; المجتمع التربوي - عدد 1277 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي - عدد 1277

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

مشاهدات 76

نشر في العدد 1277

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 25-نوفمبر-1997

وقفة تربوية

طلاب الدنيا وطلاب الآخرة (2)

تحدثنا في المقالين السابقين عن بعض الوقفات في الآيات الكريمة التي يقول الله تعالى فيها ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ ٱلْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلًّا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (سورة الإسراء: الآيات 18-20)

5- صفات الفائزين من طلاب الآخرة: يحدد الله تعالى في هذه الآيات صفات أربع للفائزين من طلاب الآخرة وهي:

  1.  إرادة الآخرة: فكان مخيرًا بين الاختيارين، ولكنه اختار ما عند الله على ما في الدنيا الزائلة ولا يعني هذا أنه ترك العمل في الدنيا وتحصيل الرزق، بل يعني أن الدنيا كانت بيده ولم تكن في قلبه، ولذلك لم تشغله عن آخرته، ولم يعطِ آخرته فضول أوقاته بسببها.

وإذا ما تعارض أمر الدنيا مع أمر الآخرة، قدم أمر الآخرة على أمر الدنيا، وهكذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما خيره الله قبل موته وعند سكرات الموت بين ملك الدنيا وما عند الله فقال في آخر كلماته (بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى).

ب- سعى لها سعيها: أي أنه سعى السعي الذي ينال به الفوز بالآخرة، وصفة هذا العمل الإخلاص، ونوعه القرب والطاعات التي أمر بها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وليس الضلالات والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان.

ج- الهمة العالية: فكلمة السعي توحي بالحركة الدائبة والتعب والجهد في سبيل الله وعدم تضييع الأوقات خوفًا من انقطاع العمل بالموت أو بأي أمر قاطع للعمل كالمرض والانشغال وغيره من الأمور، لذلك ترى طالب الآخرة هذا يسابق الزمان والساعات والدقائق لكي يملأ صحائفه بالعمل الصالح.

د- الإيمان: حيث يقول تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فلا يقبل من العمل إلا بعد الإيمان.

6- جزاء طلاب الآخرة:

لا جزاء لهم سوى الجنة والمغفرة والرحمة والرضوان يقول الإمام الرازي في تفسيره: «واعلم بأن الشكر عبارة عن مجموع أمور ثلاثة: اعتقاد كونه محسنًا في تلك الأعمال، والثناء عليه بالقول، والإتيان بأفعال تدل على كونه معظمًا عند ذلك الشاكر، والله تعالى يعامل المطيعين بهذه الأمور الثلاثة، فإنه تعالى عالم بكونهم محسنين في تلك الأعمال، وأنه تعالى يثني عليهم بكلامه، وأنه تعالى يعاملهم بمعاملات دالة على كونهم معظمين عند الله، وإذا كان مجموع هذه الثلاثة حاصلًا كانوا مشكورين على طاعاتهم من قبل الله تعالى» التفسير الكبير 20/179 - 180.

نسأل الله تعالى أن نكون من طلاب الآخرة الساعين لها والمؤمنين بالله تعالى حتى يتوفانا الله من هذه الدار.

أبو خلاَّد 

كلمة إلى الدعاة

اجتهاد الداعية

على الداعية بذل الجهد في سبيل الوصول إلى غاياته السامية، فهو ليس كعامة البشر، فيجب عليه أن يكون إحساسه مرهفًا للطاعات وحساسًا ضد المعاصي، مقبلًا على خالقه بقلب منيب، ومسارعًا إلى فعل الخيرات وترك المنكرات. ولا يكون ذلك إلا بالاحتراس من الوقوع في المعاصي والاجتهاد في طاعة الله تعالى، والتحصن من الشيطان الرجيم، وبذلك يقول الرافعي رحمه الله: «إن مع كل مؤمن شيطانه يتربص به، فلهذا ينبغي للمؤمن أن يكون في كل ساعة كالذي يشعر أنه لم يؤمن إلا منذ ساعة، فهو أبدًا محترس متهيئ متجدد الحواس مرهفها، يستقبل بها الدنيا جديدة على نفسه بين الفترة والفترة».

نعم، هذا هو حال المؤمن صاحب إحساس مرهف، يجتهد ما وسعه المجهود، فهو في سباق إلى الله، شعاره في ذلك: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (سورة الواقعة: الآيات 10-11)، فإن نال مراده فرح، وإلا قد أبرأ ذمته أمام الله عز وجل، كما يقول ابن الجوزي: «الدنيا دار سبق إلى أعالي المعالي، فينبغي لذي الهمة أن لا يقصر في شوطه، فإن سبق فهو المقصود، وإن كبا جواده مع اجتهاده لم يلم» «صيد الخاطر».

نعم أيها الداعية، لا بد أن تجتهد، فكيف يهنأ لك قرار وأنت تسمع عن حال مصير المؤمنين في الجنة إذا أحسنوا في دنياهم، وعن عذاب أهل النار والكافرين الذين غفلوا عن أخراهم، فحالك لا بد أن يكون كما يقول الشاعر:

ذكر الوعيد فطرفه لا يهجع *** وجفا الرقاد فبان عنه المضجع

متفردًا بفؤاده يشكو الذي *** منه الجوانح والحشا يتوجع

  لما تيقن صدق ما جاءت به *** الآيات صار إلى الإنابة يسرع

ومن لم يجتهد فلا يأمن مكر ربه، ولا يغتر بطيب عيشه، فدوام الحال من المحال. فإن لم تصح من رقادك فلا تأمن مكر الله تعالى، قال أبو علي الروذباري: «من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك فتترك التوبة توهمًا أنك تسامح في العقوبات» «صيد الخاطر».

واعلم أن من اجتهد فله الحظ الوافر في الدنيا والآخرة، وحتى إن لم يكن لك في دنياك نصيب، وكنت قد اجتهدت في طاعة خالقك، فإن الله عز وجل يدخر ذلك لك في الآخرة، حيث ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر،  واستمع إلى قول أبي سليمان الداراني حين يقول: «من صفي صُفي له، ومن كدر كُدر عليه، ومن أحسن ليله كوفئ في نهاره، ومن أحسن في نهاره كوفئ في ليله» «صيد الخاطر».

فاجتهد أيها الداعية في دنياك لتفوز في أخراك، واعلم أن عاقبة الصبر على دين الله تعالى هو ما ادخره الله لك من نعيم خالد وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للذين اتقوا.

خالد علي الملا

الأقصى مسرى الرسول  صل الله عليه وسلم.. فإلى أين يسرى بالأمة؟

بقلم: محمد الجاهوش- كاتب سوري

تعاودنا ذكرى الإسراء والمعراج كل عام. ويعود معها الألم والأسى، الألم من واقع الأمة وضياعها، من فرقتها وذهاب ريحها، من استسلامها لأعدائها، والمسارعة في أهوائهم، وطلب مرضاتهم، من تفريطها في حقوقها وكرامتها، والتنازل عن مقومات وجودها وأسس عزتها وبقائها. لقد تمادى قومنا في التفريط حتى شمل ذلك الثوابت التي استعصت على المساومة -فضلًا عن الإذلال والمهانة- على امتداد عمر الأمة ومراحل مسيرتها.

والمتأمل في أحوال أمتنا يعتصر قلبه الألم، ويضيق صدره حسرةً وحزنًا، ولا يكاد ينقضي عجبه من انحدار الأمة في مزالق الجهل والتخلف والتبعية، فكرًا وحضارةً وسياسةً واقتصادًا، سلوكًا وأخلاقًا، مجاراةً واستسلامًا لمن يريدون خنق حريتها، والاستيلاء على خيراتها ومقدراتها، ووأد أصالتها وكريم انتمائها.

جلال الذكرى:

كان الإسراء والمعراج مواساةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توالت عليه شدائد الأحداث وقسوتها، فقد استأثر الله تعالى بالزوج الحنون خديجة، وكانت السكن والأنيس، ومات أبو طالب، وكان النصير والمعين، واشتد أذى أهل مكة لا سيما بعد رحلة الطائف وما لقيه الرسول في تلك الرحلة وبعدها.

جاء الإسراء بعد هذه الشدائد ليمسح أحزانها جميعًا، وينقل الرسول إلى عالم أرحب وأفق أقدس وأطهر.

فلئن مات أبو طالب، وانتقلت خديجة إلى جوار الله تعالى، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بعين الله تحوطه وترعاه، تحرسه وتصونه، ولئن ضاقت سبل الأرض، وسدت أبوابها، فهذه آفاق السماء مفتحة وأبوابها مشرعة، وطريق ولوجها سهلة، فما ودعه ربه، وما قلاه، ولا هجره ولا جفاه.

 إنه بعين المشيئة تتولاه بالنصر والتأييد. ولئن بعث كل نبي إلى قومه خاصة، فإنه المبعوث رحمة للعالمين كافة، والوارث لكل ما سبقه من الأديان، يكمل مكارمها، ويقوم ما حرفت أيدي البغي من تعاليمها، ويرد للدنيا فطرتها وللإنسانية كرامتها، ويصلح الملة العوجاء وينشر الحنيفية السمحة، الناس لدينه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غد.

ولعل هذا - وشبهه - كان من أسرار مسراه صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى المبارك، قلب الأرض المقدسة، التي أسكنها الله تعالى بني إسرائيل ثم أخرجهم منها..

يقول صاحب الظلال - رحمه الله: "والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعًا، وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله، واشتمال رسالته على هذه المقدسات، وارتباط رسالته بها جميعًا، فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادًا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان، وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.

نعم، إن الله تعالى أخرج النبوة من بني إسرائيل عندما انحرفوا عن منهج الرشد - وسلكوا منهج الغي والضلال، واتخذوه شرعة ودينًا، وقد رشحهم واقعهم هذا إلى أن ضرب الله تعالى قلوبهم بعضهم ببعض، واصطفى بني إسماعيل، فأرسل فيهم ﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (سورة الجمعة: الآية رقم 2)، فآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، وحملوا منهج السماء، فبلغوا به ما بلغ الليل والنهار، واستشرفوا للأعداء بصدورهم ونحورهم فرحين مستبشرين بما يلقون في ذات الله عز وجل.

ودارت الدائرة على اليهود، فأخرجوا من ديارهم لأول الحشر بعدما أخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. 

وفتحت بلاد الشام - مع ما فتح من البلدان - ورفع الأذان في الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين، وأصبح جزءًا من أرض الإسلام، فيه مثوى الخليل إبراهيم عليه السلام، ومهد عيسى عليه السلام، ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم. 

وبدأت دورة الحياة من جديد، فأصبح المسلمون أهل السيادة والقيادة، وأصبحوا مسؤولين عن حماية الأرض وصون المقدسات، وحفظ الأعراض، والأرواح، والأموال.

وقد وفى رجال الرعيل الأول وصدقوا ما عاهدوا اللّه عليه فصانوا الأمانة ولم يفرّطوا في حفظها، فماذا كان موقف الخلف بعد ذلك يا ترى؟ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [سورة مريم: الآية رقم ٥٩] هانوا على أنفسهم فهانوا على خالقهم، وتخلّوا عن واجبهم فتخلّى اللّه عنهم وسلّط عليهم من هو شرّ منهم، وآل الأمر إلى ما هو مشاهد ملموس.

أين الأقصى الآن؟

إنّ الأقصى جريح طال أنينه واستشرت علته حتّى شملت الأرض المباركة من حولها والمسعفون والأساة معرضون عنه، يشغلهم التّسابق والجري خدمة لأعداء الأمّة والملّة، وتنفيذ رغباتهم، وبذل الكرامة والسّيادة تحت أقدامهم علّهم ينالون من رضاهم ما يسمح لهم بالاستمرار إنّ الأقصى ينادي، وليس ثمّة مجيب ويستجير ولات حين مجيب... خرس القوم فلا ينطقون، وصمّت آذانهم فلا يسمعون طمست منهم الأبصار والبصائر، فلا يرون ولا يعقلون وطمست قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ألفوا الذّل وأدمنوه ورضوا من الغنيمة أن يسلّم لهم بعض ما في أيديهم ليتمتّعوا ويأكلوا:

 أدمت سياط خيزران ظهورهم *** فأدمنوها وباسوا كفّ من ضربا

فهل يجود الزّمان بقائد يجمع الأمّة على الهدى ويقودها تحت راية العقيدة ويجدّد ما انبتّ من ماضي عزّها وسالف مجدها؟

 إنّنا برحمة اللّه وفرجه واثقون، ولنصره وتأييده مؤمّلون ﴿فَإِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (سورة يوسف: الآية رقم ٨٧) ولن تعقم الأمّة -بإذن اللّه- أن تلد مثل خالد، وصلاح الدّين، وإذ ذاك تعود السّيوف نزاريّة عربًا، وفرسانها يطلبون الموت أكثر ممّا يحرصون على الحياة. 

يا ابن الوليد ألا سيف تؤجّره *** فكلّ أسيافنا قد أصبحت خشبًا؟

الرقية الشرعية.. والاستشفاء بالقرآن الكريم

بقلم: محمد سالم

 أجمع المشاركون في ندوة التشافي بالقرآن، على جواز الرقية الشرعية وأكدوا في البحوث وجلسات العمل التي استمرت ثلاثة أيام على أهمية تفعيل التداوي بالقرآن والرقية الشرعية مع وضع الضوابط الكفيلة بعدم استغلال الأدعياء لها لابتزاز الناس. 

المجتمع حضرت مداولات الندوة التي نظمتها مؤخرًا وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت بالتعاون مع الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان واختارت تقديم ملخص لثلاثة بحوث الأول للدكتور عجيل النشمي تحت عنوان ضوابط الرقية والثاني للدكتور فلاح إسماعيل مندكار عن الرقية الشرعية والثالث للدكتور بسام الشطي حول تاريخ الرقية الشرعية. 

الضوابط الشرعية للرقية: 

يقول الدكتور عجيل النشمي إن الرقية الجائزة شفاء سواء من مرض قلبي أو نفسي أو عضوي، وتكون الرقية جائزة بشروط ثلاثة متفق عليها:

١- أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.

٢- أن تكون بلسان عربي أو بما يعرف معناه من غيره، لا بالألفاظ المجهولة التي لا يعرف معناها.

٣- أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بنفسها، بل بفعل الله تعالى، وقال بعض العلماء إن الرقية الشرعية التي يؤمل منها الشفاء بإذن الله هي ما كانت على لسان الأبرار من الخلق والرقية الجائزة شفاء من كل الأمراض القلبية والنفسية والعضوية إذا قدر الله الشفاء بها. 

(لما رواه أبو سعيد الخدري أن جبريل - عليه السلام - أتى النبي ﷺ، فقال: «يا محمد اشتكيت؟ فقال نعم. فقال جبريل - عليه السلام - باسم الله أرقيك»

وقد ثبت في الصحيح جواز الرقية من اللدغة ومن الحمة وهو السم والقرصة والجرح والألم والمصيبة والحزن والعين وغيرها.

وعدد الدكتور النشمي أمورًا كثيرة يسترقى منها ومن أهمها:

ألم المصيبة والحزن وفيه ورد حديث أم سلمة قالت قال ﷺ: «ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أجاره الله في مصيبته، وخلف له خيرًا منها» (أخرجه مسلم) (٩١٨)   

وفي الرقية من الألم العضوي وفيه حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ ألمًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال النبي ﷺ: «ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» (أخرجه مسلم) (٢٢٠٢) قال ابن القيم: ففي هذا العلاج من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته من شر الألم ما يذهب به وتكراره ليكون أنجع وأبلغ كتكرار الدواء لإخراج المادة.

وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها، وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله بالنفث والمسح بيده اليمنى، ويقول: «اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا» (أخرجه البخاري (٥٧٥٠) ومسلم (٢١٩١)) ففي هذه الرقية توسل إلى الله بكمال ربوبيته وكمال رحمته بالشفاء، وأنه وحده الشافي وأنه لا شفاء إلا شفاؤه، فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته. 

وفي الرقية من النملة، وهي قروح تخرج في الجنين ترقى فتبرأ بإذن الله، وسميت بذلك لأن صاحبها يحس في مكانها كأن نملة تدب عليه وتعضه، وتدب وتنتقل من موضع إلى آخر في جنبه كما تدب النملة. عن الشفاء بنت عبد الله قالت: «دخل علي النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟» (عون المعبود ١٣١٤، وأخرجه أحمد والنسائي وأخرجه الحاكم وصححه.(

وفي الرقية من الحمة حديث عائشة رضي الله عنها - أن رسول الله ﷺ رخص في الرقى من كل ذي حمة والحمة هي السم. (أخرجه البخاري (٥٧٤١) ومسلم (٢١٩٣)(

الرقية الشرعية:

وحدد الدكتور إسماعيل مندكار أنواع الرقية من منظور آخر على النحو التالي:

1- أنواع الرقى من جهة متى تقرأ:

أولًا: تقرأ الرقية لدفع البلاء قبل وقوعه عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: «... إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة»

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال في أول يومه أو في أول ليلته: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم - ثلاث مرات - لم يضره شيء في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة.» (رواه أحمد وابن ماجه).

وعن أبي مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه.» (صحيح مسلم)

وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.»

ثانيًا: تقرأ الرقية لدفع البلاء بعد وقوعه وقد تقدم ذكر طائفة من الأحاديث المروية في هذا المعنى في رقية جبريل للنبي ﷺ في مرضه وشكواه، وعن عثمان بن أبي العاص في وضع اليد على موضع الألم بين الجسد ثم القراءة، ونحوها مما يفيد فعل النبي ﷺ ورقيته لنفسه، ورقيته لغيره ورقية غيره له، وترغيب النبي ﷺ في ذلك ووصيته به لمن وجد ألمًا أو نزل به بلاء.

ب- أنواع الرقى من جهة ما يقرأ به:

أولًا: الرقية بالقرآن الكريم قراءة سورة الفاتحة كما في حديث النفر الذين انطلقوا في سفرة وإقرار النبي ﷺ للراقي بقراءة سورة الفاتحة وأنها رقية.

وثبت كذلك أن سورة البقرة رقية ونافعة كما في حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة.» (رواه مسلم (٨٠٤) والترمذي (٢٨٨٦)(

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة.» (رواه مسلم (٧٨٠) والترمذي (٢٨٨٧)(

وثبت كذلك أن قراءة آية الكرسي من الرقى النافعة بإذن الله تعالى كما في حديث أبي هريرة حين كان يحرس الصدقة، وفيه... «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ... حتى تختم الآية فإنه لا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح.» وفيه إقرار النبي ﷺ أنها رقية. (رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن باب فضل سورة البقرة.)

وثبت كذلك أن قراءة المعوذات من الرقى النافعة وتقدم ذكر النصوص الدالة على ذلك من قول النبي ﷺ وفعله ورقية غيره له.

ثانيًا: الرقية بالأدعية والأذكار وقد ثبت ذلك كما في أحاديث وأدعية النبي ﷺ وأمره ووصيته لأصحابه، وقد تقدم ذكر طائفة لا بأس بها منها. 

وخلص الدكتور مندكار في بحثه إلى إباحة وإجازة الرقى واستحبابها على حسب الحاجة إليها ووفق الضوابط الشرعية لاجتناب الوقوع في المحاذير الشرعية من التعلق بغير الله واعتقاد الانتفاع بغيره عز وجل مما هو طريق الشرك الذي هو أعظم ما عصي الله تعالى به.

ومعلوم أن ما كان مباحًا وجائزًا، وربما مستحبًا أيضًا فإن أخذ الأجرة عليه تابع لأصل الفعل، فحكم أخذ الأجرة والتكسب فرع حكم الرقية والتداوي، ولكن ما نشاهده اليوم من كيفيات متعددة تتم بها الرقية وهي قائمة على التفرغ لهذا العمل واتخاذه حرفة ومهنة واشتهار أشخاص يقومون بهذا العمل واشتهار عيادات متخصصة في هذا النوع من التداوي. حتى ازدحم الناس على أبواب هذه العيادات وتعلق كثير منهم ببعض القراء دون النظر والاعتبار بالمقروء، الأمر الذي ترتب عليه كثير من المفاسد، من أهمها:

١- اعتقاد كثير من الناس خصوصية معينة لدى القارئ الذي يزدحم عليه الناس مما يسبب الغلو بالقارئ على حساب المقروء والأصل في الشريعة سد الذرائع التي قد تفتح باب شر وضلال على أهل الإسلام.

٢- عدم ورود مثل هذه الكيفيات، واتخاذ الرقية حرفة عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أهل العلم والفضل رغم أن الرقية مشروعة وجائزة، فالاحتراف بها بدعة لم يسبق لها أصل.

«وجود الحاجة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه والأصل متابعتهم والاقتداء بهم.

- فتح باب شر للقارئ إذا رأى ازدحام الناس عليه فيصاب بالعجب ويظن في نفسه ما فيه فتنتها. وقد تزيد الشيطان في هذه الفتنة حين تنطق وتعلن خوفها وفزعها من هذا القارئ استدراجًا وفتنة له، ورضي الله عن عمر في سده لهذا الباب حين قال: أما علمت أنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع، ولهذا كان لبعض من اشتهر بإجابة الدعوة من السلف يخفون أنفسهم ولم يزدحم الناس على أبوابهم وفي قصة أويس القرني عظة وعبرة في مخافة الفتنة وسد أبوابها ووسائلها صيانة للنفس والدين.

- انتشار هذه الظاهرة في مجتمعاتنا اليوم لما تدره من أموال قد تفتح بابًا للمشعوذين والدجالين وأصحاب النفوس المريضة وطلاب الكسب غير المشروع في فتح عيادات واستقبال الناس والعامة الذين لا يميزون بين الحق والباطل وبين السني والبدعي ولا هم لهم إلا ما هم فيه من أوهام وأمراض»

«يتوهم كثير من الناس أن التردد على هذه العيادات هو طريق الرقية الشرعية فيظل يطلبها ويسترقي غيره، وتتعطل بذلك الطريقة الشرعية وهي رقية الانسان نفسه، والالتجاء بصدق إلى الله عز وجل، الأمر الذي يؤدي إلى تعلق المريض بغير الله ولجوئه إليه واطمئنان قلبه إليه مما ينافي توكله على الله تعالى وحده، ومن ثم ينتقص توحيده أو ينقضه تمامًا.»

«وقد سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في محاضرة له عن فتح عيادات خاصة للقراءة فأجاب حفظه الله: هذا لا يجوز لأنه يفتح بابًا للفتنة، وبابًا لاحتيال المحتالين، وما كان هذا من عمل السلف أن يفتحوا دورًا أو محلات للقراءة، وأن التوسع في هذا يحدث شرًا، ويدخل فيه من لا يحسنه، لأن الناس يجرون وراء الطمع، ويحبون جلب الناس إليهم ولو بعمل أشياء محرمة، ومن يأمن الناس؟

ولا يقال: هذا رجل صالح، لأن الإنسان يفتن والعياذ بالله، ولو كان صالحًا، ففتح هذا الباب لا يجوز ويجب إغلاقه».

«يقول الدكتور بسام الشطي إنه إذا قصد بالرقية الشرعية العلاج من مس الشيطان

ومساعدة المصابين في ذلك فهذا ثابت عن موسى عليه السلام أنه عالج حالات مصروعة بسبب بلاء الجن لأنه يؤذي الإنسان، أما إن كانت الرقية الشرعية شاملة لكل الجوانب فهي ابتدأت في المدينة المنورة وبالتحديد قبيل غزوة بدر لما استغاثوا الله عز وجل فجاءت الإجابة ﴿  أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ (سورة آل عمران: الآية رقم 124)، وأما من ناحية رقية المسلم لأخيه المسلم المبتلى فكانت في عهد الإسلام.»

وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري الذين رقوا بالفاتحة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أدراك أنها رقية» وأذن لهم في أخذ الجعل على شفاء اللديغ بالرقية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم  للشيطان الذي أراد قطع صلاته، «أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله التامة ثلاث مرات» (رواه مسلم من حديث أبي الدرداء).

وهناك علاج بغير القرآن (فقد روى أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث مطر ابن عبد الرحمن الأعنق قال: حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع بن عامر العبدي، عن أبيها أن جدها الزارع انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق معه بابن له مجنون أو ابن أخت له قال جدي فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن ابنًا لي - أو ابن أخت لي - مجنون أتيتك به لتدعو الله له، قال: «ائتني به» قال فانطلقت به إليه وهو في الركاب، فأطلقت عنه وألقيت عنه ثياب السفر وألبسته ثوبين حسنين، وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أدنه مني اجعل ظهره مما يليني»، قال: بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله، فجعل يضرب ظهره حتى  رأيت بياض إبطه ويقول: اخرج عدو الله اخرج عدو الله. فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول، ثم أقعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه، فدعا بماء فمسح وجهه ودعا له، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم له يفضل عليه.»

أما العلاج من جهة المعالج: فيقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (٦٧/٤ - ٦٩) شاهدت شيخنا ابن تيمية، يقول في أذن المصروع ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (سورة المؤمنون: الآية رقم 115)

فقالت الروح نعم ومد بها صوته، قال: فأخذت له عصا فضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يداي من الضرب ولم يشك الحاضرون أنه يموت لذلك الضرب ففي أثناء الضرب قالت: أنا أحبه فقلت لها هو لا يحبك قالت أنا أريد أن أحج به فقلت لها هو لا يريد أن يحج معك فقالت أنا أدعه كرامة لك قال قلت: لا، ولكن طاعة لله ورسوله، قالت فأنا أخرج منه قال فقعد المصروع يلتفت يمينًا وشمالًا، وقال: ما جاء بي إلى حضرة الشيخ قالوا له وهذا الضرب كله؟ فقال: وعلى أي شيء يضربني الشيخ ولم أذنب، ولم يشعر بأنه وقع به ضرب البتة، وكان يعالج بآية الكرسي، وكان يأمر بكثرة قراءتها المصروع ومن يعالجه بها، وبقراءة المعوذتين».

وأخيرًا هناك علاج من جهة المصروع بأن يكون قوة بنفسه وإيمانه ويكون موحدًا ومتوكلًا ومتقيًا ومتوجهًا وعاملًا بأداء الواجب والسنن.

 

واجب الآباء تجاه الأبناء

بقلم: ناجي عبدالله الخرس-  كاتب كويتي

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (سورة التحريم: الآية رقم 6)

(وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري)

والإسلام كما نعلم هو دين وقاية قبل أن يكون دين علاج لذلك نبه إلى خطورة الوراثة والبيئة ودعا إلى وجوب انتخاب الزوج من أهل الصلاح والقوة فإن ذلك أضمن للحصول على ذرية طيبة، كما قال «تخيروا لنطفكم فأنكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم» (رواه البخاري)

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنبه على عقوقه لأبيه، ونسيانه لحقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟

قال بلى قال فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه ويحسن اسمه ويعلمه الكتاب أي القرآن قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي ولقد سماني جعلًا «أي خنفساء»، ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا.

فتلفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إلي تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك» لذلك جاء في الصحيح «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول»

ومن المؤثرات المهمة في تربية الجيل الناشئ القدوة لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه» (رواه البخاري)

معنى الحديث تمكن الناس من الهدى في أصل الخلق بالتهيؤ لقبول الدين فلو ترك عليها استمر لزومها ولم يفارقها لغيرها لأن الدين حسنه مركوز في النفوس وإنما يعدل عنه بآفة من الآفات البشرية والتقليد، والفاء في ‹فأبواه› للتعقيب والتسبب أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه والحاصل أن الإنسان مفطور على التهيؤ بالإسلام بالقوة لكن لا بد من تعلمه بالفعل «فيض القدير».

قال عتبة بن أبي سفيان يوصي معلم أولاده ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عينهم معقودة بعينك فالحسن عندهم ما صنعت والقبيح عندهم ما تركت علمهم كتاب الله ولا تملهم فيه فيتركوه، ولا تتركهم فيه فيهجروه وروهم من الحديث أشرفه ولا تنقلهم من علم إلى آخر حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام من السمع مشغلة في الفهم وعلمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء..... وكن لهم كالطبيب الذي لا يعالج بالدواء قبل معرفة الداء. وكما قال الشاعر:

مشى الطاووس يوما باختيال *** فقلد بعض مشيته بنوه

فقال علام تختالون قالوا *** بدأت به ونحن مقلدوه

شدة تربية السلف لأبنائهم:

قال أبو إسحاق الجبنياني لا تعلموا أولادكم إلا عند رجل حسن الدين فدين الصبي على دين معلمه. 

يقول أبو عبد الله جعفر بن علي قال لي أبي يا بني انظر خمسة لا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا تر معهم في طريق:

الأول: إياك ومصاحبة الفاسق فإنه يبيعك بأكلة أو أقل منها.

الثاني: إياك ومصاحبة البخيل، فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه. 

الثالث: إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب.

الرابع: إياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك

الخامس: إياك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإني وجدته ملعونًا في كتاب الله، يقول تعالى ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (سورة محمد: الآيات 22-23)

وبلغ من اعتناء السلف بالولد أنهم كانوا حريصين على متانة الرابطة بينهم وبين مؤدبيهم فكانوا يحزنون إذا غابوا عن الأولاد فترة من الزمن بسبب من الأسباب، لخوفهم على الأولاد أن لا يؤدبوا على ما يريدون ويشتهون ذكر الراغب الأصفهاني أن المنصور بعث إلى من يحبس من بني أمية من يقول لهم «ما أشد ما مر بك في الحبس؟ فقالوا : ما فقدنا من تربية أولادنا».

أثر صلاح الآباء على الأبناء:

عندما تعجب موسى عليه السلام من فعل الخضر بإقامة الجدار لقرية لم تستضفهما بين له الحكمة من إقامة الجدار فقال له ﴿وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (سورة الكهف: آية رقم 82) يدل قوله تعالى ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ على أن صلاح الآباء له أثر على حفظ الأبناء وصلاحهم فبصلاح الأب ساق الله الخضر ليبني الجدار للغلامين، والقرآن يوحي بهذا كما في قوله تعالى ﴿وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (سورة النساء: آية رقم 9)

قال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. 

قال ابن عباس: الله عز وجل يرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (سورة الطور: آية رقم 21)

نموذج من هذه التربية:

قام أبو اليزيد البسطامي يتهجد بالليل فرآه طفله الصغير فقام بجواره فأشفق عليه أبو اليزيد لصغر سنه من البرد ومشقة السهر فقال له:

«يا بني.. أمامك ليل طويل» فقال له الولد: «ما بالك أنت قد قمت؟» فقال الوالد: «قد طلب مني ربي أن أقوم له». فقال الصبي: «حفظت قوله تعالى ﴿  إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ﴾ (سورة المزمل: آية رقم 20) فمن هؤلاء الذين قاموا مع رسول الله» فقال له: «هم أصحابه»، فقال الصغير: «فلا تحرمني من شرف صحبتك في طاعة الله» فقال أبوه وقد تملكته الدهشة: «يا بني أنت طفل لم تبلغ الحلم بعد» فقال الغلام: «يا أبت لقد رأيت أمي توقد النار تبدأ بصغار الحطب قبل الكبار، فأخشى يبدأ الله بنا قبل الكبار إن أهملنا في طاعته»، فانتفض الأب يبكي من خشية الله فقال: «قم يا بني فأنت أولى بالله من أبيك».

نعم أيها الآباء وأيها الأمهات إذا أردتم جريان الأجر بعد موتكم فاتركوا بعد حياتكم الولد الصالح الذي يدعو لكم كما قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». (رواه مسلم والبخاري)، في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ترفع للميت بعد موته درجة فيقول أي ربي أي شيء هذا؟ فيقول له: ولدك استغفر لك.

يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ (سورة يس: آية رقم 12)

التفسير: نكتب ما قدموا أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والفاسدة وآثارهم ما أبقوا من حسنات لا ينقطع نفعها بعد الموت كمن سن سنة حسنة وتعليم العلم والوقف على القرب وعمارة المساجد أو العكس كمن سن سنة سيئة وأحدث البدع وابتدع المظالم.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علمًا علمه ونشره أو ولدًا صالحًا تركه أو مصحفًا ورثه أو مسجدًا بناه أو بيتًا لابن السبيل بناه أو نهرًا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» (رواه ابن ماجه بإسناد حسن، والبيهقي، ورواه ابن خزيمة في صحيحه مثله إلا أنه قال «أو نهرًا كراه» يعني: حضره ولم يذكر المصحف).

المسؤولية الفردية

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ  (سورة الكهف: آية رقم (٢٩).

إنها مسؤولية الإنسان كل إنسان أن يحدد موقفه ويتخذ قراره قبل موته، فإن اختار الكفر فليفعل ما يشاء وليستغل كل وقته في متع الدنيا لأنها جنته وليرتكب ما شاء من المحرمات لأنه لن يسأل عن ذنوبه يوم القيامة ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (سورة القصص: آية رقم 78) (فما فائدة سؤالهم إن كان مصيرهم إلى النار، ولن يقبل منهم عذر ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (سورة المرسلات: آية رقم 78) أما إن اختار الإنسان أن يكون مؤمنًا.

فعليه مسؤوليات وواجبات عليه القيام بها بنفسه ولا يغني عنه أن يقوم بها أحد عنه كائنا من كان فهذا محمد عليه الصلاة والسلام يقول لابنته فاطمة «يا فاطمة اعملي فإني لن أغني عنك من الله شيئًا»

فقد حملها مسؤوليتها، وإلا لكان تركها تقصر في واجباتها ووعدها بأن يشفع لها عند الله.

المسؤولية الأولى: وأول مسؤوليات المؤمن أن يعرف إيمانه الحق الذي يقبله الله، حتى لا يزين له الشيطان إيمانًا منحرفًا فيظن أنه مؤمن، وهو بعيد كل البعد عن حقيقة الإيمان وعن عمل المؤمنين وهذا يدعو كل مؤمن أن ينهض إلى منهاج الله ليعرف حقيقة الإيمان ويعرف مسؤولياته من خلاله، فإذا صدق إيمانه وكان همه الأكبر في الدنيا أن يكون إيمانه، فعليه أن ينطلق في طريق مستقيم إلى الجنة، أن ينطلق إلى موعده مع الله وعليه أن لا يشغله أي شيء عن موعده هذا، فلو أن إنسانًا كان على موعد مع آخر وذهب لهذا الموعد ثم لقيه صديق له في الطريق ودعاه إلى وليمة أو جلسة في مقهى أو ما شابه أيذهب مع صديقه أم يتركه وينطلق إلى موعده؟، وكذلك المؤمن الذي هو على موعد مع ربه أيدع أي شيء من زخرف الدنيا يشغله عن موعده؟

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (سورة الكهف: آية رقم 110) ثلاثة شروط النية، الإيمان، العمل الصالح، لن يتحقق لقاء الله إلا بها وانظر إلى الآية الأخرى ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (سورة الإسراء: آية رقم 19) نفس الشروط السابقة للقاء الله.

المسؤولية الثانية: أن يعرف الطريق المستقيم من منهاج الله أيضا، حتى لا تضل به السبل وحتى لا تشغله الدنيا عن الآخرة، لأن مسؤولية الإنسان أن يحدد ماذا يريد أيريد الدنيا أم يريد الآخرة؟ فهو صاحب القرار وهو الذي يتحمل مسؤولية اختياره ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (سورة آل عمران: آية رقم ١٥٢) من أراد الآخرة بينا شروط ذلك، أما من يريد الدنيا، فليس بحاجة لأكثر من الإرادة ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ (سورة الإسراء: آية رقم۱۸) هنا فقط شرط النية، وليس مطلوب لها إيمان وعمل صالح. ولكن نهاية طلبه هذا النار.

المسؤولية الثالثة: أن يعلم علم اليقين أن ما يقوم به من إيمان، وعمل، هو المستفيد الأول والأخير منه لأن الله ليس بحاجة إلى عمله، وليس الأمر كذلك في الدنيا، لأن الله سخر الناس بعضهم لبعض فكما أنك تستفيد من عملك، فإنك كذلك تفيد غيرك وأسوأ ما فيها أن تكون مستعبدًا من غيرك فتعمل له بدون مقابل، وتعمل له دون اختيار منك أما عند الله ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (سورة الزلزلة: آية رقم 7) فيبادر المؤمن إلى العمل الصالح وهو موقن أنه هو المستفيد، ولذلك فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يستغل الناس ويجبرهم على الأعمال وعلى الجهاد، بل كان يحثهم ويبين لهم فضل ما يقومون به، فكانوا يتسابقون لذلك حتى أنه ترك المتخلفين عن الجهاد ولم يقدمهم إلى محكمة عسكرية كما يحدث اليوم لأنهم يجاهدون لأنفسهم وليس لغيرهم كما هو الحال اليوم

﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ (سورة العنكبوت: آية رقم 6) فعمل المؤمن يكون له، وكذلك ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (سورة لقمان: آية رقم 12).

وكذلك الذي يرتكب الإثم لا يضر إلا نفسه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (سورة فصلت: آية رقم 46) ، ومسؤولية الإنسان أن يختار بين أن يكون عدوًا لنفسه بالكفر وعمل السيئات أو أن ينفعها وينقذها من عذاب الله لأن كل نفس ستحاسب عن نفسها، ولن تزر وازرة وزر أخرى، فلينظر كل منا من يوالي ومن يتابع ومن يسير معه ومن يصاحبه،﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (سورة القيامة: آية رقم 14) ولن ينفع يوم القيامة مجادلة ودفاع عن الغير ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ (سورة النساء: آية رقم 109) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ (سورة الحشر: آية رقم 18).

لا نريد أن يفهم من هذا أن الإنسان المؤمن يعمل لنفسه بعيدًا عن إخوانه المؤمنين وإنما نذكّر بقضية مهمة نسيها المسلمون أو تناسوها وعملوا على تحميل المسؤولية للآخرين ونسوا مسؤوليتهم الفردية في الدنيا والآخرة، وحملوها لغيرهم جهلًا منهم، وحملها غيرهم نيابة عنهم جهلًا منهم أيضًا، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يتحمل مسؤولية ابنته فكيف تتحملون مسؤولية الآلاف وتقولون لهم نحن نفكر عنكم ونحن نخطط عنكم وما عليكم إلا الاتباع والتصفيق، فهل فكر الأتباع والمتبعون بمسؤولياتهم الفردية وحدودها كما بينها الله؟.

إن القيام بالمسؤولية الفردية بالنسبة للفرد المؤمن هي الخطوة الأولى على طريق بناء الأمة المسلمة الواحدة وليست دعوة إلى الأنانية والفردية.

محمد طالب

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل