; المجتمع التربوي (عدد 1428) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (عدد 1428)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-2000

مشاهدات 66

نشر في العدد 1428

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 28-نوفمبر-2000

لا تنسي أيام الطين 

جاء في ترجمة الرميكية زوجة المعتمد ابن عباد أحد ملوك الدولة الأندلسية أنها رأت الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي في الطين فأمر المعتمد فسحقت أشياء من الطيب وذرت في ساحة القصر حتى عمته ثم نصبت الغرابيل وسب فوقها ماء الورد على أخلاط الطيب، وعجنت بالأيدي حتى عادت كالطين، وخاضتها مع جواريها ثم غاضبها المعتمد يومًا فأقسمت أنها لم تر منه خيرًا قط فقال ولا يوم الطين؟! فاستحيت، واعتذرت!

 لا بد من الاختلاف بين الزوجين، فالاختلاف سنة ماضية، وقد يصل أحيانًا إلى درجة اللاعودة، ولكن العاقل من الطرفين من يتذكر الأيام الجميلة والصفات الحميدة، فيهب هذه لتلك، وتمضي الحياة بالتغافر والتجاوز.

فلا ينبغي أن يكون بين الزوجين روح الانتقام أو إثبات الشخصية أو نسيان المعروف.

وما أجمل توجيه نبينا محمد لنا عندما قال في الحديث الذي رواه أبو داود بإسناد صحيح «لا يفركن مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها غيره».

أي: لا يظلمن مؤمن مؤمنة، فإن ساءه منها خلق فليتذكر أخلاقها الأخرى حتى يبقيها، ويتجاوز عن خطئها.. فلنْ يجد زوج زوجة من غير عيوب كما لن تجد زوجة زوجًا من غير عيوب ولا كامل إلا الله تعالى.

فلنتذكر الأيام الجميلة عند خلافنا ولنتذكر الأخلاق الجميلة عند غضبنا، حتى تهدأ النفوس وتأتلف من جديد.

أبو خلاد

إلى أخي في الله:

هل أنت صادقٌ في أُخوتَّي؟

أأنت صادق – يا أخي – في أخوُتك لي أم أنها مجرد شعارات لا مكان لها في واقعنا؟!

إذا كنت صادقًا، بل إذا كنت من المؤمنين الذين لا يعدون مؤمنين إلا بأخوتهم كما قال عز وجل ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ﴾ (سورة الحجرات أية۱۰) فإني أسألك يا من تناديني به يا أخي:

• إن من علامات صدق إعانتك إيايَّ على طاعة الله وعبادته، والتقرب إليه – جل شأنه– كما كان الصحابي يقول لأخيه: «يا أخي اجلس بنا نؤمن ساعة»، فهل أنت – أيها الأخ – تجذبني معك إلى الأعلى؟ 

• إن خير الأصحاب – يا صاحبي – من إذا نسيت ذكرك، وإذا ذكرت أعانك، فهل أنت لي خير صاحب؟!

• إن الوقت هو الحياة، فهل أنت حريص على حياتي، لماذا عندما أزورك أو تزورني لا تفيدني بنصيحة، بعلم نافع؟ 

• إن الواجبات – أخي – أكثر من الأوقات، فلا تكنْ سببًا في ضياعي. 

• هلا حرصتّ –يا أخي– على مشاعري - لماذا لا أراك تناديني بأحب الأسماء إلىَّ؟ أليس هذا حقوقي عليك كما علمنا ذلك ديننا؟ 

• هل أنت يا أخي تشاركني سرَّائي وضرَّائي؟

إنني أزداد حزنًا كلما مرضتُ وأراني اتفقد وجوه زواري بحثًا عنك فلا أجدك بينهم من الذي سيساعدني ويعينني إن لم تكنْ أنت - يا من تدعوني بأخي.

 اسمع معي قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلِّي أجد في قلبك رقة وحنانًا: «من نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً مِن كُربِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ، ومن سَترَ على مُسلمٍ في الدُّنيا سترَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ، واللَّهُ في عونِ العَبدِ، ما كانَ العَبدُ في عونِ أخيهِ» رواه مسلم عن أبي هريرة. 

وفي مسند أحمد عن ثوبان عن النبيr: «مَن عادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ في خُرْفَةِ الجَنَّةِ، قيلَ يا رَسولَ اللهِ، وما خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قالَ: جَناها». 

وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَو زَارَ أَخًا لَهُ فِي الله، نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً».

وفي مسند أحمد عن عليّ قال: سمعت رسول الله r يقول: «من عاد مريضًا بكرًا شیعه سبعون ألف ملك كلهم يستغفر له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة، وإن عاد مساء شيعه سبعون ألف ملك كلهم يستغفر له حتى يصبح وكان له خريف في الجنة».

•إذا قُدر الله لك – يا أخي – وكنت رئيسًا لي في عملي، فأنت مسؤول عني وعليك حق الوالد بالعاطفة القلبية، وحق الشيخ بتربيتنا إيمانيًا، ومتابعتنا في ذكرنا لربنا وعليك حق الأستاذ بإفادتنا وتحملينا الخير، وعليك حق القائد بالسير بنا إلى طريق الفلاح، ولك منا كل توقير واحترام.

وأذكرك – أيها الرئيس – بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يقول لنفسه: «عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ، والله لتتقين الله أو ليعذبنك». وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله r يقول في بيتي هذا «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فأشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به». 

أخيرًا: من تدعو لي يا أخي بظهر الغيب أرجوك لا تنسنى عند الغروب واذكرني في دعائك عسى الله أن يجمع بيننا في الجنة، كما جمعنا في الدنيا، وسوف أدعو لك بكل ما أحبه، ففي صحيح مسلم عن أم الدرداء قالت: حدثني سيدي أنه سمع رسول الله r يقول: «من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به أمين ولك بمثل».

أسامة علي متولي 

قيام رمضان غير محدد بعدد من الركعات

مما يتنازع حوله المسلمون في رمضان عدد ركعات صلاة التراويح، فأتباع المذهب الحنفي والشافعي يرون أن السنة الثابتة بعمل الصحابة والتابعين الصلاة بعشرين ركعة، بينما بعض أتباع المذهب المالكي وأتباع المدرسة السلفية المعاصرة يرى أن السنة الثابتة هي ثماني ركعات بناءً على حديث عائشة رضي الله عنها. لهذا السبب أحببت أن اكتب هذه الرسالة مستدلًا بنقولات الشيخ ابن تيمية لعلها تكون سببًا في تقليل الخلاف، وجمع قلوب المسلمين في هذا الشهر المبارك.

يقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: ج2 ص٢٥٠ ٢٥١ «دار الكتب العلمية» الطبعة الأولى:

وَيُشْبِهُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ تَنَازُعَ الْعُلَمَاءِ فِي مِقْدَارِ الْقِيَامِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كَانَ يَقُومُ بِالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةً فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ. فَرَأَى كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ. وَاسْتَحَبَّ آخَرُونَ: تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً؛ بُنِيَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْقَدِيمُ. وَقَالَ طَائِفَةٌ: قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً». وَاضْطَرَبَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْأَصْلِ، لَمَّا ظَنُّوهُ مِنْ مُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَمَلِ الْمُسْلِمِينَ؛ (أي صلاتهم بعشرين ركعة خلافًا للحديث) «ما بين الشارحتين زيادة مني التوضيح».

وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعَهُ حَسَنٌ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّتُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ عَدَدٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا عَدَدًا، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا، بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُطِيلُ الْقِيَامَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِالْبَقَرَةِ، وَالنِّسَاءِ، وَآلِ عِمْرَانَ، فَكَانَ طُولُ الْقِيَامِ يُغْنِي عَنْ تَكْثِيرِ الرَّكَعَاتِ» . وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لَمَّا قَامَ بِهِمْ. وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ - لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُطِيلَ بِهِمْ الْقِيَامَ، فَكَثَّرَ الرَّكَعَاتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ ضِعْفَ عَدَدِ رَكَعَاتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُومُ بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ النَّاسُ بِالْمَدِينَةِ ضَعُفُوا عَنْ طُولِ الْقِيَامِ فَكَثَّرُوا الرَّكَعَاتِ حَتَّى بَلَغَتْ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ. «انتهى كلام ابن تيمية».

وقال الإمام ابن تيمية في موضع آخر: وَالتَّرَاوِيحُ إنْ صَلَّاهَا كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ: عِشْرِينَ رَكْعَةً أَوْ: كَمَذْهَبِ مَالِكٍ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ فَقَدْ أَحْسَنَ.

كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ فَيَكُونُ تَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ وَتَقْلِيلُهَا بِحَسَبِ طُولِ الْقِيَامِ وَقِصَرِهِ، «الفتاوى الكبرى ج٥، ص ٢٤٣ دار الكتب العلمية الطبعة الأولى».

لقد بين الشيخ ابن تيمية رأيه ورأي إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد في صلاة التراويح:

١- أن الخلاف قديم.

٢- أن قومًا اضطربوا من فعل الصحابة وعمل المسلمين المخالف لحديث عائشة الذي ينص على أن صلاة الرسول r ثماني ركعات.

٣- أن من صلى ثمانيًا أو عشرين أو ستة وثلاثين فقد أحسن وأصاب السنة.

٤- أنه لم يتوقت في قيام رمضان عدد مؤيدًا ذلك برأي إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد. 

٥- أن عدد الركعات حسب طول القيام وقصره.

وبعد هذا التوضيح قد يقول قائل: إن هذه الروايات عن الصحابة ضعيفة فنقول إنها ضعيفة وليس فيها العمل حسب اجتهاد عالم معاصر، وأما حسب اجتهاد جمهور علماء الأمة فإنها ثابتة وعليها العمل فجميع البلاد الإسلامية تجد فيها من يصلي عشرين ركعة وتجد فيها من يصلي ثمانية أو ستة وثلاثين ولم ينكر عليهم أحد من العلماء.

والأجدر بنا – في هذا الشهر المبارك – أن نقر الخلاف في المسألة، ومن أراد أن يصلي عشرين فليصل، ومن أراد أن يصلي ثمانية فليصل، ومن أراد المزيد فليزد، ولتتجه الجهود لتوحيد الصفوف. 

وبالمناسبة قد يقول قائل: إن هذا الكاتب بريد أن يجمع الناس ويوحدهم على غير هدى ورسوله r وهنا: إن ما أوردته هو ما عليه العلماء على مدى التاريخ مؤيدًا ذلك بما قالة المرجع الأساسي للدعوة السلفية، فمن أراد أن يخطئني فليخطئ أولًا الإمام أحمد والإمام ابن تيمية والذي أؤمن به أن الإجماع على أمر فرعي أمر متعذر وعلى الناس أن يبحثوا عن الحاكم الذي يفصل في كثير من المسائل الخلافية كما قال الإمام حسن البنا رحمه الله وأن الحفاظ على وحدة المسلمين مقدم على القيام بسنة، لأن وحدة المسلمين فرض واجب لا يختلف فيه اثنان، وإقامة الفروض مقدم على إقامة السان، ولهذا قال الفقهاء لا ينكر المختلف فيه، ولهذا يجوز للمسلم أن يتنازل عن رأي فقهي يؤمن بصوابه من أجل رأي آخر يجمع المسلمين ويمنع تفرقهم، وهناك الأدلة من ابن تيمية يقول: 

وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتْبَعَ إمَامَهُ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، فَإِذَا قَنَتَ قَنَتَ مَعَهُ، وَإِنْ تَرَكَ الْقُنُوتَ لَمْ يَقْنُتْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - r- قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَقَالَ: «لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ». وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: «يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ، وَعَلَيْهِمْ». أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَرَأَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِسُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَطَوَّلَهُمَا عَلَى الْأُولَيَيْنِ: لَوَجَبَتْ مُتَابَعَتُهُ فِي ذَلِكَ. فَأَمَّا مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ فَإِذَا قَنَتَ لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُسَابِقَهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ مُتَابَعَتِهِ، وَلِهَذَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى عُثْمَانَ التَّرْبِيعَ بِمِنًى، ثُمَّ إنَّهُ صَلَّى خَلْفَهُ أَرْبَعًا، فَقِيلَ لَهُ: فِي ذَلِكَ؟، فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ. وَكَذَلِكَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ وَقْتِ الرَّمْيِ، فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ إمَامُك، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

«الفتاوى الكبرى ج٢ ص ٢٥٢ دار الكتب العلمية الطبعة الأولى».

من هذا الكلام نفهم أن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – عَمِلَ بخلاف اجتهاده الفقهي المستقي من رسول الله r، والذي يقول بصلاة ركعتين قصرًا، وعَمِلَ بفهم عثمان بن عفان –رضي الله عنه– السنة بعد أن أنكر عليه في أوّل الأمر. حفاظًا على وحدة الأمة، وكذلك تفهم من عمل الصحابي الجليل أنس بن مالك عندما أفتى الرجل بخلاف ما أوصاه به وذلك من قوله: «أفعل كما يفعل إمامك الفتاوى» الكبرى ج ٢ ص ٢٥٢ دار الكتب العلمية الطبعة الأولى». 

وبعد هذا ننصح كل مسلم من الوحدة المسلمين أن يتمسك بالقاعدة العامة عند العلماء «لا يذكر المختلف فيه» وأنصح كل مسلم صادق بأن يستمسك بقول العالم الجليل الإمام حسن البنا مخرج الأمة في عصره من دائرة الخلاف الذي نصه:

«والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين، ولا يؤدي إلى خصومة ولا بقضاء ولكل مجتهد أجره ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجرَّ ذلك إلى المراء المذموم والتعصب».

خالد الطاهر- كندا

نعوذُ بالله من علم عاد كلًّا وأورثَ ذُلًّا

لماذا أحرق أبو حيَّان التوحيدي كتبه؟!

في رمضان عام ٤٠٠هـ، كتب أبو حيان التوحيدي رسالة يرد فيها على خطاب صديقه أبي سهل عليّ بن محمد الذي لام فيه على إحراق كتبه. 

في تلك الرسالة يذكر أبو حيان أن من قام به من إحراق لكتبه لم يكنْ هينًا عليه وإنما كان عملًا مكرهًا لديه، مضطرًا إليه وأنه لم يكن ليقدم على ما أقدم عليه إلا بعد أن فكَّر كثيرًا، وقدْ أخذ منه ذلك أياما وليالي، يقلب الأمر على وجوهه، واستخار الله عز وجل في ذلك.

يقول لصديقه في الرسالة: فليهنْ عليك ذلك فما انبريت له واجترأت عليه حتى استخرت الله عز وجل أيامًا وليالي، وحتى أوصى إليَّ فيه في المنام بما بعث راقد العزم، وأحيا ميت الرأي فاعتزمت تنفيذ ما وقع فيَّ الروع وتربع في الخاطر.

واسترسل التوحيدي قائلًا:

«العلم – أحاطك الله – يراد للعمل كما أن العمل يراد النجاة، فإذا كان العمل قاصرًا على العلم كان العلم كلاًّ على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلًا، وأورث ذلًا وصار في رقبة صاحبه غلًا «معجم الأدباء لياقوت الحموي».

والسبب الآخر الذي يذكره أبو حيان لحرق كتبه هو أنه لم يكن له ولد يورثها له، أو صديق عزيز يستفيد منها.

ومما ذكره أبو حيان صراحةً عن فقره أن ألفونس الفيلسوف قال له يومًا: «ما ظننت أن الدنيا ونكدها تبلغ من الإنسان ما بلغ مني، إن قصدت دجلة لاغتسل فيها نضب ماؤها! وإن خرجت إلى القفار لأتيمم بالصعيد عاد صلدًا أملس».

فقال أبو حيان: «ما أعرف لك شريكًا فيما أنت عليه وتتقلب فيه وتقاسيه سواي ولقد استولى علىَّ الحرمان وتمكن مني نكد الزمان إلى الحد الذي لا استرزق مع صحة نقلي وتقيد خطي، وتزويق نسخي، وسلامته من التصحيف، والتحريف، مثل ما يسترزق البليد الذي ينسخ ويمسخ الأصل والفرع».

مساعد بن سعدون أبو غازي 

تراويح.. ذكرى وشذى

إيه يا مكرمة... يا نفحات أيام الله ويا نسيم الطاعة الكريمة، ويا شذى البطولات التي أخضعت الكفر لدين الله. 

تراويح.. أهديها للصائمين في شهر رمضان من – قلب قلبي – ذكرى لما كان.

كنت أتأمل في جنبات المسجد الحرام اتفيأ رحابه وفؤادي الولهان ليس له قرار، تارة يرنو إلى الروحانية التي تسري في النفوس ويسوقها الإيمان بطهارة تلك البقاع، وأخرى تراه يهفو إلى «كعبتنا الغراء؛ حيث الطائفون والعاكفون والركع السجود والأريحية المبهجة التي تخترق كل قلب يبصرها، وتارة أشعر بأن الخيال قد هرول بالفؤاد على أشواط الصفا والمروة، وأحيانًا أجده سالمًا مع قطرات زمزم أو منقادًا إلى الصوت القرآني الدافئ والمتدفق من جنبات هذا البيت العتيق.

وفجأة تجاوز الخيال حدود المكان حتى أتي بقاصمة الظهر، فقد سرى في الخيال إلى ما لا أريد، نعم إلى ما لا أريد لقد انساب مع رياح النصر التي ذهبت به نحو غزوات المجد الرسول r وجنده عندها أيقنت أن وقت الدموع قد حان بعد تجلد وصبر. 

رباه أيهنأ القلب بنصر مضى وهو يعيش في عصر الهزيمة والخنوع وحيث الذلة والمهانة تلويان أعناق المسلمين ونحن بجوار بدر الكبرى؟!

 تكبدت هذه الذكريات كأن «صخور أحد» علت كتفي، لكن عزائي لنفسي كان: إن للحوادث عظات وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وإن في غزوات المجد السالفة بشارات بنصر مرتقب فلم الدموع يا فتي؟

 رحت أناجي أطياف ذلك الجبل: «بالله يا جبل أحد كيف التقى الجمعان وماذا أوصى القائد المظفر؟ وما عقبى عصيان أوامره؟ وأين موقع حمزة وأين أريقت هاتيك الدماء الغوالي؟

 حدثنا –أيها الجبل الهمام – فإنا نتوق للصدق في زمن كثر فيه الكذب وإنَّا فقدنا سيرة الأبطال في زمن التذلل للعبيد. 

بعد هذا كله أحسست أن الإطراق والتفكير قد سئما مني بحق! وكعادته، بلا وداع باغتني بالفراق، وأعادني للناس مرة أخرى، أتلفت يمنة ويسرة، فلم أجد من أحدثه، لملمت حاجاتي ومضيت وحدي مرتلًا قوله تعالي ﴿تِلكَ أُمَّة قَد خَلَت لَهَا مَا كَسَبَت وَلَكُم مَّا كَسَبتُم وَلَا تُسـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعمَلُونَ﴾ (البقرة: 134).

كل ما في تلك الديار يذكر بصفاء السنين الخوالي صدقت يا رسول الله فإن خير القرون قرنك كلمات لا نسأم من تكرارها: «المداومة على الخير قرب الشهور واحد، والأعمال بالخواتيم».

 ويرحل شهرنا العزيز، فنأسى على فراق ضيفٍ كريم، وعلى صوت تكبيرات الفطر يحل ضيفًا أنه أشهى من الماء البارد على الظمأ فتأنس به القلوب وهكذا تدور بنا الأيام وليس لنا إلا أن نقول ماضي فينا حكم الله عدل فينا قضاؤه.

 فإلى المسلمين جميعًا في ثغراتهم المختلفة سوف نتذكر أمجادنا بلا دموع، بل نحيلها إلى شموع تقودنا إلى النصر بإذن الله.

لَولا المَشَقَّةُ سادَ الناسُ كُلُّهُمُ

الجودُ يُفقِرُ وَالإِقدامُ قَتّالُ

زكي بن صالح الحريو

مع نفحات رمضان 

أخي الحبيب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

أيُّ دفء هذا الذي يأخذني إليك عبر النسمات الإيمانية الشقيقة أي روضة تلك التي تغمرنا بظلالها، نمضي معها إلى مروج الصالحات في هذا الشهر العظيم ﴿شَهرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلقُرءَانُ هُدى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلهُدَىٰ وَٱلفُرقَان﴾ ( البقرة أية۱۸۰)، أي باب ذاك الذي يوصلنا إلى نضرة النعيم، وإلى الرحيق المختوم بختام من مسك؟! ذلك باب الريان - يا أخي في الله يفتح: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُون﴾ (سورة المطففين أية ٢٦).

ثم ألا ترى في دعوتنا أن علينا أن نصقل مرآة حواسنا لنلتقط صورًا حية من جمال الكون الرباني حولنا؟ اليس ينبغي أن نجاهد أنفسنا ليظل كيان الطاعات متماسكًا عصبًا على ضروب المغريات؟ أما نحتاج تلك القوى الكامنة فينا هذه الأيام إلى إعادة تنظيمها واستثمارها كيف لا نشعر – أيها الغالي – بان هتاف الحق يحلق بنا في فضاء الأوابين؟! أما أن لنا أن نزكي جوارحنا ونحنو عليها الآن من ركام المعاصي، فتقطف الاستغفار باقات ندية مزهرة، فقد كان سيد البشرية r يستغفر أكثر من سبعين مرة؟!

 أما أن لنا أن نسكب أشواقنا الروحية في آفاق الذاكرة أحرفًا مضيئة؟!.

محمد شلال الحناحنة 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 102

103

الثلاثاء 30-مايو-1972

ذر غير الله

نشر في العدد 409

76

الثلاثاء 22-أغسطس-1978

أعمدة المجتمع (العدد 409)