العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1667)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 03-سبتمبر-2005
مشاهدات 73
نشر في العدد 1667
نشر في الصفحة 47
السبت 03-سبتمبر-2005
تتضاءل الكلمات ويحار القلم حينما يرنو لرسم مشهد تتسع ذاكرته على امتداد أجيال متعاقبة، مشهد يبهرك جلاله وسناه فتقف عاجزًا عن اكتناه تفاصيل ذلك المشهد الرائع في بعض كلمات.. هذه هو حالي وأنا أشرع في كتابة مقالي هذا عن شاعرنا وأديبنا وشيخنا المصلح والمفكر الإسلامي الكبير الثائر على الظلم محمد محمود الزبيري.
فمن هو الزبيري؟ ومن أين نبدأ معه رحلتنا؟ من عالم الشعر والأدب أم السياسة والنضال أم الدعوة والفكر والتجديد؟ لا ندرى من أين نبدأ! عوالم قادها بكل جدارة واقتدار وأجاد أدوارها بانسجام عجيب.
ففي الشعر والأدب كان يقول الزبيري: «كنت أحس إحساسًا أسطوريًا بأني قادر بالأدب وحده على أن أقوض ألف عام من الفساد والظلم»، ومن هنا ندرك سر تسميته بأبي الأحرار وشاعر الثوار، خصوصًا حينما نسمع له قوله في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
سأنبش الآه من تحت الثرى حممًا
قد أنضجته قرونًا من تلظيه
وأجمع الدمع طوفانًا أزيل به
حكم الشرور من الدنيا وأنفيه
أحارب الظلم مهما كان طابعه
البراق أو كيفما كانت أساميه
نعم، هذا هو الزبيري الذي يقول عنه معجم الأدباء الإسلاميين: «إذا أردت أن تتحدث عن اليمن فلا بد لك أن تتحدث عن الزبيري، وإذا أردت أن تتحدث عن الشعر في اليمن فلابد أن تذكر الزبيري أيضًا.. وإذا أردت أن تتحدث عن الثورة في اليمن ولم تتحدث عن الزبيري وشعره فإنك لم تتحدث عن أهم دعائم هذه الثورة.. فالزبيرى شاعر أشعل ثورة اليمن بشعره وقاد مسيرتها بشعره أيضًا، ولذلك استحق من مواطنيه لقب أبي الأحرار وشاعر الثوار».
الزبيري الذي اتفقت قلوب كل اليمنيين على حبه واحترامه على اختلاف مشاربهم وأفكارهم سيظل مثار جدل كبير بين مختلف هذه التيارات الفكرية حول حقيقة انتمائه الفكري مع أن ذلك كان واضحًا وضوح الشمس في انتمائه الإسلامي الأصيل، ما ذلك الجدل إلا لأن الرجل كان صاحب قلب كبير مفتوح للجميع مهما خالفوه فكرًا ورأيًا فظل محل إعجاب الجميع في حياته ومماته.
النشأة:
ولد الزبير في صنعاء عام 1910م لأسرة عريقة في العلم والتدين، لأب كان يعمل في القضاء إلا أنه مات مبكرًا في صبا ولده محمد الذي نشأ يتيمًا فتعلم القرآن وحفظه صغيرًا، وكان الناس يحبون أن يسمعوه منه لجوده صوته وتلاوته، فتنقل في طلب العلم بين الكتاب والمدرسة العلمية التي كان يتخرج فيها قضاة الدولة، وكنتيجة ليتمه المبكر عاش ميالًا للعزلة والانطواء فكان يقضي أوقاته في المطالعة والتأمل فيما حوله، فنشأ مرهف الحس والفؤاد، لذا نظم الشعر مبكرًا وهو لا يزال دون العشرين من العمر.
غادر الزبيرى اليمن سنه 1939م لأداء فريضة الحج فمكث سنة كاملة لطلب العلم في مكة، ورحل عنها في نهاية العام متجهًا إلى القاهرة، حيث تعرف هناك على الإمام الشهيد حسن البنا، فانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين كما ذكر ذلك زملاء له، كالأستاذ علي ناصر العنسي وذلك لأن الإمام البنا كان يرى في اليمن مكانًا مناسبًا لإقامة حكم إسلامي صحيح، فبدأ باستقطاب نوابغ الطلاب اليمنيين الدراسيين في القاهرة كالزبيرى والمسمري وغيرهما.
وفي القاهرة بدأت الحركة الوطنية بين الطلاب اليمنيين حينما أسس الزبيري وبعض زملائه أول حركة منظمة لمعارضة حكم الأئمة في اليمن في سبتمبر 1940م تحت اسم «كتيبة الشباب اليمني»، ولأن الوضع في اليمن كان مأساويًا ويزداد سوءًا قرر الزبيري قطع دراسته والعودة إلى بلده في عام 1942م لإنقاذ اليمن التي كانت تحتاج - كما يرى - إلى جهود كبيرة لانتشالها من أوضاعها المأساوية المتردية تحت حكم الأئمة كما عبر عنها في قصيدته التي مطلعها:
ما لليمنيين في لحظاتهم بؤس
وفي كلماتهم آلام
جهل وأمراض وظلم فادح
ومجاعة ومخافة وإمام
وما إن رجع إلى اليمن حتى رفع مذكرة إلى الإمام يحيى حميد الدين تتضمن إنشاء جمعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألقى خطبة في الجامع الكبير بصنعاء، مما أغضب الامام الذي قرر سجنه مع مجموعه من زملائه في سجن الأهنوم الذي كان يطلق عليه «باستيل اليمن»، فمكث فيه الزبيري تسعة أشهر متفرغًا للتأمل والقرآن والذكر وكتابة الشعر، وعند خروجه من سجنه صور الزبيري ذلك قائلًا:
خرجنا من السجن شم الأنوف
كما تخرج الأسد من غابها
نمر على شفرات السيوف
ونأتي المنية من بابها
ونأبى الحياة إذا دنست
بعسف الطغاة وإرهابها
مرحلة جديدة من النضال:
وبعد خروجه من السجن الأهنوم اتجه الزبيري إلى عدن التي كانت يومها مستعمرة بريطانية، وهناك التقى رفيق دربه ونضاله الأستاذ أحمد محمد نعمان الذي أسس معه حزب الاحرار في سنة 1944م الذي تحول إلى الجمعية اليمنية الكبرى في 1949م وأصدرا صحيفة صوت اليمن واستمرا في كفاحهما الذي توج بقيام ثورة 1948م التي وئدت في مهدها بعد شهر واحد من قيامها والتي لعب الإخوان دورًا رئيسًا فيها من خلال مبعوثهم إلى اليمن الأستاذ الفضيل الورتلاني.
وما إن فشلت الثورة حتى عاد نجل الإمام المقتول أحمد حميد الدين ليبطش بالأحرار قتلًا وسجنًا، فر الزبيري حينها إلى باكستان حيث إن أبواب الدول العربية أوصدت أمامه واستقبل بترحاب كبير وأقام فيها حتى 1952م، ولدي سماع بقيام الثورة المصرية غادر الزبيري إليها وأعاد هناك مع زميله النعمان تجميع صفوف الطلاب اليمنيين وكان يلقي قصائده وكلماته من خلال إذاعه صوت العرب التي كان له دور في تأسيسها.
استمر الزبيري في القاهره حتى قيام ثورة 26 من سبتمبر عام1962م التي أطاحت بالحكم الإمامي فاستدعاه ضباط الثورة لمكانته الكبيرة التي ستضفى شرعية على حكمهم لأن الإماميين كانوا لا يزالون مسيطرين على أجزاء كبيرة من اليمن ويخوضون حربًا شرسة ضد الثورة.
وبعد عودة الزبيري إلى صنعاء وما رافق عودته من استقبال جماهيري كبير، عين وزيرًا للمعارف فنائبًا لرئيس الوزراء فعضوًا بمجلس الثورة، حتى استقال في عام 1964م احتجاجًا على التدخلات الخارجية باليمن التي أدخلتها في حرب أهلية شرسة وقاسية، مما أدى بالزبيري إلى القيام بحملة مصالحة بين الثوار والملكيين شملت عددًا من مؤتمرات السلام والتصالح كمؤتمر عمران وخمر وكرش واركويت في السودان عام 1964م.
ولما أدرك أنه كمن ينفخ في رماد وأن جهده لا يجدي، قرر تأسيس حزب الله بعد خروجه من صنعاء التي أعلنت حالة الطوارئ، فلجأ إلى جبال برط داعيًا إلى ما آمن به فتقاطر عليه وجهاء اليمن تلبية لدعوته، وأمام هذا التوجه الجديد للزبيري عاجله خصومه بتدبير حادثه اغتيال قذرة لدى احتفال له في منطقة برط في شهر أبريل 1965م، ولم يكن له غير بيت من الشعر رد به على غادريه قائلًا
بحثت عن هبة أحبوك يا وطني
فلم أجد لك إلا قلبي الدامي
ويقول بعضهم إن هذا البيت كان آخر بيت يلفظ به رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
آثاره العلمية: ترك الزبيري مجموعة من الكتب والدواوين الشعرية، ومن أهمها ديوان «ثورة الشعر» والثاني «صلاة في الجحيم»، وما نشر في هذين الديوانيين هو الجزء الأقل من شعره، وما زالت هناك مجموعات كبيرة من شعره تنتظر من يقوم بطبعها، وأما الكتب السياسية والأدبية فهي:
1 - دعوة الأحرار ووحدة الشعب.
2 - الإمامة وخطرها على وحدة اليمن.
3 - الخدعة الكبرى في السياسة العربية.
4 - مأساة واق الواق، وهي رواية أدبية رائعة تحدث فيها عن مصير جلادي اليمن عن مصير الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن اليمن وشعبه، متبعًا أسلوب «رسالة الغفران» للمعري.
وله إلى جانب هذه المؤلفات مجموعة من المقالات والبحوث السياسية والأدبية تقع في عدة مجلدات.
مقتطفات من أشعاره
سجل مكانك في التاريخ يا قلم
فها هنا تبعث الأجيال والأمم
هنا البراكين هبت من مضاجعها
تطغى وتكتسح الطاغى وتلتهم
هنا العروبة في أبطالها وثبت
هنا الإباء هنا العلياء والشمم
إن القيود التي كانت على قدمي
صارت سهامًا من السجان تنتقم
إن الأنين الذي كنا نردده سرًا
غدا نصيحة تصغي له الأمم
مال للظلوم الذي اشتدت ضراوته
في ظلمنا نلقاه فنبتسم
ويقول في قصيدة أخرى:
ما كنت أحسب أني سوف أبكيه
وأن شعري إلى الدنيا سيرثيه
وأنني سوف أبقى بعد نكبته
حيًا أمزق روحي في مراثيه
قد عشت عمرك ملدوغًا
وهأنذا أرى بحضنك ثعبانًا تربيه
فامدد يديك إلى الأحرار متخذًا
منهم ملاذًا من رق تعانيه
ماتوا لأجلك ثم أنبت من دمهم
جيل تؤججه الذكرى وتبكيه
المراجع
1 - شعر الزبيري من أول قصيدة إلى آخر طلقة عبد الله البردوني.
2 – الزبيري ضمير اليمن الثائر – الدكتور عبد العزيز المقالح.
3 – موقع إخوان أون لاين.
واحة الشعر:
شعر: يحيى بشير حاج يحيى
أيها الثاوي بأرض الرافدين
في رثاء الأخ الدكتور أحمد مصطفى البيطار الذي توفاه الله بعد عملية غسل كلى أجريت له، وكان قد بقى له شهران على إنهاء التخصص في جراحة العظام.
أيها الثاوي بأرض الرافدين*** بينقلب كان مثواك وعين
أحمد البيطار، يا رمز الوفا*** ياشهيدًا نال أجر الهجرتين
هجرة من شامنا يوم الأذى*** سالكًافيها طريق المصطفين
طيبة ضمتك فيها يافعًا*** لمينل طهرك فيها أي شين
ومع القرآن تتلو آية*** وحديثالمصطفى جد الحسين
مسجد السبق (1) حزين واله*** دامعالعينين مثل الوالدين
كم وكم رتلت في أرجائه*** خاشعًايشجيك دمع المقلتين
وإلى بغداد كانت هجرة*** تطلبالعلم ولو في الخافقين
لم تغادرها وقد حلت بها*** منجراحات تبكى الفرقدين
صابرًا قد كنت تأسو جرحها*** منذعشر حافلات واثنتين
بوركت يمناك لما ضمدت*** جرحإخوان لهم بالعنق دين
يا فتى الإسلام من جند الهدى*** قدلقيت اليوم إحدى الحسنيين
بيننا عهد وميثاق على*** نصرةالإسلام لا كذبًا ومين
أنت وفيت وإنا ها هنا*** بينمكروب ومغلول اليدين
لم يكن إلا الذي قدره*** خالقالأكوان رب المشرقين
فله الحمد على ما قد قضى*** ولهالتسليم أما حان حين
(1) حفظ القرآن، وأمَّ المصلين في صلاة التراويح، وهو لا يزال في المرحلة الثانوية في مدرسة العلوم الشرعية في المدينة النبوية.
قصة قصيرة
إدارة علاء سعد حسن
فجأة صاح «كامل إدارة» وسط المقهى وهو يرص حجر النارجيلة: تدورن يا شباب.. عمرو خالد هذا رجل جدع.
نظر إليه الحاضرون في دهشة وبدأوا يتحلقون حوله، سحب إدارة نفسًا من النارجيلة وترك دخانها يخرج من أنفه ثم قال بصوته الجهوري: ذهبت أمس لزيارة صديق متدين.. ثم قهقه عاليًا وهو يقول: وأنتم تعرفون أن أصدقاء إدارة بكل ألوان الطيف..
ضج الجميع بالضحك وقال أحدهم: كامل إداره للرأي والرأي الآخر.
عاد إدارة يسحب نفسًا من النارجيلة بينما ضحك الشباب حتى دمعت أعينهم من أثر الضحك، وسحب دخان النارجيلة والسجائر المحيطة بهم.
وعاد إدارة يقول باستمتاع من يلقي خطبة عصماء وسط جمهور أدبي ذواق: شاهدت عند صديقي هذا برنامجًا لعمرو خالد.. بصراحة شديدة أعجبني حديث الرجل، كان يتكلم عن رجل عاطل ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم، صمت برهة يسيرة، ثم صاح عاليًا: قولوا: عليه الصلاة والسلام.. فهتف الجميع: عليه الصلاة والسلام.
أكمل إدارة: طلب الرجل من النبي صدقة لأنه لا يجد عملًا.
صاح أحدهم مقاطعًا: أكانت هناك بطالة على عهد النبي أيضًا؟!
نظر إليه إدارة نظرة ذات معنى، فعم الصمت على الفور.. كان من عادة إدارة إذا شرع في الكلام أنه لا يحب أن يقاطعه أحد ولو بتعليق أو ضحكة أو صيحة تعجب.. فإذا فرغ من حديث صاح بمن حوله:
لماذا أنتم صامتون هكذا.. ألا يعجبكم كلامي؟
فيبدؤون في الحديث الواحد تلو الآخر.. بعدما ساد الصمت، عاد إدارة يقول بصوته الجهوري: سأل النبي الرجل هل يوجد عنده شيء زائد عن حاجته، ثم طلب منه أن يبيع هذا الشيء واشترى له من ثمنه قدومًا، واستطرد إدارة: أي «شاكوشًا».. وطلب منه أن يذهب فيحتطب به وأن يحضر الأخشاب والحطب ليبيعه ويأكل من ثمنه.. صمت إدارة برهة، والعيون متعلقة به، وسحب نفسًا من النارجيلة وهو يعدل وضع أحجارها بيده ثم أكمل مبتهجًا:
أنا قررت أن أنفذ هذا المشروع.. وقبل أن يتكلم أحد، صاح قائلًا: هيا يا شباب كل واحد منكم يحضر محموله هنا بسرعة، نظر إليه الحاضرون في حيرة، فعاد يصيح: أنتم جميعًا عاطلون عن العمل، أليس كذلك؟ لم ينتظر أن يجيبه أحد، وأضاف بقوة وحسم: ولا يجب للعاطلين أن يحمل كل واحد منهم هاتفًا محمولًا كأنه ابن وزير أو كأنه رجل أعمال.. كل واحد من الآن فصاعدًا عليه أن يسمي نفسه« رجل أعطال» وضحك لنكتته.. لم يضحك أحد حوله، فعاد يقول في إصرار: سنجمع المحاميل.. من الممكن أن يتجمع عندي خلال يوم وليلة خمسون محمولًا.. أكثر من نصف عددهم محمول بكاميرا.
سنبيع هذه المحاميل لأولاد الذوات وأنتم تعرفون أن متوسط سعر المحمول المستعمل خمسمائة جنيه.. هذا لو وضعنا المحمول أبا كاميرا على المحمول العادي.. يعني حصيلة بيع خمسين محمولًا تساوي خمسة وعشرين ألف جنيه.
فغر بعض الحاضرين أفواههم من الدهشة، بينما أصدر الآخرون صفيرا خفيفًا، وهنا صاح إدارة: ما رأيكم؟
قال أحدهم: ماذا نفعل بهذا المبلغ؟ وصاح آخر منبهًا: الحكومة ستظن أننا نبيع محاميل مسروقة...
قال إدارة: أمرها بسيط، كل واحد يحضر مع محموله فاتورة الشراء.. أما المبلغ المتجمع فسوف نبدأ به مشروعًا صغيرًا. تعالت بعض الأصوات المحتجة: أي تجارة تحتاج لمكان وترخيص يا إدارة..
أي مشروع هذا الذي يبدأ بمثل هذا المبلغ البسيط؟
صاح إدارة بثقة من عنده إجابة لكل سؤال: أما المكان فموجود عندي، أما الترخيص فلا داعي له في البداية، يكفي أن نعلن عن بضاعتنا عن طريق رسائل المحمول قبل أن نبيعه.. يا شباب اعتبروها رسائل من إياها..
عاد الجميع للضحك..
بعد عدة أيام كان إدارة قد جهز حجرتين في الطابق الأرضي للبيت المتواضع الذي يملكه أبوه.. وبدأ الشباب في استقبال راغبي شراء المحمول المستعمل بنصف السعر تقريبًا، وانتقلت جلسة شباب الحي من مقهى مرسي إلى بيت إدارة.
وبدأ إداره التخطيط للمرحلة الجديدة، بعدما تجمع لديه خمسة وعشرون ألف جنيه فى أسبوع، واتفق مع أصدقائه على الاستمرار في تمويل المشروع خلال العام الأول باشتراك قدره خمسون جنيهًا في الشهر، فلم يعد لكل منهم حاجة لبطاقة شحن المحمول، بالإضافة إلى توفير ما كانوا ينفقونه من نفقات «المشاريب» في مقهى مرسي، وانتهى بهم الحال أن يتخلص كل شاب من أبناء الحي من أي شيء زائد عن حاجته «ساعة يد ثمينة - جهاز فيديو سي دي - خاتم ذهبي - حذاء إسباني من النوع الفاخر»، لقد أقنعهم إدارة بأن العاطلين عليهم أن يبحثوا عن سلع إنتاجية قبل أن يبحثوا عن سلع الرفاهية والاستهلاك.
ثم بدؤوا يخططون للخطوة التالية، فتم عمل إحصاء لعدد أجهزة الكمبيوتر التي يملكها الأصدقاء بصفة شخصية، وتم إحضار خمسة عشر جهازًا إلى البيت، وبدأ المشروع الأساسي كل شيء للكمبيوتر: «طباعة أوراق - تدريب وتعليم - دخول إنترنت - صيانة - تصوير ديجيتال للمناسبات - تحويل أفلام الفيديو إلى سي دي» وكل ما يخص الكمبيوتر مستفيدين بالخبرة الذاتية لديهم.. وبدأت تظهر الثمرة.
حينما جاء مفتش المباحث ومعاونوه ومعهم جيش من الجنود لتشميع المكان غير المرخص ومصادرة المضبوطات من أجهزة وبضاعة مستعملة، وقف إدارة أمام الضابط وهو يفرك كفه قائلًا: أرجوك اسمعني يا سعادة الباشا أولًا ثم افعل ما تريد بعد ذلك.. اشار الضابط للجنود بالانتظار وأذن لإدارة بالكلام، فقال: - يا باشا نحن شباب كما ترى والحال ليس خافيًا عنك، لا يوجد عمل، والسوق كاسدة، أنا تخرجت من الدبلوم منذ أكثر من عشر سنوات ولم يتم تعييني إلى الآن.. والله أنا نسيت أنا حاصل على شهادة أي دبلوم.. وكنت أنا وشباب الحي ننفق أموال أهلنا التي يحصلون عليها بشق الأنفس على المقهى والنارجيلة والمكالمات المحمول والرسائل والنغمات، حتى فكرنا في هذا المشروع، ونحن لا نريد شيئًا سوى أن تتركنا الحكومة في حالنا، وإذا كان على الترخيص فأرشدونا للطريق ولن نتأخر ونحن مستعدون لأي شيء.
قال الضابط محذرًا: ولكنكم تبيعون المستعمل يا إدارة وقد تستغلون مكانكم هذا لبيع المسروقات.
قال إدارة بثقة: لا والله يا باشا، حد الله بيننا وبين الحرام، نحن فكرنا في هذا المشروع من أجل البعد عن الحرام، وكل ما نبيعه هنا من ممتلكاتنا الشخصية.
لان قلب مفتش المباحث وقال بنبرة ودودة: سوف نعطيكم فرصة يا إدارة، وسأتغاضى عن الترخيص مجددًا لحين استقرار الأوضاع، ولكن لي شروط..
هتف إدارة بسرعة: سعادتك تأمر يا باشا.
قال الضابط: أولًا أن تعمل معي فتبلغ عن أي شيء مسروق، أو تشك أنه مسروق، يصل إليك، أو عن أي شخص تعرفه يتاجر في المسروق.
أومأ إدارة برأسه موافقًا، وقال بفخر: يا سعادة الباشا نحن لسنا ضد الحكومة، فلماذا لا نتعاون معها؟ نحن لسنا لصوصًا ولسنا معارضة، وليس بيننا وبينكم ثأر.. وطالما أن الإرشاد عن المجرمين في صالح الناس فأنا تحت أمر سعادتك.
استحسن الضابط منطق إدارة وشعر بصدقه، فقال وعلى وجهه ظل ابتسامة: ثانيًا يا إدارة أنا لن أستطيع أن أتغاضى عن موضوع الترخيص طويلًا، وهناك من يبلغ عنكم كل يوم.. عليك أن تسترضي جيرانك وتبحث عمن يشكونكم إلى الشرطة وتعمل على إرضائهم، وأنا ساكون عند وعدي معك.
كاد إدارة أن يقبل يد الضابط لشعوره وقتها بأنه بمثابة أخيه الأكبر.
وفي المساء ذهب إدارة في وفد من رفاقه إلى عم مرسي في المقهى، وقالوا له: نحن نعلم يا معلم أن المقهى خسر زبائنه من شباب الحي، ولذلك رأينا من الواجب أن يكون لك سهم في هذا المشروع.. وشرحوا له كيف سيعتبرونه العضو رقم واحد وخمسين في المشروع، فصفق عم مرسي وهتف عاليًا: أحضر شاي يا زغلول للمعلم إدارة وأصحابه، فهم ضيوفى هذا المساء.
واحة الشعر
صلاح حسن رشيد (*)
الشهيد إبراهيم المقادمة شاعر المقاومة في: «لا تسرق الشمس»
مجاهد على طريق الصحابة والتابعين، ومقاوم امتشق سلاحه من أجل الحرية وحمل روحه على كفه طلبًا للشهادة أو اللنصر على الأعداء في فلسطين، إنه الدكتور إبراهيم المقادمة الذي اغتالته العصابات الصهيونية الإرهابيه صبيحة يوم السبت 8 مارس 2003م حينما كان متوجهًا لعمله!
تخرج الشهيد في كلية طب الأسنان من مصر عام 1976م، وكان شعلة نشاط ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقائد الحركة الإسلامية في قطاع غزة وتعرض للاعتقال والسجن، كما نشط في العمل الفكري والدعوي وكتب الشعر أثناء فتره الاعتقال.
وتم جمع إبداعه الشعري الذي أطلق عليه «لا تسرقوا الشمس» أي شمس الحرية والكرامة وتحرير القدس وطرد «إسرائيل» من كامل التراب الفلسطيني.
على الشبك
وفي حوار نضالي بين الأب وابنته عن شرف الهدف والمقصد يقول شاعرنا المقادمة:
أفاطم يا ربيع القلب يزدهر
يا من تحسب الأيام تنتظر
زيارة والد في السجن مرتهن
عهدًا يظل جهادنا أبدًا
حتى تعود لوجهك البسمات تنتشر
على الشبك
مدت أصابعها والقلب يرتجف
لكي تمس أصابعي والدمع ينذرف
يا للصغيرة بات الشوق يعصفها
فتصيح يا أبت:
صبرًا يهون الأذى إن يشرف الهدف
وعن أيام وليالي العذاب والتحقيق والاعتقال داخل أروقة السجن الإسرائيلي الذي يهدد كرامة الإنسان نطالع قول شاعرنا:
ويأتي الليل يطرق بابنا المقفل
وقضبان الحديد تدق إسفينا
وأبواب من الفولاذ تربض في فم المدخل
وقلبي نابض هاتوا سلاسلكم
هاتوا بنادقكم هاتوا قنابلكم
لن نستكين لبطشكم هيهات لن نرحل
ويمضي الليل هيا دونكم جسدي
وهات القيد مزق معصمي الأجدل
هات الضرب هات الركل لا تبخل
وشرد أسرتي ما شئت
ولما تصعد الآهات من قلبي فلا تعجل
فتلك الآه للرحمن أرسلها لتثبيتي
فإن الموت أهون من قبول العار يا أرذل
وينتهي إلى أن ثباته على الحق واستمساكه بحقوق شعبه، وعدم التفريط فيها هي الدروس التي يقدمها للناشئة:
وارفع هامة للشمس استعلي
ومن ظلم الزنازين
سأخرج في يد المشعل
لأرشد أمتي العزلاء
اصنع للغد الآتي
بطولات ومستقبل
لا تسرقوا الشمس:
وتحت هذا العنوان يقول المقادمة: إن الانتفاضة هي الأمل الباقي، فمهما سقطت مدن وعواصم وتجبر المحتل وتعاظم فإن النصر قريب:
خذوا كل شيء وأبقوا الشروق
نخاف عليها الغروب نخاف علينا
ونخشى بأن تلمسوها
فنفقد نحن الضياء
وأنتم تنالون منها الحريق
سنفرح بالشمس ذات يوم
ستشرق توقظ كل النيام
وترشد كل الحياري
فننهض بالنور نحيي الحياة
ونفتح بالحب دارًا فدارًا
ونشرق بالضوء عند الشروق
ولا نمنع الفضل جارًا
فلا تسرق الشمس منا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل