى.
والثاني: ترسيخ مبدأ الشورى بنزول قوله تعالى بعد المعركة : ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾(آل عمران:159) مع أن النبي ﷺ كان يرى مقاتلة المشركين في المدينة، ولكنه تخلى عن رأيه بعد أن رأى أن الأغلبية -وخصوصًا الشباب- ترى الخروج إلى أحد للقتال، والآية تهدف إلى ضرورة مشاورة القائد أصحابه، فيما لم ينزل فيه وحي حتى لو لم تتحقق النتائج المرجوة.
وبعد أحد بيوم واحد، وعلى بعد ثمانية أميال من المدينة نزلت قريش في طريق عودتها إلى مكة، وعلم النبي أنهم يهمون بالعودة إلى المدينة للإجهاز على المسلمين فعزم على الخروج إليهم، وظهرت عبقريته في عملين:
الأول: ندب إلى الخروج الذين شهدوا أحدًا دون غيرهم حتى يرفع من معنوياتهم ويعيد إليهم الثقة بأنفسهم.
الثاني: أنه أقام بجنده بحمراء الأسد ثلاثة أيام وأمرهم أن يوقدوا كل ليلة خمسمائة نار، فاعتقد الكفار أن المسلمين آلاف مؤلفة لأن النار الواحدة لا يوقدها إلا مجموعة من خمسة أفراد على الأقل وهو ما جعل الرعب يدب في قلب أبي سفيان ومن معه فعادوا إلى مكة.
وكانت غزوة الخندق »الأحزاب« في شوال سنة 5هـ، ومن الدروس والقيم التي أفرزتها هذه الغزوة ما يأتي:
-1إثبات النبيﷺ أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بهاء فقد أخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، ولم تكن العرب تعرف هذه الوسيلة الدفاعية من قبل.
-2شارك النبي ﷺ المسلمين في حفر الخندق كواحد منهم ليثبت أن القائد الحق يجب أن يكون قدوة لجنوده.
-3ثمة حادث عارض أثناء حفر الخندق، خلاصته أن صخرة عجز المسلمون عن تكسيرها. بل إنها كسرت حديد معاولهم فهبط إليها رسول الله وفتتها بثلاث ضربات، ومع كل ضربة كانت تخرج ضوءًا. وفي الأولى بشر المسلمين يفتح الشام، وفي الثانية بشر المسلمين بفتح فارس، وفي الثالثة بشر المسلمين بفتح اليمن. وقد تحقق للمسلمين -فيما بعد- ما بشر به النبيﷺ.
ودلالة ذلك أن على المسلم ألا يفقد الأمل، وبيأس من روح الله ومن نصره، حتى وهو في أشد حالات الكروب والمحن.
وكانت غزوة حنين في العاشر من شوال سنة 8 هـ، ومن دروسها: أن الكثرة لا تغني عن تأييد الله، وأن الانشغال بالغنائم والماديات يقود إلى الهزيمة، وأن الثبات والصبر يحولان الهزيمة إلى نصر .
ثم كانت غزوة الطائف بعد ذلك في أواخر شوال من العام نفسه، وفيها ظهر كرم النبي ﷺ وسماحته ووفاؤه، فحينما التقى بعد الانتصار أخته في الرضاعة «الشيماء بنت حليمة السعدية»، قال لها : «سلي تُعطي واشفعي تشفعي».. فسألته إطلاق السبي فأطلقهم وكانوا ستة آلاف.
جهاد بمفهومه الشامل
ومن القواعد والأصول المعروفة أن الأصل في الإسلام السلام، وأن القتال استثناء لضرورة، ومقتضى قوي. وقد قال تعالى:﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ اللهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ﴾(التوبة6:)
ويقول الراغب الأصفهاني في »المفردات«..... والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس.
وهناك الجهاد بالسيف، أو بالقوة المادية التي تتطلبها طبيعة الحرب ومتغيرات العصر. وهذا النوع من الجهاد لم يأذن به الله إلا بعد عشرات من السنين اعتمد فيها المسلمون على المسالمة وتحملوا مالا يطيقه بشر من التعذيب والإيذاء والمضايقات. وقدجاء هذا الاذن في قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ اللهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ )﴿الحج : 39).وهناك الجهاد بالمال. وهو من أهم وأخطر أنواعها، وذلك للتكاليف الباهظة التي تحتاجها الجيوش والشعوب أثناء الحروب، وقبلها، وبعدها.
ومن أعجب أنواع الجهاد وأعمرها بالطوابع الإنسانية نجده في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا﴾(الفرقان52:) مع ملاحظة أن الضمير في »به« عائد على القرآن الكريم، ففي الآية أمر بأن يبذل النبي ﷺ غاية جهده حتى تهيمن قائمة القيم الإسلامية على سلوكيات الكفار وأخلاقهم.
وفي وقتنا الحاضر وقد نهبت أرضنا وسلب مسرى رسولناﷺ، أصبح أوجب الواجبات علينا نحن -العرب والمسلمين- أن نجند كل شيء، وأن نضحي بأغلى ما نملك وأن نربي أبناءنا على عقيدة الجهاد وثقافته حتى نحقق -بإذن الله- النصر المؤزر المبين.
الأمة ووحدة المشاعر
يحيى بشير حاج يحيى
عندما يحس أبناء الأمة أنهم جسد واحد معنى ذلك أن مشاعرهم واحدة في السراء والضراء فوحدة المشاعر والأحاسيس، وشعور الأمة بالخطر الداهم يجعلها تستنفر كل قواها فيعيش أبناؤها في حالة من الاستعداد الدائم!
إن كثيرًا من أمور الجهاد تتطلب من كل مسلم أن يكون على ثغرة يحميها. وقد لا تحتمل المعركة أن يكون الجميع في جبهة المواجهة مع العدو، لأن إعداد العدة، وتجهيز الجيش والقيام على مختلف أمور الحياة، كل ذلك يتطلب أن تكون هناك فئة تقوم على مصالح الناس وتسد احتياجاتهم.
أما أن تخوض المعركة فئة، ويبقى الآخرون في حالة استرخاء، فتلك حالة لا يقبلها دين يعد أبناءه المؤمنين كالجسد الواحد!
ولعل أقرب مثال يوضح الحالة الأولى قصة الصحابي أبي خيثمة الذي تخلف عن جيش المجاهدين وليس له عذر، بعد أن أينعت الثمار وطاب الركون إلى ظل الشجر، ولكن الشعور بالارتباط بالجسد الواحد جعله يتدارك الأمر قبل فوات الأوان.
وأما الحالة الثانية فيمثلها بنو إسرائيل إذ قالوا لموسى عليه السلام:﴿فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾(المائدة:24)!
إن المشاركة الشعورية، إن لم تتهيأ المشاركة الفعلية، من أهم العوامل في تقوية الروابط بين أبناء الأمة الواحدة، وقد أوضح النبي ﷺ هذا الأمر وهو عائد من غزوة تبوك: «إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حبسهم العذر».
الابتلاء.. فرصة للارتقاء
كوثر الكردي
سید قطب: الصبر على النعمة أشق على النفوس من الصبر على البلاء
المصائب عادة تكون نتائج القلوب رضوان سلمان حمدان لذنوب أو لتقصير في الأخذ بالسنن الكونية
شاء الله تعالى أن تكون الحياة الدنيا دار العمل والكدح والجهاد ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ ﴾(الانشقاق:6). ونتيجة لذلك يتعرض الإنسان المواقف ومعاناة متعددة، متزامنة مع النشاطات اليومية المستمرة في حياته، وتتخللها سنة الله في عباده متمثلة في الابتلاء الذي أشار إليه الله جل جلاله في سورة الملك ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ﴾ قد يرمز معنى الموت والحياة - إلى جانب معناهما الحقيقي- إلى معنى مجازي آخر في صورتي الابتلاء في الحياة الدنيوية: صورة الابتلاء بالمصائب وصورة ابتلاء آخر بالنعم، ولو أننا كثيرًا ما نكون غافلين عن كون النعم ابتلاء أيضًا، حيث إن النعم تبارك بالشكر عليها وبالصبر على الآفات القلبية والسلوكية العديدة التي لا تجد مأربها إلا مع وجود النعم كالغرور والكبر والظلم و ... إلخ.
زوال النعم
لذلك نجد »صاحب الظلال« - يرحمه الله - يصف الحالة بعبارة غنية مليئة بفهم لواقع النفوس البشرية قائلًا: «إن الصبر على النعمة أشق على النفوس من الصبر على البلاء..« والنعم تزول ويعاقب عليها بنكرانها - والعياذ بالله.
أما الاختبار بالمصائب فلا تخلو منه حياة إنسان. ولكن تختلف نوعية المصائب ودرجاتها من شخص لآخر ومن ظرف الآخر، وأما بشأن آثارها على الفرد فتحددها مقاييس تجاوب الفرد - سلبًا أو إيجابًا- مع الحالة الواقعة عليه.
مقارنة المصائب
من المألوف بيننا في بعض الأحيان أن نقارن مصيبة شخص بآخر أو مصيبتنا بمصائب الآخرين، فنستهين ببعض منها مقارنة بغيرها. أو نكبر مصيبة على الأخرى -ولو أن ذلك فيه شيء من الحقيقة- إلا أن ما علينا تذكره أن الله سبحانه وتعالى يبتلي كل فرد على قدر استطاعته البدنية والنفسية والفكرية، كي يكون أهلًا لتحمل ذلك كما أشار سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاللهً يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ...﴾ (البقرة : 268).
أمانة وتكليف: فالمصيبة التي تقضى الأحد إنما هي أمانة وتكليف من رب العالمين إلى جانب التكليفات والأمانات الأخرى التي كلف بها العباد .
ولعل من أروع وأوضح معالم الابتلاء ما يشير إليه قدوتنا وحبيبنا محمد ﷺ في الحديث النبوي الشريف قائلًا :» يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كانت في دينه صلابة زيد في بلائه... » ويقول أيضًا : «إذا أحب الله عبدًا ابتلاه«.
ولكن ينبغي أن نتذكر أنه ليس من واجبنا تحديد درجات محبة الله لعباده أو درجات الأشخاص والمقارنة بين الأفراد المصابين، إذ إننا لسنا مكلفين بذلك وليس من اختصاصنا .
نتائج وآثار: من المعلوم أن الضعف البشري يؤدي بالإنسان إلى الأخطاء ثم إلى الذنوب، قصدًا أو دون قصد، وتكون المصائب عادة آثارًا أو نتائج لذنوب ارتكبت أو لتقصير أو تكاسل في الأخذ بالسنن الكونية، ولكن تكبر درجة الذنوب وتصغر حسب مقاييس أنماط الشخصيات قد يكون ذنب خفي صغير كبيرًا على صاحبه وذنوب عظام صغائر تهب مع الريح على صاحبها غافلًا عما اقترف من الآثام والكبائر.
الاستسلام المطلق
ولكن تبقى الحقيقة الكبرى في الابتلاء هي الاستسلام المطلق لرب العالمين أنه»ماضٍ فينا حكمه عدل فينا قضائه«، فهو وحده الرؤوف الرحيم الذي يبتلي عباده لأجل مسمى من أجل التطهير والعلو في الدنيا والفوز بالآخرة، بشرط الالتزام بالمبادئ الحقيقية في التعامل مع الابتلاء - كما يبشر النبيﷺ المؤمنين والمؤمنات أنه »ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة« (رواه الترمذي).
أربعة عناصر:
إذن فالإنسان -في التعامل مع البلاء- مخير وذو إرادة حرة، وهناك أربعة عناصر تتحكم في تحديد مسار حسن الخاتمة للمصاب »الاستسلام والصبر والحمد والرجاء«، وبها تهون أو تزول المصائب - وباستشعار القلب أيضًا أنها -أي المصائب- ظاهرها عذاب وتعب وشقاء، وباطنها رحمة وعدالة من السماء، فرحمة الله بعباده أوسع - من كل الرحمات، فهو أرحم الراحمين، يبتلي لـ عباده إما لاستشعار العبد بوجوده –جل جلاله- والاهتداء إليه واللجوء إلى صراطه المستقيم أو يبتليهم كي يعلي من درجاتهم ويوصلهم إلى الفوز بالآخرة وجنة المأوى.
وكل ذلك رحمة من الخالق سبحانه، كي يجنب عباده غفلة الدنيا والفوز بالآخرة ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى- كمثل المعلم الصالح الوفي لطلابه الحريص على مستقبلهم، حينما يمتحنهم امتحانًا تمهيديًا- استعدادًا للامتحانات النهائية- فإذا به ينقص من درجة طالب مجتهد ذكي على خطأ بسيط قد لا يحسب له حسابًا بالنسبة لطالب آخر، وذلك ليشجعه في الحصول على درجات عليا، ولكن يترك أو يعفو عن بعض الأخطاء لطالب ذي مستوى ضعيف تشجيعًا منه على الوقوف على قدميه والعودة إلى أحضان التعلم والدراسة.
دروس وحكم
لا ريب أن الوصول إلى استسلام القلب والعقل للمصائب ليس بالأمر الهين على الأقل كمرحلة أولية، إلا أنه بمجرد تجاوز تلك المرحلة تتنزل السكينة رويدًا رويدًا على القلب ويصبح القلب خاضعًا تحت سيطرة العقل بالتدبر والتمعن، وكشف كنه تلك المصيبة واستنباط الحكم والدروس العظيمة منها، عندها تصبح الآلام التي كادت تصل إلى العظام سلمًا يزداد به التلهف إلى استرضاء الله سبحانه والتعلق بصراطه المستقيم قلبًا وقالبًا وعقلًا وروحًا. ولو أن الشيطان لا يدع فرصة إلا ويحاول أن يحول بين المرء وعبوديته لربه ولكن تلك الفرص لا تكون إلا محاولات ضئيلة ولحيظات فسرعان ما تضمحل آثارها على قلب وعقل المؤمن. وكلما أعاد الشيطان كرته غلب عليه المؤمن بالثبات والتوكل على رب العالمين. ثم تصبح المصيبة -بعد انتهاء الفترة الزمنية المحددة من رب العالمين- بركة حقيقية على ذويها . ذات نكهة روحية عالية.
شاطئ الأمان
ويكون شعار القلب يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. هو سبيل الوصول إلى شاطئ الأمان، ويأتي الفرج ويكشف المخرج النقاب عن ذاته كما وعد الله تبارك وتعالي : ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ﴾(الطلاق:2). إذن فالتقوى زاد الوصول إلى أمان الدنيا وزاد الوصول إلى ثواب الآخرة ..
ليس من إنسان خلقه الله تعالى إلا وله جهاز استقبال، وجهاز إرسال، فإذا فقدهما فقد فقد نفسه، وفقد سر وجوده، فهو كالشجرة الجافة التي تساقط ورقها، فلا خضرة فيها ولا حياة، فهو لهذا حي كميت!، لا أثر له في الحياة يأخذ لكنه لا يعطي!
وهناك ناس ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم عند الله، هؤلاء اكتشفوا سر الله فيهم، ألا وهي الحواس السمع والبصر، والفؤاد فاستنهضوها، وغذوها بالعبادة والطاعة حتى اشتعلت وتوهجت، وأرسلت من منابع روحها، وسلسبيل قلبها، نبضات وموجات موحيات تدق على قلوب الناس حتى تلين لذكر الله تعالى، فتتبادل الهواتف الروحية بأحاسيس لا تنطقها، ولكننا نسعد بها كأطياف هفهافة، فتتحول إلى مغناطيسية تجذب الأرواح، وتشد القلوب.
ولا يعدم الإنسان هذا الإحساس ولو بقدر يسير، والداعية الموفق هو الذي يهديه الله تعالى إلى مكامن هذا الشعور فيقويه وينميه ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ..﴾ (الأنفال : 24)
والذين جفت منابع قلوبهم، وصدقت ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ الله ﴾(البقرة : 74) إن الآية الكريمة تقرر أن الحجارة تحس، بل إنها تهبط من خشية الله تعالى، ولكن نحن لا نملك هذه الأجهزة التي تبلغ من دقة الإحساس ما نكشف به كيف تحس ولكنها يقينا تحس وتخاف، وتندك من خشية الله تعالى. فإذا كانت الحجارة تحس وتقشعر وتندك رهبة من الله تعالى، فكيف بالإنسان الذي حمله الله تعالى بتلك النعم العظيمة العقل والقلب والشعور والإحساس، والقلب مستودع الرحمات؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل