العنوان المجتمع التربوي (1991)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 17-يوليو-2010
مشاهدات 72
نشر في العدد 1911
نشر في الصفحة 48
السبت 17-يوليو-2010
دروس من رحلة المعراج
ظهر فيها حب رسول الله الشديد لأمته فهل بادلناه هذا الحب؟
بقلم: أ. د. محمد بديع (*)
• رأى الرسول فيها مشاهد مجسمة لبشر رجالًا ونساء من أمم إإمتحنت بعضها نجح وبعضها رسب
• بعد أن سمعنا ما شاهده رسول الله لبشر مثلنا يعانون ويعذبون بمثل ما نفعل فهل أمتنعنا عن المعاصي ؟
إخوتي وأحبابي وأخواتي في الله نستكمل بعون الله وتوفيقه حديثنا من القلب إلى القلوب عن المعراج الشق الثاني في المعجزة النبوية الشريفة من رب العزة لحبيبه المصطفى بإسراء ومعراج في ليلة واحدة.
الفصل بين الدرسين يرجع لأهمية كل واحد منهما، بإعتبار أن لكل واحد منهما عبرًا، تحتاج وحدها حلقة مستقلة، ولكن مع الأسف كل ما يأتي هذا الوقت وهذا الزمان وهذه المناسبة نجد الحديث عن الإسراء والمعراج معًا، ويا ليته حديث نافع، إلا أنه حديث مكرر معاد، يفتعل المشكلات حول هل الإسراء كان بالروح أم بالجسد؟ و«نتوه» في هذه الشكليات التي قطعت بالقول الرباني الفصل، والقول النبوي الشريف الصادق المصدوق ولكن هكذا من يريدوننا أن تنشغل بقضايا ليست هي قضايا الساعة ولا مهمة، ولكننا نبحث هل ترى كان الإسراء بالروح أم بالجسد أم بهما معا ؟! والقرآن قاطع بأنه معجزة ربانية للرسول ؟ولنا فيهما دروس وعبر ليتنا ننتبه إليها ولا تنشغل البشرية، حتى إذا حكيت لنا، فما بالكم إذا عانتها وقاستها ؟! بغيرها .
تكريم إلهي
المعراج يهمنا فيه بالدرجة الأولى فوق تكريم الله رسوله بعد أن أذاه الناس على الأرض، فأرسل الله له الجن ليعلمه أن قدره عند غير البشر كبير، وآمنت الجن وإنطلقت لتدعو إلى ربها بعد أن سمعت قرآنًا عجبًا من الرسول ﷺ، وبعد أن فقد النصير في الأرض، رفعه الله عز وجل ورفع قدره في الإسراء إمامًا بالأنبياء والمرسلين وفي المعراج مكانته في الملأ الأعلى.
مشاهد مجسمة
وظل يرتقي ويرتقي ولكنه في إرتقائه هذا يرى مشاهد مشاهد - لا أقول صورًا ولكنها مشاهد - في المعراج مجسدة مجسمة الأناس ولبشر رجاًلا ونساء من أمم إمتحنت وإبتليت وإختبرت بعضها نجح وبعضها رسب، ويظل الدرس هذه عقوبة من فعل كذا، وهذه عقوبة من يفعل كذا، ولا تزال هذه العقوبات تنتظر من يفعل نفس الفعل ونحن على الأرض.
ويعود لنا رسول الله ليحكي لنا عن الجنان وما فيها، وعن النيران وما تلتهمه وما تقدمه من مواقف لا تتحملها النفس ينشر بالترتيب مع موقع إخوان أون لاين بتصرف البشرية، حتى إذا حكيت لنا، فما بالكم إذا عانتها وقاستها ؟!
دروس وعبر
لذلك يعود لنا الرسول ﷺ بهذه الدروس وهذه العبر، ونحن لا نزال على الأرض يحكيها لنا وتتناقلها الأجيال عن الصادق المصدوق الذي رأى بعينيه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ (النجم:18)
رأي العين
هذه مواقف رأي العين مجسدة ببشر وبأناس مثلنا، يمرون بنفس المعصية ونفس الخطأ والذنب وسيلاقون نفس الجزاء والعقاب، وأناس يتنعمون لأنهم كانوا في الدنيا يفعلون هذه الخيرات لذلك يعود لنا رسول الله بهذه المشاهد ليقول لمن مازال على قيد الحياة على الأرض، كما كان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون «يحفر لنفسه القبر ثم يقول: يا فلان بن فلان قد قامت قيامتك، فيقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت فيرد على نفسه يا فلان بن فلان أمهلناك لينظر ربك عز وجل ماذا تفعل بعد أن مد في عمرك».
هل عدنا من المعراج بهذا الدرس؟ وهل رأينا هذه المشاهد المجسدة المجسمة لبشر مثلنا، يعانون ويعذبون بمثل ما نفعل؟ فهل امتنعنا؟ وهل توقفنا ؟﴿ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ (الزمر:16)، سبحانه وتعالى جل شأنه.
فرض الصلاة
الدرس الثاني والمهم أن الصلاة
فرضت هناك في هذا المكان الشريف الكريم الراقي، فكل الفرائض فرضت على الأرض إلا الصلاة، ولذلك سماها الرسول معراج المؤمن» لأنك إن أطلقت لها العنان من على الأرض وأنت ساجد وأنت واقف بين يدي الله راكعا وساجدا، ستكون عودتها إلى حيث نشئت إلى موطن وموضع المنشأ إلى حيث فرضت في الملأ الأعلى، فتصعد بك إلى حيث أصلها هذا الأصل في المعراج سميت الصلاة معراج المؤمن لتصعد بك إلى حيث فرضت.
حب الرسول لأمته
وفيها مشهد يعلمك كيف أن الرسول ﷺ يحبنا حبًا جمًا، في موطن يذهل الإنسان فيه عن أبيه وأمه وعن زوجته وأولاده؟! تأتيه هدية من رب العزة مباشرة خاصة له السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته عليك سلام ورحمة وبركات من الله عز وجل لك وحدك فماذا يرد الحبيب الذي وصفه الله عز وجل، أنه عزيز عليه ما عنتنا وأنه رؤوف بنا رحيم، وأنه حريص علينا يدلنا على أبواب الخير، ويجمع لنا الخير لم يستأثر لنفسه بهذه التحية لا بالسلام ولا بالرحمة ولا بالبركات، فنشر جناحيه على أمته، وقال: «يا رب آتي بأهلي وإخواني وأحبابي من عبادك الصالحين، لينالوا هذا الشرف واتذكرهم في هذا المكان الذي يغفل فيه الإنسان عن كل من حوله فيقول: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» بالله عليكم هل نحن بادلناه حبًا بحب وتذكرناه في كل المواطن كما تذكرنا في أعلى وأشرف المواطن ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ﴾ (النجم: 15)
إقلاع عن الذنوب
أسأل الله عز وجل ألا يحرمنا صحبته حول حوضه الكريم وفي الفردوس الأعلى وأسأل الله العظيم أن يسقينا جميعًا وإخواننا وأخواتنا وآباءنا وأمهاتنا وبناتنا وأبناءنا وأزواجنا وكل المسلمين من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا، وأن يجعلنا نعتبر بدروس المعراج ونستفيد منها، لنقلع عن كل ما نحن فيه مما يغضب الله عز وجل ونزداد قرباً إلى ربنا ؛ فإنه من تقرب إلى الله شبرا تقرب إليه ذراعًا أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما نسمع ونقول
الهوامش:
(*) المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين
الإسراء والمعراج وقفات وخواطر
رحلة لم يظفر بمثلها نبي ولا رسول من قبل
• الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام وكأنما أريد بها إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله
• كانت رحلته ترفيها له بعد سنوات الأسى والعذاب والإضطهاد
• أظهرت الحادثة أن للرسول ﷺ درجة رفيعة لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل
• علاء الدين محمد فوتنزي (*)
•
إن الله تبارك وتعالى فضل عبده وحبيبه محمدًا خاتم النبيين على سائر الكائنات، وأكرمه على جميع الخلائق، وشرفه بمعجزات باهرة، ومنها رحلة الإسراء والمعراج التي! لم يظفر بمثلها نبي ولا رسول من قبل، لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج القمة العلوية والنسمة العطرية التي هبت على قلب سيدنا محمد رسول الله، وعلى قلب أصحابه قبل أن يهاجروا من أرض مكة إلى المدينة المنورة، مما كانوا يعانون ويصابون من ألوان العذاب وأمواج الفتن، فكانت هذه النعمة راحة النفوسهم وطمأنينة لقلوبهم، وبشرتهم بأن الله تعالى العزيز الغفار لن يتخلى عن الحق مهما طال إنتظاره، وأنه سبحانه لا يخذل أولياءه، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22).
والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وأسماعيل عليهما السلام، إلى محمد خاتم النبيين، وتربط بين الأماكن المقدسة الديانات التوحيد جميعًا، وكأنما أريد بهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير المقدسات الرسل قبله وإشتمال رسالته علي هذه المقدسات وإرتباط رسالته بها جميعًا فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان، وتشمل آمادا وآفاقًا أوسع من الزمان والمكان، وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى لقد كانت رحلته ترفيها له بعد سنوات الأسى والعذاب والإضطهاد، ذهابا لحزنه وتجديدًا لنشاطه، وإشعارًا له أن الله معه يؤيده ويقويه وإعلانًا أن له درجة شامخة ورفعة كبيرة لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وكانت الرحلة لقاء ربانيًا تتعانق فيها قيم إبراهيم خليله، وموسى كليمه وداود وسليمان وكل الأنبياء، كما يقول رسول الله «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، وجعل الناس يطوفون ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم الأنبياء».
ثم ذلك المشهد العظيم من رحلته المعراج، وهو مشهد اللقاء النوراني الإلهي المحمدي حين يتجلى رب العزة على حبيبه محمد بنور، فقال رسول الله ﷺ مقدمًا التحية: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، فسمع رب العزة يرد عليه التحية قائلًا: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أشرق قلب الحبيب محمد ﷺ لهذه التجليات العظمى الإلهية والأنوار القدسية فيرد ذاكرًا أمته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين».
يا لها من لحظات أنس مع الله ويا له من مشهد فاق المشاهد عليك الأمن والسلام ورحمة الله وبركاته، قد فضلك ربك العلي الكريم بالوسيلة والفضيلة ورحلة الإسراء والمعراج لم يظفر بمثلها نبي ولا رسول من قبل، وقد رأيت ربك بعينيك ورفع الله عنك الحجاب، ورأيت نوره الكامل التي ضعفت عن قليله عيون موسى حين قال موسى لربه ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ﴾ ﴿قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ﴾ ، مغشيًا عليه لهول ما رأي، فلما أفاق قال: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف:143)
وأراه نوره الكامل حين يتجلى رب العزة تبارك وتعالى، مع أن نوره نور السماوات والأرض﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور:35)
قصة الإسراء والمعراج
كان عند البيت بين النائم واليقظان بين الرجلين عمه حمزة وابن عمه جعفر فجاءت الملائكة فأيقظته، وشرح صدره جبريل، وإستخرج قلبه وغسله بماء زمزم ثم أعاده مكانه بعد أن ملأه إيمانًا وحكمة ثم ركب البراق مسرجًا ملجمًا، وسار إلى أن وصل إلى المسجد الأقصى، فرأى ما رأى من العجائب في مسراه، وأحضر الله سبحانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له وصلى بهم وبالملائكة إمامًا .
ونصب له المعراج فصعد إلى سماء الدنيا فرأى آدم فسلم عليه، ثم صعد إلى السماء الثانية فرأى يحيى وعيسى فسلم عليهما، ثم صعد إلى الثالثة فرأى يوسف فسلم عليه، ثم إلى الرابعة فرأى إدريس فسلم عليه، ثم إلى الخامسة فرأى هارون فسلم عليه، ثم إلى السادسة فرأى موسى فسلم عليه، ثم إلى السابعة فرأى إبراهيم الخليل فسلم عليه، ورأى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إلى يوم القيامة، وهو مواز للكعبة، ثم إلى سدرة المنتهى وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط من فوق فيقبض منها وإذا في أصلها أربعة أنهار تهران باطنان وتهران ظاهران، فأما الباطنان فهما في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ورأى ما رأى هناك من العجائب، ثم عرج به المستوى سمع فيه صريف الأقلام، ثم غشيته سحابة فيها من كل لون فتأخر جبريل فارتفعت به حيث شاء الله فرأى الله سبحانه وتعالى لا في جهة ولا بانحصار متنزها عن صفات الحوادث لا بقلبه فقط، بل وبعيني رأسه، ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ (النجم: 17) فخر ساجداً وكلمه ربه بما شاء.
ثم كانت الهدية الكبرى في اللقاء الخالد خمس صلوات مفروضة في كل يوم وليلة، ولكنها خمسون في الأجر، وما ذاك إلا إستجابة للمطلب النبوى من الرحيم يقول: يارب خفف عن أمتي، فحط عنها خمسًا ولم يزل يرجع بين موسى وربه ويحط خمسًا وخمسًا حتى قال: «يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة كل صلاة بعشر، فتلك خمسون صلاة».
كما يقول الشاعر الإسلامي الأستاذ عبد الغني:
من رحلة الأنوار عاد محمد معه الصلوات طهارة للمسلمين واختلف الفقهاء والمفسرون في أمر رحلة الإسراء والمعراج أكانت في اليقظة أم في المنام؟ فعن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما: والله ما فقد جسد رسول الله، ولكن عرج بروحه، وعن الحسن: كان رؤيا رأها في المنام، وفي أخبار أخرى أنه كان بروحه وجسده، وأن فراش رسول الله ﷺ لم يبرد حتى عاد إليه والراجح من مجموع الروايات أن رسول الله ﷺ ترك فراشه في بيت أم هانئ إلى المسجد، فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج، ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد.
على أننا لا نرى محلا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديما والذي يثور حديثًا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة رسول الله ﷺ أكانت بالروح أم بالجسم، وبين أن تكون رؤيا في المنام أو رؤية في اليقظة، المسافة بين هذه الحالات كلها ليست بعيدة والذين يدركون شيئًا من طبيعة القدرة الإلهية ومن الطبيعة النبوية لا يستغربون شيئًا، فأما بالنسبة للقدرة الإلهية فتتساوى جميع الأعمال التي تبدو في نظر الإنسان وبالقياس إلى قدرته وإلى تصوره متفاوتة السهولة والصعوبة حسبما إعتاده وما رأه والمعتاد المرئي في عالم البشر ليس هو الحكم في تقدير الأمور بالقياس إلى قدرة الله تعالى.
أما الطبيعة النبوية وهي الإتصال بالملأ الأعلى - على غير قياس أو عادة لبقية البشر وهذه التجلية لمكان بعيد أو عالم بعيد والوصول إليه بوسيلة معلومة أو مجهولة ليست أغرب من الإتصال بالملأ الأعلى والتلقي عنه وفي أخرى عنه: بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان، وقد تحتج به من يجعلها رؤيا نوم ولا حجة فيه إذ قد يكون ذلك أول وصول الملك إليه، وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في القصة كلها، واحتج الجمهور لذلك بأنه لو كان مناما ما تعجبت منه قريش ولا استحالوه، لأن النائم قد يرى نفسه في السماء ويذهب من المشرق إلى المغرب ولا يستبعد ذلك أحد، وأيضا العبد ظاهر في الروح والبدن، وذهبت طائفة منهم القاضي أبوبكر والبغوي إلى تصديق القائلين بأن الإسراء كان مرتين إحداهما في نومه قبل النبوة الإشارة بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً﴾ (الإسراء: ٦٠) ثم أسري بروحه وبدنه بعد النبوة، وهذا هو الحق وبه يحصل الجمع بين الأخبار
رسالة الإسراء والمعراج
إن رحلة الإسراء والمعراج صارت منطقاً مجددا للدعوة الإسلامية، ومنهاجا واضحا للمبادئ السامية التي تهدف إلى بناء المجتمع الإسلامي السليم، ولا غرو قد انطلقت الرسالة الإسلامية بعد هذه الحادثة في منعطفات الانتشار والنصر، وليدخل الناس بها في دين الله أفواجا، والآن لأربط الماضي بالحاضر الإسراء والمعراج إنذار للمسلمين بأن يدافعوا عن المسجد الأقصى ويخلصوه من قوى الشر والبغي والعدوان وهم اليهود شر الدواب عند الله ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (الأنفال: 56)، احذروا اليهود !! وهم يحلمون بدولة من النيل إلى الفرات، ولن يكتفوا بأرض فلسطين، وأضع على عنق كل مسلم مسؤولية العمل على تحرير الأقصى من أيدي الصهاينة المغتصبين ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠)
الهوامش:
(*) مساعد رئيس تحرير مجلة النهضة الإسلامية الهند
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل