; المجتمع التربوي (1615) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1615)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 27-أغسطس-2004

مشاهدات 73

نشر في العدد 1615

نشر في الصفحة 54

الجمعة 27-أغسطس-2004

مقاصد الشريعة العشرة في العناية بحفظ القرآن الكريم

د. علي محيي الدين القره داغي (*)

(*) رئيس قسم الفقه والأصول. جامعة قطر

يكفي القرآن الكريم في فضله أنه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد، وإنه يكفي لنا أن نلهج ونتشرف بالتلفظ بكلام الله، ومع ذلك فقد ورد في فضله أحاديث كثيرة، بل عقدت لفضائله كتب كما في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، والدارمي، وغيرها، ولذلك لن أقف عند هذه الفضائل المعروف أكثرها إن لم يكن كلها لدى القراء، وإنما أذكر معالم مهمة وخواطر تتعلق بمقاصد الشريعة من العناية بحفظ القرآن الكريم وهي:

أولًا: مسؤولية الأمة في تحمل دورها نحو كتاب الله العزيز في حفظه والحفاظ عليه على مر العصور بجميع الوسائل المتاحة.

ثانيًا: الحفاظ على جميع ما يتعلق بالقرآن الكريم من حيث حروفه، وكتابته وإعرابه وبناؤه وحركاته وسكناته، وقراءته المتواترة وغير المتواترة، وأوجهه الكثيرة، وكل ما يخص شكل القرآن الكريم، حتى إن الإنسان ليستغرب من العلوم التي ابتكرها المسلمون لأجل ما يخص لفظ القرآن الكريم، من علوم النحو والصرف والبناء والبيان والبديع والمعاني أي علوم البلاغة والإعجاز اللفظي والنظمي، وما يتعلق بأوائل السور والآيات، وأواخر السور وأوائل الآيات والربط بينها من خلال السياق واللحاق، واستنباط الكثير والكثير من كل حرف وكلمة ومن كل نظم أو سباق أو لحاق.

ثالثًا: الحفاظ على هذا الدستور الإلهي العظيم الخاتم المحفوظ غضًا طريًا كما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كانت الكتب المنزلة تحرف بعد فترة من الزمن كما حدث للتوراة والإنجيل وجميع الكتب السابقة على القرآن الكريم، وحينئذ يبعث الله تعالى في كل فترة رسولًا ومعه كتاب أو صحف منزلة من عند الله فيعيد الناس إلى الحق فلم تكن المشكلة مستديمة ولكن لما جعل الله القرآن الكريم خاتم الرسالات ومكملها ومتممها، وجعل رسوله محمدًا خاتم الأنبياء والمرسلين ختمت به الرسالات ختمًا لا فتح بعده، وحينئذ لو حدث أي تحريف يكون إلى الأبد. لذلك تكفل الله تعالى بذاته العلية بحفظ هذه الرسالة الخاتمة القرآن، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾ (القيامة: 16-19).

ولكن مع هذا القدر الإلهي بحفظه الذي لا يرد، أمر الله الأمة ببذل كل جهودها للحفاظ على القرآن الكريم، فكانت الأمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس جديرة بهذا التكليف والتشريف، فقامت بواجبها جيلًا بعد جيل إلى أن جاء جيلنا جيل العلم والتقدم التكنولوجي، وثورة الاتصالات والمواصلات فاستغل هذا التقدم العلمي لحفظ القرآن الكريم من خلال التسجيل والفيديو والتلفاز والإنترنت ونحوها، وانتشرت مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وكثر القراء وحفظة القرآن الكريم.

رابعًا: إن من أهم مقاصد الشريعة أيضًا فهم القرآن الكريم والتفقه فيه، وتديره، حيث يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص:29)، فالتدبر في آيات القرآن الكريم والتذكر والتفكر فيه من أهم مقاصد نزوله جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24)، وقد فسر بعض السلف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269)، أي بفهم القرآن.

ولذلك يجب ألا يقتصر دورنا وعلاقتنا بالقرآن عند حفظ القرآن الكريم، وإنما يصاحبه التدبر والتفكر والتذاكر والفهم العميق والفقه الدقيق من خلال فهم كلماته والاستنباط من آياته وأخذ العظة والاعتبار من قصصه وحكمه، ولذلك وصفه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم أن هذا القرآن حبل الله، والنور والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه ... ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد...» «الدارمي 1/310»، وروى الدارمي بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي وصف القرآن بأنه: «كتاب الله.. فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق من كثرة الرد، هو الذي من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

خامسًا: لا ينبغي الاكتفاء بالتعلم، وإنما الخيرية تتحقق بالشق الثاني وهو التعليم، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».

سادسًا: تعاهد القرآن الكريم بالتلاوة المستمرة وعدم نسيان ما حفظه فلا ينبغي نسيان ما حفظه

سابعًا: الدعوة بالقرآن والتبشير به كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122).

ثامنًا: أهمية العمل بالقرآن فهو كتاب هداية وعمل وتطبيق، لذلك كان وصف عائشة للرسول صلى الله عليه وسلم «كان خلقه القرآن».

تاسعًا: عدم الإفتاء في أمور الدين بمجرد الحفظ والقراءة، لأن الفتوى لها شروطها وضوابطها، لأنها توقيع عن رب العالمين بالحل أو الحرمة، ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وجعل كثرة القراءة دون الفقه من علامات الساعة في أحاديث كثيرة، وتترتب عليها أخطار كبيرة، ولذلك عقب الله تعالى على الأمر بالقراءة بالعلم فقال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ (العلق: 3-5)، فلا ينبغي الاكتفاء بالقراءة، بل لابد أن يعقبها العلم، وعلى الأقل إذا لم يتحقق العلم والفقه فلا يجوز الإفتاء بمجرد القراءة، ولا يحكم على الناس بمجرد الحفظ.

ومن هنا كان تفسير الإمام الشافعي للحديث الصحيح الذي يقول بشأن المستحق للإمامة «يقدم الأقرأ» فقال الشافعي: كان الأقرأ من الصحابة هو الأفقه، وهذا يؤكده حديث ابن عمر رضي الله عنه في وصف الصحابة بأنهم «ما كانوا يتجاوزون عشر آيات إلا بعد فهمها ووعيها والعمل بها».

ومن الجانب التطبيقي لم يكن ينفع هؤلاء الذين خرجوا على سيدنا علي رضيالله عنه وحكموا عليه وعلى أتباعه بالكفر لم ينفعهم الحفظ والقراءة والتدين كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «يحتقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصومه عند صومهم ولكنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» فهذا أكبر دليل على أن الحفظ وحده والقراءة وحدها لا تكفي بل لابد للفتوى والحكم على الناس من الفقه الشرعي بالنصوص والدلالات ومقاصد الشريعة وغير ذلك، وإلا تكون النتيجة وخيمة وللسبب نفسه أمرنا الله تعالى بالعلم بالشهادة وليس مجرد النطق بها فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (محمد: 19).

عاشرًا: الالتزام بآداب حفظ القرآن الكريم وآداب التعلم والتعليم مع أهل العلم والناس أجمعين.

هذه هي مقاصد الشريعة العشرة في الحفظ والقراءة.

 

بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين

حفيظ عبد الرحمن الأعظمي

إن سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير اقتضت أن البناء السليم المتين لابد أن يقوم على دعائم أو ركائز قوية وصلبة، حتى تضمن صلابة البناء وسلامته بل توصلت الدراسات العلمية الحديثة عبر التقنية العصرية المتقدمة إلى صناعة طوب للبناء الحديث، يتلاءم مع الظروف البيئية، ويقاوم عوامل التعرية ويظل الإنتاج المتطور ثابتًا لأطول فترة ممكنة، شاهدًا للإبداع الإنساني على مر العصور ... واقتضت سنة الله كذلك أن يكون بناء النفس البشرية وفق قوانين الشريعة الإسلامية قائمًا على ركائز أساسية، تعمل على استجلاب النفس الإنسانية إلى محور اتزانها الفطري الذي ينبغي أن يدور حول دائرة العدل، وهذه الركائز من شأنها أن تنهض بعمارة الكون الفسيح.

والحاجة إلى تلك الركائز تبدو جلية في بعض المواقف البشرية التي ذكرت في القرآن الكريم، ومن ذلك موقف الحواريين مع عيسى عليه السلام حيث ينطق ذلك الموقف المثير بطبيعة نفوس الركائز قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) ﴾ (المائدة: 112-113).

ومن سياق الآية الكريمة نفهم أن نفسية الحواريين تريد أن تتجاوز السنن الكونية في مراحل إنتاج الرزق الطعام التي يتذوق الإنسان من خلالها حلاوة الصبر في رعاية النبات وحلاوة اليقين بنزول المطر من السماء وانتظار ثمرة النبات فعبارات الحواريين في خطابهم تدل على عدم معرفتهم بحقيقة التوحيد وتدل أيضًا على عدم معرفتهم بسنن الله في إهلاك الأمم الماضية من حيث أن بعض الأمم – ثمود مثلًا – طلبوا الآيات من أنبيائهم فلما نزلت عليهم كفروا وعاندوا فكانت الآيات وبالًا عليهم.

وهذه النفسية المعوجة هي التي يعتريها دائمًا الانحراف العقدي والجمود الفكري في مفاعلة الحياة، وما أشبه نفسيتنا المعاصرة بنفسية الحواريين وأمثال تلك النفسيات لا يمكن بحال أن ترقى إلى ذرى مكارم الأخلاق إلا بعودتها إلى رحاب بناء قاعدة العدل الشامخة، وهذه القاعدة العظيمة «العدل» تعني أن نضع الشيء في موضعه اللائق المناسب ومن العدل والإنصاف الا نتجاوز السنن الكونية التي وضعها الباري جل وعلا في كل شيء ومن ذلك عملية الإنبات الزراعي التي تسير حسب ناموس إلهي دقيق يقوم على سنة التدرج المحكمة قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)﴾ (عبس: 24-31)، وهذا الناموس الإلهي الدقيق يتسق تمامًا مع النظم والقوانين التي تحكم سير المشاريع الزراعية الحديثة حيث إن استصلاح الأراضي الزراعية وإنشاء الخزانات وإقامة السدود لا يتحقق بين عشية وضحاها إنما يحتاج إلى وقت طويل، ومن هذا المنطلق كانت تلكم القوانين تسير على نفس المبدأ التدرج فهي لا تحاول القفز فوق السنن الكونية وإنما تتماشى معها في دائرة المستطاع.

إن ذلك الانسجام الرائع بين السنن الكونية والطاقات البشرية وفق ناموس الله الدقيق الذي يقوم على سنة التدرج يحقق للنفس الإنسانية مبدأ التوازن والاعتدال، وهذا بطبيعة الحال يكفل لها الرفاهية والسعادة والهناء في هذه الحياة، إضافة إلى ذلك فإن تلك القوانين البشرية تكسب الشخص الذي يقوم على تنفيذها وهو المزارع صفات هي المثل الأعلى القيم والأخلاق، هذه الصفات هي الصبر واليقين حيث إن المزارع يعتمد على الصبر في متابعة وحماية مزرعته، كما أن ظهور ثمار تلك النباتات يحتاج إلى مدة زمنية ، وهذا الانتظار بطبيعة الحال يحتاج إلى صبر ونفس طويل أما اليقين فيكون بانتظار نزول المطر وترقب موعد قطف الثمار، حيث يوقن حينها بقدرة الله الفائقة قال تعالي: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ (البقرة: 22)، وقال: ﴿ َلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ (الحج: 62)، وعندما تتحقق هاتان الصفتان في شخص ما يتأهل تلقائيًا إلى منصب الإمامة في الدين وصدق الله القائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: 24).

 

العمل الدعوي العام.. المنهج والضوابط (5 من 5)

حسن اختيار الوافدين

د. حمدي شعيب

  • مراعاة العنصر الأخلاقي في رسلنا إلى الناس من أهم أسباب نجاحهم في مهمتهم

  • فقه الواقع والشعور بالمسؤولية الفردية و«توفير الجهود» ركائز مهمة للعمل الدعوي العام

تناولنا في الحلقات الأربع الماضية تسعًا من ركائز العمل الدعوي العام ونختتم في حلقة هذا العدد بقية هذه الركائز وهي:

الركيزة العاشرة:

ترتيب العقليات:

وهي الركيزة التي من خلالها يتم اختيار نوعية الوافدين الذين نرسلهم إلى المدعوين.

وتأمل ما ورد في قصة أصحاب الكهف عندما قاموا من رقدتهم، ثم اتفقوا جميعًا على إرسال أحدهم إلى المدينة لشراء الطعام ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (الكهف: 19). فإن حالهم يلقي في روع المتدبر أنهم كانوا في حيرة وخوف وتوجس وشعور بأن العالم كله من حولهم ضدهم، ورغم هذا لابد لهم من الحركة ولا بد من التعامل مع هذا الواقع، وإلا فالموت سيأتي إما جوعًا أو هلعًا، أو تقوقعًا وتصومعًا وانعزالًا.

وإذا كانت الحكمة تتطلب الحركة والتعامل مع الواقع فإن الأحكم منه كيفية التعامل، ومن سيتعامل.

ولخطورة الإجابة عن أسئلة أي مجموعة في نفس الظروف وهي: هل سنتعامل؟ وكيف سنتعامل؟ ومتى؟، ومن؟ كل ذلك يلزمه تنظيم معين بخطة محكمة وقيادة واعية تتخذ القرارات وتدرس المقدمات وتنظم العمل وتفاضل بين الأولويات وتحسب النتائج فتستشرف المستقبل وهو ما يوحي بأهمية التنظيم في القرارات وفي حسن الاختيارات لأن التنظيم قبل أن يعتبر فقه ترتيب الصفوف وقبل أن يكون فقه ترتيب الأولويات: فهو «فقه ترتيب العقليات»

الركيزة الحادية عشرة:

مراعاة التخصص:

وهذه أولى الشروط في عملية اختيار نوعية الوافدين.

فإذا كان منهجنا لا يعرف طبقة رجال الدين، ولكن من الأمانة أن تدرك أن لكل علم أهله وأن لكل من رجاله.

وفي هذا يدلنا الحق سبحانه: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (الفرقان: 59) ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: 14)

وهذا نلمحه أيضًا من خلال السياق في قصة أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (الكهف: 19) فلقد بعثوا أحدهم في أخطر مهمة ألا وهي اقتحام أسوار الباطل وإحضار ما يحتاجونه. ومن حالتهم تعلم أنهم لم يرسلوا إلا من يصلح لهذه المهمة.

وهذا الموقف يذكرنا باختيار الحبيب صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أنيس رضي الله عنه في مهمة خطيرة اقتحم بها قلاع الشر وقتل أخطر من حمل لواء الغدر ضد الدعوة وهو سفيان بن خالد الهذلي، وكذلك عندما اختار حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في أخطر مهمة تراجع عنها أفضل من حملتهم البسيطة، خوفًا؛ رغم الوعود المغرية لمن يقوم بها، وذلك ليلة محنة غزوة الأحزاب ليأتيه بخبر القوم.

ولا ننسى أن قريشًا قد انتدبت رجلًا معينًا متخصصًا في علم الأساطير؛ وهو النضر بن الحارث ليتولى قيادة الحرب الإعلامية ضد الدين الجديد.

وهذا الملمح يبين لنا أهمية حسن الاختيار الذي لا يشينه مجاملة أو محاباة أو أي اعتبارات غير موضوعية.

وكم من ثغور ضيعت بسبب سوء اختيار القائمين عليها، وهو من باب تضييع الأمانة وتوسيد الأمر لغير أهله!!؟.

قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة» قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» «1».

الركيزة الثانية عشرة

مراعاة العنصر الأخلاقي في سلوك الوافدين:

فالسلوك دومًا أبلغ من القول.

وهناك قاعدة مهمة وهي أن سلوك الفرد يدل على الفكرة التي يحملها.

لهذا فمن الضروري أن يكون سلوك الوافد ترجمانًا صادقًا للفكرة الربانية التي يحملها. ويجب أن يعرف سمات تجعله معروفًا للمحيطين. على اختلاف نوعياتهم وأحوالهم. بحسن أخلاقه، كما عرف بها يوسف عليه دين رأيه في رؤياهما: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: 36)

وتأمل هذا الجانب السلوكي في حياة هؤلاء الفتية المؤمنين أصحاب الكهف، عندما نتدبر الشرط الذي اشترطوه على رسولهم الذي أرسلوه ليحضر لهم الطعام: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: 19)، أي فليتخير أحل وأطيب الطعام

أو أجوده، فليأتكم بشيء منه.

فتأمل هذا الورع واجتناب المحرمات والبعد عن الشبهات، وعدم الركون إلى أن الضرورات تبيح المحظورات ولا أن الطعام كان مجهول المصدر وتدبر كذلك هذا الشرط الصعب لمن يبحث عن طعام في مجتمع مسلم فما بالك بمجتمع غير مؤمن وتأمل أيضاً مغزى كلمة ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾، أي من دراهمهم المضروبة ونقودهم الفضية أي من مالهم الخاص، وما حي به في النفس من أن الداعية لا يأكل إلا من ماله الخاص من ورقه المعروف مصدره الخاص، فاليد العليا دوماً خير من اليد السفلى.

وهذا يعطي ملمحًا طيبًا للداعية أن يترفع عن الدنايا ويتورع عن الشبهات. فالبعض قد يتخيل أن فقه الواقع وعدم وجود المجتمع المسلم، قد يشفع له استحلال مال الغير. وقد يجهل البعض هذه التربية السلوكية المهمة فتسحب المرونة الدعوية التي يتقن فنها، إلى مرونة غريبة وخطيرة في التعامل والحذر من الشبهات، ويتجاهل «فقه المحقرات» وآثارها التراكمية المهلكة: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلًا، كمثل القوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالبعرة، حتى جمعوا سوادا وأججوا النار، وأنضجوا ما قذفوا فيها» «۲» فيترتب على ذلك، سقوط في حبائل «سلسلة الذنوب» وحلقاتها المتتابعة التي تبدأ بذنب يؤدي إلى تغطية القلب بالران، والذي ينتج حجابا مهلكا، والعياذ بالله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾ (المطففين: 14-15).

الركيزة الثالثة عشرة:

الشعور بالمسؤولية الفردية:

وهي الركيزة التي من شأنها أن تؤدي إلى تنمية الفاعلية الفردية. فالحركة الجماعية نحو الأهداف الربانية لا تلغي التبعة الفردية، وذلك من باب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38)، وتدبر هذا الألم الذي شعر به الحارث وهو يراجع نفسه، من باب الشعور بالمسؤولية الفردية، في حديث وافد عاد، عندما قال: «أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد».

وتأمل مغزى تلك النصيحة التربوية: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)﴾ (الكهف: 19-20).

لقد اتفق هؤلاء الصحب المؤمن على إرسال أحدهم ليحضر لهم الطعام، ورسموا له خطة التحرك، وأفهموه أنه لو كشف أمره فسيلحقهم جميعًا، عاقبة ذلك الخطأ، أي أن الخطأ الفردي سيلحق الضرر بالمجموع، وهو باب عظيم في التربية يعمق مفهوم المسؤولية الفردية. فالفرد في المجتمع المسلم منوط به التغيير الحضاري لأمته، بشرط أن يكون متوافقاً مع المجموع: ﴿اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

وعلى هذا يجب التركيز على فاعلية الفرد، ودوره الإيجابي ومسؤوليته في تحقيق الأهداف والغايات العظام، وفي حماية نفسه، وحماية المجموع، وأنه دوماً على ثغرة، فلا يجب أن يؤتى الإسلام من قبله.

الركيزة الرابعة عشرة:

توفير الجهود:

وهو ما يعرف بفقه تحديد الأولويات، فإذا كانت الركيزة الأولى تركز على أهمية تحديد القضية المرحلية الواحدة فإن من وسائل تحقيق هذا الهدف أن يكون السبيل إلى ذلك على مراحل على أساس فقه الواقع وأولويات الوقت.

وتأمل ما ورد في التجريب الحضارية التي قام بها الصحب المؤمن أصحاب الكهف وذلك من خلال ما نلمحه من الحوار والتساؤل الذي تم: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)﴾ (الكهف: 19-20)

فالقضية الآن ليست الخلاف على مقدار مدة تلك الرقدة التي قضوها، فهذا الأمر مفضول وهناك أفضل منه، لذا كان توجيه أحدهم لهم بأن يهتموا بأولوية الترتيب والانشغال بقضية

الوقت، والتفكير في الأهم على المهم، ألا وهو البحث عن طعام للجائعين واختيار من يصلح لهذه المهمة الصعبة، وإلا فإن أي خطأ للرسول سيعرضهم للخطر.

وكم من ساعات بل شهور، وإن شئت قلت سنين عدة تمر من عمر الدعوة وبعض دعاتها يراوحون حول المفضول متعامين عن الأفضل، ويتناحرون على المرجوح تاركين الأرجح. وما هذا إلا خلل في ترتيب أولويات كل مرحلة. وفقه تحديد الأولويات وترتيبها من شانه أن يحدد المهام، وأن يحدد الوظائف وهو فقه توفير الجهود والأوقات.

الركيزة الخامسة عشرة:

فقه الواقع:

وهي الركيزة التي من شأنها أن تؤدي إلى نوع من التوازن بين الأصالة والمعاصرة بين المحافظة على الثوابت والابتكار والتجديد في الوسائل والأخذ بالمتغيرات المرحلية على أساس من فقه للواقع.

وتدبر ما ورد في تجربة أصحاب الكهف عندما أرسلوا صاحبهم لإحضار الطعام لهم، وكان يدور في خلده أنه ما غاب عن المدينة إلا يومًا واحدًا. ولم يمنعه ذلك التغيير الذي طرأ على الزمان والمكان والبشر. ولم يلاحظه!. ومن ثم فقد عمد بنقوده الفضية إلى رجل ممن يبيعون الطعام فقلبها الرجل، واستغربها، وظن أن صاحبه قد عثر على كنز أثري قديم، ونشر هذا الخبر بين جيرانه حتى وصل الخبر إلى الملك وانكشف السر!.

وهذا ملمح طيب يبرز لنا أهمية فقه الواقع ومعرفة واقع الحركة الخارجي أو البعد الخارجي للدعوة ويبين لنا أهمية مواجهة الواقع بأسلحته الحديثة لا بأساليب بالية قد يتهم من يحملها، وهو المخطئ. بالرجعية والتخلف والظلامية، وأنه آت من الكهوف، وكذلك بالاهتمام بمعاصرة خطاب الدعوة الإعلامي.

كل هذا من خلال المحافظة على ثوابت المنهج والموازنة والترجيح بين متغيراته والتوازن بين الأهداف والمرونة في الأساليب والوسائل، وهو توازن الجمع بين الثبات على الأصول، والمحافظة على أصالة الفكرة ومعاصرة عرضها.

 

الهوامش

«1» رواه البخاري من حديث عن أبي هريرة.

«2» رواه البخاري كتاب الرقائق باب 22 أحمد 1/402، وابن ماجه: كتاب الزهد باب 29 - الدارمي: كتاب الرقائق باب 17.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 83

92

الثلاثاء 26-أكتوبر-1971

غداً تشرق الشمس

نشر في العدد 185

139

الثلاثاء 29-يناير-1974

الصبر.. ضرورة لحياة الدعاة

نشر في العدد 241

115

الثلاثاء 18-مارس-1975

الابتلاء في سبيل الله