; المجتمع الثقافي ( العدد 1840) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي ( العدد 1840)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2009

مشاهدات 63

نشر في العدد 1840

نشر في الصفحة 48

السبت 21-فبراير-2009

مدن القوافل

دراسة في التاريخ الحضاري والنظم العمرانية للمدن التاريخية «الموريتانية» (1)

يحيي بن محمد بن احريمو 

عرفت الصحراء الموريتانية منذ الفتح الإسلامي للمغرب العربي نشاطاً متزايداً لتجارة القوافل، بوصفها نقطة تواصل وعبور بين العالم الإسلامي ومنطقة غرب إفريقيا ، تلك التجارة التي كانت من أهم روافد الاقتصاد في المنطقتين، حيث كانت المناطق الإفريقية تعج بالذهب، وتعاني عجزًا كبيرًا ونقصاً في المجالين الصناعي والحرفي، مما جعلها عالة على تجار العالم الإسلامي في هذين المجالين، كما ظلت الأسواق الإسلامية تستفيد، وتنتعش بفضل واردات الذهب الإفريقي، التي كانت تغمر هذه الأسواق.

ولقد كان لتجارة القوافل هذه تأثير كبير على واقع الحياة وسير العمران وتقلباته، فبواسطتها دخل الإسلام إلى المنطقة وانتشر بين سكانها، وخرجوا بذلك من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان وضياء الحضارة، وظلت هذه القوافل تنقل إلى المنطقة مصنوعات العالم الإسلامي وحصيلة معارفه وعلومه، وظل رجالها دعاة إلى الله تحل أنوار الهداية والعلم حيثما حلوا.

وقد شهدت أراضي الجمهورية الإسلامية الموريتانية قيام عدة مدن وحواضر، كانت لها أهميتها ومكانتها كسوق للبضائع ومركز للعلم، وهي في ذلك مرتبطة بنشاط القوافل وتأثيرها.

وقد صنفت الأمم المتحدة بعض هذه المدن ضمن التراث الإنساني العالمي.

وقد يلاحظ المتتبع لهذا البحث أننا أدرجنا ضمن هذه المدن مدينة تنبكت التي تقع اليوم ضمن جمهورية مالي.

أو داغست

تقع أطلال «أوداغست» في شرقي «موريتانيا» بولاية الحوض الغربي على مسافة حوالي ٦٠٠ كلم شرقي العاصمة «نواكشوط».

وكانت هذه المدينة خلال قرون عديدة 

عاصمة لـ «موريتانيا»، وأهم مركز تجاري فيها، وقد أسسها ملوك «صنهاجة» في القرن الثاني الهجري. 

شهدت هذه المدينة قيام دولة اتحادية لقبائل «صنهاجة» بسطت نفوذها على المجال الموريتاني بأكمله، بالإضافة إلى نفوذها على بعض القبائل الإفريقية، وعلى مملكة غانة في بعض الأحيان، وتعرف هذه المملكة باسم «أنبيتا» في المصادر العربية، وهو اسم «الأنباط» عينه، الذي يطلق في اللهجة الموريتانية اليوم على النبلاء وأصحاب المروءة والنخوة.

وينتسب ملوك هذه الدولة إلى قبيلة «لمتونة» ومن أشهرهم: 

- تيولتان بن تلاكاكين (ت ۲۲۲).

- يلتان بن يطي (ت ۲۸۷).

- تميم بن يلتان قتل سنة (٣٠٦)، والذي بمقتله تفككت الاتحادية القبلية «الصنهاجية» وانفرط عقدها ، فخضعت «أوداغست» لمملكة غانة حتى فتحها المرابطون سنة ٤٦٤(١).

أكبر المراكز التجارية كانت «أوداغست» من أكبر المراكز التجارية في الغرب الإسلامي عامة، وقد ارتبطت بمدينتي «سجلماسة» و«القيروان» اللتين كانتا حينئذ مورداً لتجار الحواضر الإسلامية من القاهرة إلى بغداد والبصرة. 

وقد انسل إلى «أوداغست» آلاف التجار من مختلف قبائل «المغرب» و«تلمسان» و«القيروان» للاستفادة من عائدات التجارة الصحراوية وما تدره من أرباح باهظة خصوصًا أن «أوداغست» كانت تعج بكميات كبيرة من الذهب، الذي يجلب إليها من المناجم الموجودة في «مالي» و«النيجر» وتخوم «إفريقيا»، فكان التجار يحصلون على نصيب كبير منها مقابل بعض السلع الزهيدة، ثم يجلبونه إلى مراكز العالم الإسلامي، حيث إنه العملة الرسمية وقوام الأسواق، وأعز ما يطلب.

وفي هذا السياق، تذكر المصادر العربية أن عبد الرحمن بن حبيب الفهري الذي حكم تونس (۱۲۹-۱۳۸) قام بجهود مهمة الرعاية التجارة مع أوداغست»، وأنه حفر عدداً من الآبار على طول الطريق الرابط بين «أوداغست» ومدينة «تامدولت» الواقعة ب السوس الأقصى» في «المغرب» (۲).

أثر العلاقات التجارية في نشر الإسلام وقد كان لهذه العلاقة التجارية أثر حسن في نشر الإسلام في الصحراء، وانتشاره في «الصنهاجيين» ملوكًا ورعية، وفي منطقة غرب إفريقيا عامة، فكان الفتح الإسلامي لهذه المنطقة فتحًا تجاريًا ودعويًا كذلك. 

وقد أثبتت التنقيبات والبحوث الأثرية التي قامت في سبعينيات القرن الميلادي المنصرم في أطلال «أوداغست» أنها كانت مدينة كبيرة تعج بمختلف مظاهر العمران والحضارة، وأنه كانت بها ورش لصياغة الذهب الخام وتخليصه من الشوائب وتهيئته للتصدير، وتم العثور على أحد الموازين المعدة لوزن الذهب، وهو الآن بالمتحف الوطني بوزارة الثقافة الموريتانية، بالإضافة إلى ورش للدباغة ونسج الثياب وبعض المصانع وتم الكشف عن حي صناعي كبير كان قائمًا بالمدينة (٣).

وقد تعرضت «أوداغست» مطلع القرن السابع إلى جفاف ونضوب للمياه، فهاجر عنها معظم سكانها إلى «ولاته» و«تشيت» وقد عرفوا باسم «أهل تكداوست» وهو الاسم «الصنهاجي» للمدينة، ويعني «أهل الجنوب»، الذي ظل يطلق على أطلالها عند السكان المحليين إلى الآن، ولا تزال بقية من أهل «تكداوست» تقيم في منطقة «باغنة» بجمهورية «مالي» إلى اليوم.

الهوامش

  1. راجع ابن خلدون، كتاب العبر، ج1، ص:۲۳۰، وابن عذاري كتاب المغرب ص: ۱٠.
  2. المغرب في ذكر إفريقية والأندلس والمغرب لأبي عبيد البكري، ص: ١٥٧، طبع باريس ١٩٦٥م.
  3. تم نشر نتائج هذه البحوث ضمن سلسلة «تكداوست»، التي صدرت منها 4 مجلدات عن المعهد الموريتاني للبحث العلمي.

 واحة الشعر

الفلك والأمواج

شعر: محمد أبو دية

بعد انتفاضة السفن كانت عربدة الزوارق الصهيونية في غياب «الردع العربي»! فهب الفارس المسلم لتصحيح المسار

الفلك يسري مع الأمواج مشحونا        يشتاق للأرض والإنسان والمينا 

والمهرجان عجيب في شواطئنا             أعلامه أبدعت خفقاً وتلوينا     

والطير غرد حول الفلك مبتهجًا              بالقادمين من الدنيا لوادينا

والشعب حيا فريقًا جاء ينصرنا                والدمع فاض غزيرًا من مآقينا

ردد نشيد الفدا لا تخش لائمة                 ترجم روائع شوقي وابن زيدونا 

يا ناثح الطلح أشباه عوادينا                     أضحى التنائي بديلًا من تدانينا    

متع فؤادك من هبات عاصفة                 أهدى لها الزهر عطرًا من روابينا  

تشفي العليل بعطر الروض في بلد         فيه الحصار يزيد الشعب تمكينا        

أسعف بغزة أطفالًا يعذبهم                   نزف الجراح وظلم كاد يفنينا 

في كل شبر شهيد من أحبتنا                    وفي السجون ألوف ترفض الهونا 

وللشهادة أعراس معطرة                       أحبب بعطر من الجنات يأتينا      

قم شاهد النخل تحت الشمس مرتفعًا          في ظله إخوتي قاموا مصلينا     

•••••

أهديت يا نخل للعذراء حصتها                            أهديت للحرة الحلوى وتهدينا  

قم أرسل الطرف نحو الشرق تلمح من             تحت السلاح يردون المعادينا    

قالوا: نغيظ العدا في كل موقعة                   وتكتب النصر بالبارود أيدينا

حطين نعشقها في ساحها خفقت                  رايات أمتنا فاخضر وادينا 

يافا وحيفا وعكا في ضمائرنا                           والقدس عشق قديم ساكن فينا

والنصر وعد من الرحمن منتظر                        من الجراحات والآهات يشفينا  

والقادمون إلينا زادهم شرفًا                          هذا الوفاء وأشواق المحبينا       

يوم امتطى القرد ظهر الفيل

قصة قصيرة

أسامة أحمد البدر

زعم الفيل أن أسلافه لم يكونوا بالضخامة التي هم عليها الآن.. «لما كانوا ملوكًا في الأرض» ضحك الأصحاب من غرابة دعواه، وهز البعض رؤوسهم في شك: «معقول؟! فيلة أقل وزنا مما عهدناه؟! وملوك أيضًا؟!» على أن هذا لم يثن الفيل الراوي فتابع: «سأروي لكم القصة من أولها .. ولتأخذوا من انتكاستنا -نحن الفيلة- عبرة تنفعكم»!

صادف أن وجد منا فيل نبيه، ذكاؤه حاد وفطنته لا يُعلى عليها .. كان رشيقاً، يقفز من خفته على الأرض بدل أن يمشي فوق أنه وقع على كنز انكب عليه حتى أحاط به كله، فصار يدعى «الفيل الحكيم».. وبسلاح الحكمة عينه أقنع الأكثرين أنه آن الأوان لكي تؤول زعامة الغابة للأعقل، وليس للأقوى لا، بل إنه ألغى كلمة «الغابة» هذه لما توحي من انطباع وحشي، واستبدل بها كلمة اشتقها من مدونات كنزه فصارت (محمية)، وهو ما زاده رفعة، وجعله باعتراف كل من ضمتهم الغابة -أعني المحمية- أجدر بالزعامة من سواه!

لكن الزعامة -وأقولها بصراحة- أفسدت الأجيال التالية منا .. لم تعد تعمل لم تعد بحاجة -أو هكذا حسبت- للسعي نحو العشب لتأكله .. (ملك ويشتغل مثل باقي الرعية ؟!) فاسترخوا واتكلوا على النعمة... واقتصر يوم أحدهم على الأكل والنوم... وليس أكثر من بعض القضايا تعرض عليه -في أي وقت استيقظ- يدلي فيها بحكمه ثم يزدرد ما يجد، و ... ينام!

وبدءًا من الجد الثالث «بعد الحكمة» أخذت أوزاننا -نحن معشر الفيلة- تزداد ... بدأت الزيادة مقبولة .. نظر إليها (الندماء) على أنها مؤشر نعمة وعافية.. لكنها فيما بعد زادت بسرعة خرجت عن السيطرة! حتى صرنا إلى ما ترون الآن سأله أحد المستمعين وقد بدا عليه الاهتمام هذا عن الوزن، فماذا عن الملك كيف زال؟ فقال: «زوال الملك في تاريخنا والانتفاخ متصلان بحبل سري لا ينفصم، قد تعجبون .. لكنني سأبين لكم، كيف؟».

ذات يوم خالط أحد أجدادي قردًا .. آنسه فاستأنس به، بل وجد في صحبته الرشيقة عوضا نفسيا خفيا عما يشعر به من عقدة الوزن الثقيل .. قربه إليه وجعله له نديمًا ... واشتكى له زيادة الوزن، وقبح المنظر، ومشقة الحركة..

هنا ضحك القرد وقال: تشكو وأنا عندك، ولي من تراث أسلافي ما هو أشبه بالمعجزات؟!.. نظر إليه جدي باستغراب وقال: أنت؟! أسلافك القرود؟! منذ متى؟! فقال القرد بلا تردد من قديم.. في كتب أسلافي يا مولاي أن من (الطلح) الذي نعشقه نحن القرود، نوع يتناول منه البدين فيغدو -خلال أيام- أرشق من غزال، وأخف من نحلة! .. اقترب منه جدي في فضول وسأله: أصحيح ما تقول؟... (طلحة) نأكل منها فتنتهي متاعبنا؟! بلا إرهاق؟ بلا حمية؟ هز القرد رأسه نحو الأسفل في يقين، فعاد يسأله: وهذه الطلحة؟ قريبة المنال؟، قال القرد: طبعًا يا مولاي، قريبة جداً.. ولو شئت نغدو من الصباح نحوها فتأكل منها.

نظر إليه الفيل الأكبر مستغربا، وقال: نغدو إليها؟!.. ولم لا نرسل بمن يأتينا بها؟!).. فهتف القرد على الفور: حذار يا مولاي حذار الشجرة سرية لا توصف إلا للملوك وأثرها في خفائها، ولو انتشر خبرها بين الرعاع لبطل سحرها.

وافق جدي الفيل الأكبر أن يغدو هو إلى الشجرة الموعودة لعلها تخلصه من متاعبه وتعيد إليه هيبته الضائعة!

ودع جدي زوجته، بعدما أوصاها بكتمان السر، وبعدما وعدها بأن يحمل لها بعضا من تلك الثمرات الدواء علها تصلح ما عاب قوامها وأرزى بها أمام القرينات!

ومشيا .. جدي في المقدمة، وقرده «المؤتمن» خلفه أو يتقافز إلى جنبه ويحثه على الإسراع قائلًا: لابد أن تسرع قليلا يا سيدي .. أمامنا مسافة طويلة، وإن لم نسرع هربت منا الشمس، وحل الظلام قبل أن نوافي غايتنا فيأخذ جدي المطيع بالإسراع -وبكل ما تسمح له ضخامته- وهو يمني نفسه أن قليلا من الجهد لا بأس به، ما دام فيه الراحة وهيبة الملك!

وفجأة توقف القرد .. وقف أمام جدي ونظر في عينيه، وقال: «اسمع يا سيدي، هذا الحال لا يعجبني، لقد أنهكني سيرك البطيء كأنما تخطو على شوك، وأرى أن أعود أنا وتكمل المسير وحدك بعد أن أرشدك إلى موضع الشجرة أدرك جدي شيء من الهلع فقال يتوسل: لا، أرجوك لا تفعل.. فأنت الهادي، ولا أحد سواك!»

فقال القرد وهو يحك رأسه: لا تحسب أنني سأكون سعيداً إذا تركتك، أبدا .. لكنني فعلا منهك من طول المسير .. وصمت قليلا ثم تابع لحظة ما رأيك لو أمتطي ظهرك فأرتاح قليلًا؟! لا تقلق فوزني خفيف كما تعلم .. ثم إننا في خلاء!

ولم يكن جدي يملك خياراً آخر فأرخى له أنفه ليسهل عليه ارتقاءه نحو ظهره معتبراً أن هذا أهون بكثير من نكوصه عن مرافقته.

أما القرد فقد أحس بنشوة من نوع غريب، وراوده -وقد أشرف على الغابة من عل- شعور هو مزيج من التميز والاستعلاء، وفكر أنه بارتقاءه ظهر الفيل الأكبر قد غدا أعلى بكثير ممن حوله وأن كل الأشجار صارت في متناول يده، فعزم أن يحافظ على الظهر الوثير، وأن يرشف رحيق المرحلة إلى أقصاه!

وراح -من موقعه- يزود جدي بالتعليمات التي يرى، ويقوده بوحي من تراث الأسلاف المزعوم.. فتارة يكون اليمين هو الصواب، وتارة يكون عين الغلط .. وتارة يوجهه صوب الشجرة المنتظرة، وأخرى يدور به في أرجاء الغابة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها.

فكان كلما وصل به إلى طرف قصي ضرب على جبهته كمن تذكر شيئاً، وقال: اعذرني يا سيدي يبدو أنني هرمت وبدأ النسيان يغزو ذاكرتي.. لقد أخطأنا الاتجاه الصحيح، ولابد من إعادة المحاولة، ولكن ليس الآن.. ليس الآن.. الآن عد بي إلى القصر؛ فقد حل الظلام، وفي الغد نعاود بعدما تكون قد ارتحت من حملي، وبعدما أكون قد رجعت إلى تراث أسلافي لأتأكد من الاتجاه الصحيح.

وبقي الحال على هذه الشاكلة أيامًا عديدة، لا القرد يصل بجدي إلى غايته، ولا جدي يجد حيلة تنعش ذاكرة القرد وغدا طبيعياً أن يُرى القرد فوق ظهر جدي كل صباح.. بل أعلنت (القردة) أن هذه المراسم هي التي ارتاها الملك تكريما لزعيمهم (القرد الأكبر)، ولم يكتفوا بهذا، بل حشدوهم بأمر من ذات القرد (العلية كي يؤدوا كل صباح التحية اللائقة بالملك وحمله المتقافز الجديد مشفوعة (بمكسرات) تعينه على المهمة الجليلة التي أناخ الملك ظهره من أجلها ! ومضى جدي الهرم المغلوب على أمره وهو يسمع تجاوزات القردة وزعيمهم المتمكن من ظهره دون أن يقدر على مواجهتها إلا -ومن يلومه- بأنها أيام وتمضي وريثما يبلغ الشجرة الميمونة وينهي المسألة التي غدت –من اليوم– قضية (المحمية) لا يصح أن تتناول الأخبار سواها. 

وجاء صباح تخلف فيه القرد على الحضور.. وثان، وثالث أيضًا، وجدي يعيش بالصبر، معللًا نفسه حالة وحدة ،وترقب تراوده فيها أقسى المشاعر، وتهبط فيها عزيمته إلى أدناها حتى بات عسيرا اتخاذ أي تدبير يردع القرد المتغافل!.. ولم يستطع -لما ظهر أخيرًا- أكثر من معاتبته عتاباً رقيقاً من الذي يكون بين المحبين .. لكن هذا رد عليه بصلف وقال: ما تأخرت أيها الفيل إنما شغلتني عن هم وزنك أمور أهم؛ كنت أعالجها بدافع غيرتي وحرصي على المحمية!.. ولما نظر فيه جدي أنه لم يفهم، تابع: إن الرعية لما لمسوا انشغالك عن مصالحهم، وساءهم اهتمامك عنهم بخاصة نفسك، يئسوا منك، مع أنني أعلنت لهم أي هم تعانيه! وأي مهمة جليلة تنجزها فما اقتنعوا، ورأوا أن يعهدوا بالمحمية إلى غيرك، وهو بالضبط ما شغلني عنك الأيام السالفة!.. حاول جدي أن ينفعل؛ لكنه خشي أن يُثير حفيظة القرد، فاكتفى بأن تساءل: يعهدون إلى غيري؟! ومن هو هذا الغير؟! ولم يجبه القرد بشيء؛ بل لم يتكلف بأن يجيب، وقفز إلى الخارج وأطلق صيحة هزء، وقال: ارفع الستارة التي تحجبك عنهم وأنت تعرف.. وعرف جدي ما أراد، وأدرك أن الأوان قد فااااااات!

هنا سأل الأصحاب الفيل الذي كان يروي: وماذا حل بـجـدك؟! لعل القرد لم يحجر عليه، أو يطرده خارجًا؟ أخفض الفيل رأسه وقال في أسف: جدي هو الذي انسحب من نفسه!

فتابع أحد المستمعين بغير أسف: واتخذ له منتجعا هادئاً، يكتب فيه مذكراته لتعيشوا على خدرها بدلا من عز الملك الذي ضاع منكم بالوزن الثقيل!

رفع الفيل رأسه في عناد، وقال: لا، نحن معشر الفيلة لا ترفع الراية البيضاء أبدًا .. ليس جدي من الفيلة لو رضي أن يسكت عن قرد استغل وضعه الصحي الطارئ!

سألوه بغير قليل من الاستخفاف، فماذا فعل؟! فأجاب: لقد أدرك جدي أن البطر، والانتفاخ والاتكال على النعمة شكلوا الثالوث الذي أودى به وسلبنا ملكنا وهذا أول العلاج ثم فطن إلى أن إهمال الكنز الذي وقع عليه جدنا الأكبر هو ما سهل على القرد الخبيث مهمته.. وإزاء هذا عزم على أمر جليل.. ونحن -معشر الفيلة- متى عزمنا على أمر جليل لا نتوقف حتى نبلغه ولو قضينا في سبيله عمرنا كله! 

سأل أحد المهتمين: وماذا كان ذلك الأمر الجليل؟.. فرد الفيل بصبر هو أمر ذو شقين أولهما: أن نعود إلى إرثنا بدل استجداء الحكمة من القرود، والثاني: أن نقضي على ما زاد من وزننا!.. فسألوه ساخرين بالاستعانة بشجرة الطلح المزعومة؟!.. فهز رأسه بيقين وقال: لا، جدي أقسم لا يستعين بمصدر خارج ذاته ما عاش.. إنما فكر: لقد خف وزني، ولو شيئاً قليلًا، خلال البحث عن علاج القرد المأفون فها هنا الحل إذن ... لو داومت على الرياضة -من منفاي هنا- عادت إلى رشاقتي، وإذا استعدت كنز أجدادي عادت إلي نباهتي وبهما معًا أستعيد ملكي.. وعندها أقسم جدي أن سيرى القرد الأجرب ماذا أفعل به؟!

سألوه بشوق وهل فعل جدك الأكبر ما عزم عليه؟! فأطرق في خجل، وقال: أو ما ترون أننا على بدانتنا ما نزال؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

183

الثلاثاء 24-مارس-1970

الثَور الأبيَض

نشر في العدد 10

129

الثلاثاء 19-مايو-1970

النصر الأعظم